لم تتفوه «سلمى» طالبة الصف الأول ابنة السنوات السبع بأية كلمة عندما كانت معلمتها تؤنبها على سرقتها «ساندويش» زميلتها في الصف.. اكتفت الطالبة بالبكاء مما دفع المعلمة أمام ردة فعل الطالبة إلى زيارة عائلتها.
في اليوم الثاني بدت المعلمة مصدومة مما رأت.. قالت لزميلاتها: إن أسرة الطالبة «البالغ عدد أفرادها 6 أطفال» لا تستطيع توفير طعام الافطار لكل أفرادها يومياً، لهذا اعتمدت الأم على برنامج يقضي بإطعام طفل واحد كل يوم من أطفالها قبل الذهاب إلى المدرسة، وترك الآخرين يذهبون إلى مدارسهم جوعى.
تلك القصة التي روتها ذات المعلمة لـ «البيان» تستند إلى نتائج المسح الصحي للعام 2007-2008 لطلبة المدارس في المملكة الذي صدر مؤخراً، الذي أظهر أن هناك 1 .14% من الطلبة في الأردن يذهبون جوعى إلى المدارس معظم الاوقات أو دائما بسبب عدم توفر الغذاء في بيوتهم خلال الثلاثين يوما الأخيرة قبل المسح.
ويقصد بالطلبة في المسح من عمر الروضة وحتى سن 18 سنة ويقضون أكثر من نصف نهارهم يوميا على مقاعد الدراسة، وهم يشكلون حوالي ثلث سكان المملكة وفق آخر الاحصاءات.
وتتراوح النسب الرسمية للفقر في الأردن وفق أرقام دائرة الإحصاءات العامة في الاعوام العشر الأخيرة بين 13% - 14% هبوطا وصعودا. فيما كانت النسبة 11% من السكان وفق دراسة البنك الدولي1999م. إلا أن الأرقام غير الرسمية للفقر في الأردن تذهب إلى أبعد من نظيرتها الرسمية بكثير بفارق يتجاوز الـ 20، أي ان نسبة الفقر لديهم تصل إلى نحو الـ 35.
وحسب دراسة الجوع في الأردن الصادرة عن تكية أم علي قبل نحو العامين فإن الفقر بين الأطفال هو أعلى من المعدل العام لنسبة الفقر في الفئات الأخرى.
وتبلغ نسبة الفقر بين الأطفال دون سن الثامنة عشرة 16% وهي أعلى بنسبة 2% من المعدل العام، الأمر الذي يدفع الأطفال للعمل وترك الدراسة وبالتالي ازدياد فرص الأمية والجهل والدخول في دائرة محكمة تربطها علاقات وطيدة ما بين الجهل والفقر.
«سلمى» لم تختبر تجربة أن يكون افطارها كلما افاقت من نومها صباحا من الأمور البديهية التي يفترض ان يقوم المجتمع وليس فقط اسرتها بتوفيره لها. ولكنها بدأت تلاحظ تدريجيا ؟ وستتعمق لديها الملاحظة اكثر كلما كبرت في السن ؟ أن عدد من زميلاتها لا يعانين مما تعاني منه.
وعلى لسان أكثر من مسؤول أعلن ان نسب الفقر في الأردن في تراجع. ووفق آخر تصريح لوزيرة التنمية الاجتماعية هالة لطوف فإن نسبة الفقر في المملكة تقدر بحوالي 13 بالمائة وهي تتباين ما بين 4 .9 بالمائة في محافظة العاصمة و0 .23 بالمئة في محافظة المفرق. فيما بلغ معدل البطالة 1 .12% في الربع الأول من العام 2009، منها 7 .9% للذكور، مقابل 1 .23% للإناث.
إلا ان الخبير الاقتصادي مازن مرجي يقول إنه من غير المعقول أن تقابل نسب كلفة المعيشة التي ارتفعت إلى أكثر من ثلاثة اضعاف خلال السنوات الماضية بانخفاض على نسب الفقر في المملكة كما تقول الحكومة.
ويؤكد ان تشكيك بعض خبراء الاقتصاد بدراسات الفقر الرسمية في الأردن تستند إلى أن معاييرها غير صحيحة.
وقال الوزير الأسبق الخبير الاقتصادي الدكتور جواد العناني إن البرامج الحكومية المواكبة للتغيرات الاقتصادية «لا تمس الكثير من المواطنين غير القادرين على الاستفادة من برامجها، وخاصة في الأماكن الريفية التي لا يزال دخل المواطنين الشهري فيها متدنياً».
ووفق نتائج المسح والذي جاء بين طيات الاستراتيجية الوطنية للصحة المدرسية للعام 2008 -2012 والتي تم انجازها مؤخرا بأن نسبة فقر الدم بين الطلبة المشمولين ببرنامج التغذية المدرسية كانت 5 .8% مقابل 18% لغير المشمولين كما بلغت نسبة عوز الحديد للطلبة المشمولين بالبرنامج 12% مقابل21% لغير المشمولين.
وكانت وزارة التربية والتعليم وبالتعاون مع وزارة الصحة قد اعتمدت برنامجاً صحياً يوفر أصنافاً من الطعام لعدد من المدارس في الاحياء الفقيرة، لكن البرنامج لا يشمل جميع مدارس المملكة الحكومية ومنها مدرسة «سلمى».
ما قامت به الهيئة التدريسية في مدرسة تلك الطالبة التي سرقت الساندويش من زميلاتها أنها قررت تخصيص مبلغ رمزي يومي يتم تحصيله من المعلمات وذلك لتوفير الساندويشات لعدد من الطالبات غير المستطيعات تدبير وجبة الإفطار، وذلك بعد اجراء عملية مسح للطالبات الفقيرات. ولكن ماذا عن الطلبة الجوعى في المدارس الأخرى؟
عمان ـ لقمان اسكندر
