يتجول المؤلف في هذه الحلقة بين فكرة عالم ما بعد أميركا حيث تتجلى قوتان هما الصين منافساً والهند حليفاً لأميركا، وعالم ما قبل أميركا.

حيث تحتفظ واشنطن بمكانتها القيادية بفضل ما تتمتع به من روح المغامرة بمعنى الابتكار والتجديد. لكنه ينبه إلى أن شعوب الصين والهند أصبحت تطمح إلى الارتقاء بأساليب معيشتها، بحيث يزيد استهلاكها من المواد الغذائية وبخاصة منتوجات الألبان وبمعنى التحذير بأن إمدادات الأغذية في المستقبل غير البعيد يمكن أن تصبح مثارا لصراعات دولية ـ كوكبية. وتنبه الحلقة كذلك إلى الآثار السلبية التي نجمت عن دعوة ريغان في أميركا وتاتشر في إنجلترا إلى تجاهل الضوابط والنظم واللوائح التي كانت تضبط الأنشطة الاقتصادية تحت شعارات تحرير التجارة. وقد دفع العالم ولا يزال يدفع ثمنا باهظا لهذا الانفلات على نحو ما تجسده الأزمة الاقتصادية.

في العام الماضي أصدر الكاتب الأميركي ـ من أصل هندي فريد زكريا كتابه الشهير تحت العنوان التالي: عالم ما بعد أميركا. وكان يقصد أساسا أن زمن العولمة الراهن أصبح يضم قوى مستجدة أو فلنقل صاعدة يمكن أن تشارك، إن لم تنافس أميركا على قيادة العالم. يومها دعا فريد زكريا إلى وضع استراتيجية مبتكرة لتستبق بها الولايات المتحدة الأحداث والتطورات، وبحيث تدرك أن ثمة موقعين مهمين لأهم قوتين صاعدتين، وهما واقعتان بالمصادفة التاريخية في قارة آسيا: القوة الأولى هي الهند، وقد أوصى زكريا بأن تختار لها واشنطن موقع «الحليف». القوة الثانية هي الصين، وقد تصورها زكريا في موقع «الخصم».

وفي عالم ما «بعد» أميركا وصياغات وتصورات يرفضها مؤلف الكتاب موضحا في هذا السياق (ص 251).. أن المنطلق الأساسي الذي ينبغي أن تصدر عنه واشنطن، في عهد إدارتها الجديدة هو: عالم ما «قبل» أميركا. بمعنى استمرار أميركا في تبوؤ مقاليد الصدارة أو القيادة في زمن العولمة. وهو يحيل إلى السياق التاريخي لتجربة أميركا وإنجازاتها وخاصة في جانب الإبداع والتجديد والابتكار. والمهم أن تعي أميركا أبعاد هذا السبق في مضمار التقدم، وهو ما تشهد به إنجازات الفترات التي انقضت على مساهمات أميركا في عالم القرنين 19 و20. ويضيف المؤلف قائلا ان هذا الاستيعاب المتعمق لمنجزاتنا الماضية (في أميركا) لا يجعل من تلك القوى المستجدة الصاعدة منافسين لنا ولا متفوقين علينا، بقدر ما يصبحون مجرد رفاق الرحلة على نفس الطريق.

الميزة في المغامرة

والحق أننا قد نتفق، وكثيرا ما نختلف مع طروحات المؤلف على صفحات هذا الكتاب. لكننا نتفق معه في جانب نراه ـ من واقع الخبرة المكتسبة والمتابعة الموضوعية عنصرا تكاد تخص به الولايات المتحدة.

العنصر الذي ما زال يدفع إلى سلاسل التجارب التي تنطلق من روح الاستكشاف وحب الاستطلاع الإيجابي بمعنى الفضول العلمي البنّاء وتحري الابتكار والتجديد يستوي في ذلك ميادين البحوث في مجالات الطب والعلاج أو مجالات تطوير أساليب الإدارة وخطوط الإنتاج أو استكشاف الأفكار والموضوعات غير المسبوقة في مجالات الأدب والسينما وسائر ميادين الإبداع.

هذا الجانب يؤكده المؤلف، مشيرا إلى أن أميركا فازت في الحرب الباردة بفضل حيويتها الابتكارية، وخسرها الخصم السوفييتي حين خيمت على دولته بيروقراطية الحزب وجمود الإيديولوجية وركود النشاط بشكل عام.

يختم المؤلف الفصل الخامس من كتابه بهذه السطور: ما دمنا (في أميركا) متمسكين بموقع القبول بجسارة المخاطرة في مضمار الاقتصاد الدولي، فلن يكون هناك عالم ما بعد أميركا.. كل ما هنالك هو عالم ما بعد القوقاز. (بمعنى ما بعد المنافسة التي كان يجسدها الاتحاد السوفييتي ثم روسيا وجاراتها في سهول القوقاز).

