كان السعي الإيراني محموما طوال العقد الماضي لاستعراض عضلاتها إقليميا من خلال الحركات المسلحة التي تعمل نيابة عنها، وتطوير قدرات قاذفاتها الصاروخية، ولعب دور الأخ الأكبر بالهيمنة على الشيعة في العراق بمجرد إسقاط عدوها القديم صدام حسين من على سدة الحكم.
ولكن تبعات أعمال الشغب التي أعقبت الانتخابات الرئاسية ستدخل طهران على الأرجح في دوامة من المشكلات العصيبة التي تعيقها عن تنفيذ طموحاتها خارج الحدود.
وفي هذا يقول الخبير في شؤون الشرق الأوسط في معهد كارنيغي إندومنت للسلام الدولي عمرو حمزاوي، إن «الافتقار إلى الاستقرار داخل إيران سيقلص من قدرة إيران على استعراض القوة في المنطقة وخارجها، وهي الممارسات التي أبدت إيران نجاحا كبيرا فيها مؤخرا».
وحققت إيران سلسلة من الخطوات التي مضت فيها قدما، حسبما تزعم إيران وحلفاؤها.. ففي العام 2000، أعلن حزب الله الذي يحظى بدعم من إيران الانتصار بعد سحب إسرائيل قواتها خارج جنوب لبنان في أعقاب أكثر من 20 سنة من الاحتلال.. في حين اسقط اجتياح العراق تحت قيادة الولايات المتحدة نظام صدام حسين الذي يكن لطهران عداء مستطيرا.
وبفضل التسليح والتدريب الإيراني، تمكن حزب الله مجددا من مقاومة اجتياح نظمته القوات الإسرائيلية التي تفوقه عددا وعتادا بفارق شاسع خلال حرب عام 2006 التي استمرت 33 يوما. وبعد قرابة عام، تمكنت حركة «حماس» المسلحة التي تحظى بدعم من إيران من بسط سيطرتها على قطاع غزة، وألحقت الهزيمة بالقوات الموالية للرئيس الفلسطيني الذي يحظى بدعم من الغرب..
كما مكن الدعم الإيراني سواء في جانبه السياسي أو الاقتصادي، سوريا، من الخلاص من نير العقوبات التي فرضتها عليها الولايات المتحدة ومن العزلة الدولية، وهو ما مكنها من التزام خندق الممانعة في مواجهة المعسكر الدولي التي تحظى بدعم من الولايات المتحدة.
ولكن الصورة الحديدية لإيران المتحدة خلف زعامتها الدينية تحطمت بفعل أعمال العنف التي اندلعت احتجاجا على نتائج انتخابات 12 يونيو الجاري، والتي أظهرت انتصارا ساحقا للرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد وفوزه بفترة ولاية ثانية.
طموحات
وإذا تمكن النظام من تثبيت أقدامه خلال الأزمة المتعلقة بالانتخابات، يرى الخبراء ان إيران ستبرز دولة أكثر أيديولوجية، وستواصل تنفيذ طموحاتها الإقليمية بصورة أكثر قوة، بما في ذلك السعي لتثبيت أقدامها في العراق ومقاومة التنازلات بشأن برنامجها النووي. لكنها إن أذعنت لمطالب موسوي بإجراء انتخابات جديدة، وهو أمر غير مطروح الآن، ستعد الدول العربية النظام ضعيفا لكنه سيبقى خصما إقليميا.
واستفادت إيران في السنوات الماضية من تراجع قوى إقليمية ذات ثقل فكانت لها الذراع الطولى في الشرق الأوسط. ودعم جهودها تلك تنامي المشاعر الرافضة الأميركان بين العرب بعد الغزو الأميركي للعراق والحرب على الإرهاب التي شنها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش.
ومع هذا، فمن شأن استمرار الاضطرابات أن يقصي إيران عن الشؤون الإقليمية، ما سيجعل أنصار إيران مثل حزب الله و«حماس» عاجزين عن التعويل على دعم طهران كما سيكشف ظهورهم في مواجهة الخصوم الداخليين.
أما إذ حدث قمع عنيف وأكثر خطورة للاحتجاجات، فيرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط من مؤسسة سنشري في نيويورك مايكل وهانا، أنه سيكون «توطيداً للقوة خلف الكتلة الحاكمة، فمن الممكن أن يواجه العالم العربي نظاما أكثر عداء وتربصا في السنوات المقبلة».
ملف العراق
ولولا التوترات في إيران، لأصبح موضوع سياساتها الإقليمية الآن إحياء التحالف الشيعي في العراق قبيل الانتخابات العامة المقرر لها 30 يناير 2010.
ولكان من شأن ذلك أن يضمن أن يبقي حلفاء إيران العراقيون قبضتهم على السلطة في وقت يتزايد فيه الغموض بشأن الوضع الأمني في ظل تراجع الوجود العسكري الأميركي إلى أن يكتمل الانسحاب بنهاية العام 2011.
ومن الممكن أن يؤدي غياب دور إيراني فاعل بارز إلى فشل التحالف، ومن ثم تفتت القوة الشيعية بما يضر بشكل جدي بفرص عودة المجلس الإسلامي العراقي الأعلى إلى الواجهة. فقد عانى المجلس خسائر محرجة في انتخابات المحافظات في يناير فيما يعتقد أنه رد فعل سلبي إزاء الأحزاب الدينية.
وفي هذا السياق، إن «الاضطراب المتواصل.. سيعرقل الإقدام الإيراني على صياغة أحداث سياسية مهمة من الناحية الاستراتيجية داخل جاره».
إلا أن النائب العراقي مصطفى الهيتي طرح وجهة نظر مختلفة، فهو يرى أنه لا أحمدي نجاد ولا مير حسين موسوي سيغير سياسة بلده نحو العراق»، مضيفا أن «كليهما سيسعى إلى كسب مزيد من السيطرة على بلدنا بكل ما يستطيع وبأي سبيل ممكن».
وفضلا عن العراق، كان حزب الله هو الآخر الجماعة الأكثر تأثرا بمن يفوز في المواجهة في إيران، أهو الجناح المسلح بقيادة خامنئي وأحمدي نجاد أم معسكر السياسيين الإصلاحيين ورجال الدين الذين ينتمي إليهم موسوي.
فأمين عام حزب الله حسن نصرالله يشارك خامنئي وأحمدي نجاد الكراهية المتجذرة للولايات المتحدة والاعتقاد الراسخ بأن سنوات من محادثات السلام مع إسرائيل لم تؤد لشيء وأن النضال المسلح فقط هو الذي سيعيد الحقوق الفلسطينية. وكتب نصرالله لأحمدي نجاد بعد يومين من انتخابات 12 من يونيو «إعادة انتخابك تشكل أملا عظيما لجميع المضطهدين، والمجاهدين والمقاومين».
(أ.ب)