الحديث عن الإعلام العربي وإشكالياته وهمومه وأحلامه وطموحاته، يصعب أن يتم تناولها في سطور عديدة، أو صفحات قليلة، خاصة في ظل التحولات الإعلامية التي طرأت على العالم بفضل التطور المذهل لتكنولوجيا المعلومات التي حولته لقرية واحدة صغيرة.
تلك التحولات لم تفت أنظمة الحكم على اختلاف أيديولوجياتها وتوجهاتها، بحيث أصبحت الحكومات واعية أكثر لطبيعة التحولات، وهي تحاول أن تستغلها لأقصى درجة من أجل ضمان إطالة سيطرتها على وسائل الإعلام، أو التحكم فيها لأطول فترة ممكنة، كما أن هناك من الجهات المسؤولة من استوعب مدى تأثير تلك التطورات ليبرر ويطوع القوانين المنظمة للإعلام، ولكن منها من تقاعس ليبقى أسيرا لها.
رئيس اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية أمين بسيوني يؤكد على وجود استراتيجية موحدة منذ أكثر من عشر سنوات، حيث تمت إقامة مدن الإنتاج في مصر ودبي وعمان، وإطلاق القمر الصناعي «عرب سات ونايل سات» عبر أجيالهما المختلفة.
بالإضافة إلى الوثيقة الأخيرة التي وقعها 44 وزيراً للإعلام والاتصالات على المستوى العربي، لضمان الإندماج الكامل بين الإعلام والاتصال ولوجود متغيرات في التقنيات الحديثة المتسارعة لتأثر الإعلام الأرضي بالفضائي في ظل وجود 650 قناة على القمرين، وانتشار الإنترت والاشكال الجديدة التي ظهرت عبره، مشيرا إلى أن الوثيقة التي تم إقرارها تمثل فترة عشرية ترسم والطموح على مدى السنوات العشر المقبلة.
وعن تأثير الإعلام العربي على قضايا الامة وتبنيها لاستراتيجية موحدة، قال بسيوني: من الصعب أن يكون هناك اتجاه موحد لإعلامنا، كما أنه من الصعب إلزامه بخط أو تيار واحد، فالتنوع مطلوب خاصة وأن الكثير من القنوات، خاصة التي تعبر عن افكار ورؤى من تمثلهم.
فإذا كانت خلافات فكرية وأيدلوجية وسياسية فمن الصعب بمكان إلزامها بخط سياسي فكري أو إعلامي موحد».
وقال عند ظهور القنوات الفضائية كان الإعلام محدودا بحدود الدولة التي يصدر منها، غير أن وجود الأقمار الصناعية وإطلاق القنوات الفضائية حققت للإعلام العربي نقلة كبيرة وأصبحت القنوات تخاطب أكثر من 300 مليون عربي.
وتابع: صحيح أن التنوع والاختلاف مطلوبان، لكن لابد أن يكون هناك توافق حول القضايا العربية، وتبني مشروعات قومية مشتركة تحقق طموحات الشعوب بما يعود بالنفع على الأمة كالسوق المشتركة التي نتحدث عنها منذ الستينات ولم نتحرك فيها «قيد أنملة».
وحول التحديات التي تواجه إعلامنا، أكد المفكر المصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية السيد ياسين قائلا: لايمكن فهم التحديات الراهنة أمام الإعلام العربي إلا لو حللنا بعمق التحولات الكبرى التي اصابت بنية المجتمع العالمي، وأبرزها الانتقال إلى المجتمع الصناعي ومحوره فضاء المعلوماتية، مشيرا الى أن مجتمع المعلومات العالمي يتحول ببطء وإن كان بثبات لكي يصبح مجتمعا معرفيا.
وأشار إلى أن عملية إنتاج المعرفة، ستصبح العملية الأساسية في القرن الحادي والعشرين ما يستدعي تشجيع الإبداع بكل الأنماط وعلى المستويات كافة. وأعرب ياسين عن اعتقاده بأن التحدي الأول الذي يواجه الإعلام العربي يتمثل في المحتوى، ويقصد بذلك على وجه التحديد، السؤال حول أي محتوى سيركز الإعلام العربي؟
فنحن في حاجة أولا إلى محتوى معرفي يرقى للمستوى الذي وصلته المعرفة الإنسانية في بداية القرن الحادي والعشرين، لكن المشكلة أننا لا ننتج المعرفة بل نستوردها من الغرب، موضحا أنه حتي في استهلاكنا للمعرفة فإننا لا نجيد العملية لأسباب شتى أخطرها، الأمية الأبجدية والأمية الثقافية والفجوة الاتصالية.
وأضاف: أما فيما يتعلق بالتحدي الثاني فهو تحدي حرية التعبير في مجتمع تسوده السلطوية السياسية التي تقيد هامش الحريات.
ويكون السؤال الذي يطرح نفسه للتعامل مع هذا التحدي، حول كيفية ابتداع وسائل ما تسمح بتخطي هذه العقبة من خلال حوارات ديموقراطية متعددة الأبعاد تشجع المواطنين على ثقافة الحوار واحترام الآراء المختلفة والقبول بالآخر؟
وأشار الى أن التحدي الثالث يرتكز حول أهمية تدعيم المجتمع المدني العربي الناشئ نظرا لأهمية دوره في التوسط بين الدولة والمجتمع الكبير وزيادة معدلات المشاركة وإثارة الحوار المجتمعي.
ولفت ياسين إلى أن التحدي الرابع الذي يواجه الإعلام العربي يتمثل في إقامة التوازن بين البرامج الترفيهية والبرامج الثقافية التي ترفع الوعي الاجتماعي للجماهير وتزيد من قدرتها المعرفية في فهم العالم المعاصر الزاخر بالمشكلات المعقدة التي تحتاج إلى جهود شتى من ثقافات مختلفة للإسهام في حلها.
وأوضح أن التحدي الخامس يمثله دور الإعلام العربي في مجال العلاقات الدولية، وتابع قائلا: نحن نعني في هذا الصدد على وجه الخصوص، مواجهة الصور السلبية لدى الغرب عن العرب والمسلمين والتي شاعت في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 حيث انه يقع على عاتق الإعلام العربي مسؤولية تصحيح هذه الصور وفق استراتيجية إعلامية مدروسة للتواصل مع أوروبا خصوصا والعالم بصفة عامة».
القاهرة ـ سباعي إبراهيم