الحرب ليست القتال

هكذا يحسن المؤلف صنعا حين يرى أن أكبر عوامل قوة أميركا دائما تكمن في روح المغامرة (المحسوبة) بالطبع.. روح التجديد وتوخي الابتكار وعدم الدوران في فلك الركود الرتيب المكرور حتى في غمار الحرب..

ويوضح المؤلف هذه النقطة على صفحات الفصل السادس قائلا: طالما كافح العسكريون الأميركان ليؤكدوا أنك إذا استكملت ما يكفي من قوة النيران ومن حجم القوات التي تستطيع تحريكها إلى الميدان، فإن النصر الحقيقي لا يلبث أن يصبح ملك يديك أو طوع يديك، ويعلق المؤلف بهذه العبارات: هذا هو بالضبط المفهوم الذي أوقفت حياتي كلها على دحضه وإثبات تفاهته.. إنه مفهوم التعامل معه الحرب من منظور الحرب وحدها.

والمشكلة أن البنتاغون الأميركي اعتمد هذه النظرية التي يرفضها المؤلف، نظرية أن الحرب تعني النيران والجنود والضباط.. وشن القتال وخوض الاشتباكات إن كانت دوائر الاستراتيجية والتخطيط في البنتاغون بيد المحافظين الجدد بكل نظرتهم الضيّقة المفعمة تعصبا وتشربا بروح الاستعلاء إلى حد العدوان.

والمشكلة أن هذا الاقتصار على القوة العسكرية وحدها لم يكن مفيدا في التفاعل مع أوضاع وثقافات ونفسيات وتوجهات في زمن العولمة.

محاولة إنصاف الجنرال

ورغم انتقادات المؤلف لوزير خارجية بوش، وهو الجنرال كولن باول فإنه يوضح أن الرجل كان يقف وحيدا في ساحة يسيطر عليها المحافظون الجدد الذين أثروا على فكر وتوجهات الرئيس بوش.

ويحيل الكتاب إلى تجربة باول الشخصية خلال حرب فيتنام. ويشيد به كعسكري محترف ويستعيد عباراته الانتقادية لأسلوب إدارة تلك الحرب التي كابدتها العسكرية الأميركية في أدغال جنوب شرق آسيا. يومها قال باول بالحرف الواحد: لقد لبى جنود أميركا نداء الواجب إلى حرب أسيء تصورها وإدارتها وتفسير دوافعها من جانب قادتهم وزعمائهم.

والمشكلة ـ يضيف مؤلف كتابنا (ص 258) أن نفس الخطأ، نفس الإساءة تكررت في الواقع في ربيع عام 2003. ولكن على يد قادة ينتمون إلى جيل لم يتمكن من وعي الدروس المستفادة من تجربة فيتنام.

دروس العولمة

ثمة دروس من نوع جديد تطرحها حاليا تجربة العولمة التي تحول معها كوكب الأرض ـ كما أصبح ذاتها ـ إلى «قرية كونية». ولأن الكاتب يحاول أن يبسط أمام إدارة أوباما الجديدة آفاق المستقبل. القريب بالذات، فهو يركز بالذات على العولمة بوصفها ظاهرة اللحظة الكونية الراهنة. وهنا يتوقف المؤلف بالتأمل عند اثنين من أحداث الربع الأخير من القرن العشرين.

أولا: قرار الزعيم الصيني ـ «دنغ هيساو بنغ» بالتحول بالاقتصاد في الصيني نحو قوانين السوق.

ثانيا: القراران المتزامنان اللذان أصدرهما الرئيس ريغان في واشنطن ورئيسة الوزراء الإنجليزية تاتشر في لندن.. ومن خلال هذين القرارين أطلق الطرفان ما وصفه كاتبنا بأنه «موجة التحرر أو التحلّل من القواعد واللوائح والنظم».

عقد الثمانينات شهد وقوع هذه التحولات وبدأ عقد التسعينات وما بعده يعيش النتائج المترتبة عليهما.. وهذه النتائج تلخصت في 4 نتائج جذرية حملت كلها في توصيفات تبدأ كل منها بحرف «ض» في الإنجليزية وترجمتها كما يلي: السرعة + الحجم + التنوع + الذيوع.

وبمعنى أن المعاملات التي شهدتها السوق الدولية. كان لا بد وأن تفرض بالتالي أوضاعا مستجدة على جماهير المتعاملين ـ المستهلكين بالذات. ومن ثم كان لا بد وأن ينتشر شعار مستجد بدوره في مجال المعاملات والصفقات العالمية والشعار يحوي نقلة من فكرة إلى فكرة أخرى على الوجه التالي: من قاعدة «اعرف عميلك» إلى قاعدة «أعرف سلسلة الإمداد» التي تأتيك بالسلعة المطلوبة.

هنا لا قوات عسكرية ولا دفعات من نيران المدافع أو قصف القنابل. هنا تفرض العولمة أوضاعها متمثلة في حركة الأموال والسلع والإمدادات والمواد مع اختلاف نوعياتها كي تلف قطر الكرة الأرضية أكثر من مرة على مدار الساعات الأربع والعشرين.

مستقبل الغذاء العولمي

هنا أيضا يتوقف مؤلف الكتاب مليا عند نوعية بعينها من هذه السلع والإمدادات. إنها التجارة العالمية (العولمية إن شئت) في مجال الأغذية. ويقول المؤلف: إن هذه هي أكثر أنماط التجارة مدعاة للقلق والانشغال العميق في الوقت الحالي.

ويزيد القلق مع ما سبق وأشرنا إليه مع المؤلف من حكاية التخلص ـ بدعوى التحرر والتحرير ـ من القواعد الناظمة واللوائح الضابطة التي طالما حكمت أساليب التبادل التجاري ـ الصادرات والواردات في العالم ولا سيما في مجالات سوبر ـ حيوية تأتي في مقدمتها الأغذية والأدوية بالذات.

يقول المؤلف: صحيح ان الخطر قائم متمثلا في احتمال أن تتعرض شبكات الإمداد بالغذاء إلى هجمات إرهابية.

لكن هذا الخطر يتضاءل ـ بصراحة، إذا ما قارناه بما يمكن أن ينجم في هذا الميدان عن عواقب الخطأ البشري أو الطمع البشري وهو ما يكبد شعوب العالم تكاليف أكثر من باهظة، منها موارد مادية ومنها إصابات بشرية يمكن أن تفضي إلى خسائر في الأرواح.

تتفاقم المشكلة ـ على نحو ما يحذر منه المؤلف أيضا ـ من جراء ظاهرة مشهورة حاليا وتتمثل في أن هناك شعوبا بعينها بدأ أفرادها يطمحون إلى مستويات أفضل، ولو نسبيا من المعيشة ومن ثم يرفعون من درجة ما يتناولونه من وجبات من حيث النوعية، والكمية، وتنوع الأصناف.

فما بالك أن تكون هذه الشعوب في الهند وفي الصين، يعني أنك بإزاء زيادة كميات ونوعيات استهلاك مليارات من عدد البشر (بالتحديد 5,2 مليار إنسان)، وهنا ما يشير إليه ما حدث من مضاعفة دخل الفرد في الصين خلال السنوات الأخيرة، فضلا عن التزام قيادة الحزب الحاكم والحكومة في بكين بمعاودة هذه المضاعفة خلال الجيل القادم.

ولأن مؤلف كتابنا أستاذ في علوم السياسة والعسكرية فهو مولع بالتفاصيل، خاصة إذا أسفرت عن دلالات يعتد بها. يقول: منذ 10 سنوات كان الصيني العادي يستهلك 11 رطلا من منتجات الألبان سنويا.. هذه الكمية قفزت مرة واحدة لتصبح 51 رطلا في عام 2006!.

ماذا يعني هذا التغير؟

يعني أنه إذا ما قررت شريحة معتبرة لا يستهان بحجمها من أبناء البشر أن تضاعف استهلاكها من الحليب بمقدار 4 مرات ـ فإن هذا يعني بالضبط صدمة مروعة تصيب سوق الإنتاج العالمي من اللبن ومنتجات الألبان.

عن اللبن.. والبترول

ألا يدفعنا هذا إلى تأمل تلك المقالة التي نشرتها جريدة «نيويورك تايمز» في عام 2007 حين أعلنت قائلة: إن الحليب يمكن أن يصبح هو البترول الجديد في مرحلة ما من حياتنا بعد أن تضاعفت أسعار الحليب في أميركا منذ عام 2005 ؟

ولعل المعني من هذا كله هو أن المستقبل القريب يحفل على نحو أو آخر بعوامل شتى، بعضها في حكم الاحتمالات وبعضها الآخر يدخل في تصنيف التحديات، وجميعها تستحق التأمل العميق فضلا عن التأهب الدقيق من جانب إدارة جديدة تحكم الولايات المتحدة ومن خلالها تتحمل مسؤوليات قيادية بصورة أو بأخرى عن قضايا العالم.

وعبر صفحات هذا الكتاب يمكن أن نرصد الانشغال العميق من جانب المؤلف بتلك المتغيرات التي تنطوي عليها صفحات المستقبل.. وإذا كان قد أشار إلى ما يتعلق منها باستهلاك الحليب فهو يشير أيضا إلى متغير خطير يرقى هذه المرة إلى ظاهرة ترتبط بأسلوب الحكم وبالقوى الفاعلة المؤثرة على مؤسسات الحكم ذاتها في أميركا.

الصفحات: 488 صفحة

عرض ومناقشة : محمد الخولي

الناشر: ج. ب. بوتمان ـ نيويورك ـ 2009