حسمت اللجنة الشعبية العامة في ليبيا «الحكومة» الجدل الدائر حول شركة الغد للخدمات الإعلامية التي تأسست أغسطس2007 بإصدارها قرارا يحمل الرقم 226 لسنة 2009 بإنشاء المركز الوطني للخدمات الإعلامية، ويتبع اللجنة الشعبية. ولم تمض سوى أسابيع على فتح السوق الصحافية المحلية أمام المطبوعات العربية والأجنبية ما شكل خطوة انفتاح لافتة، حتى أتى إجراء مفاجئ أعاد البلد سنوات إلى الوراء، وتمثل في تأميم وسائل الإعلام والتي رغم قلتها لم تكن تخضع للقطاع العام.

واعتبر المراقبون في ليبيا أن القرار الذي أعلنه «القائد» القذافي يشكل ضربة قوية للتيار الإصلاحي الذي كان يرمز إليه نجله سيف الإسلام وذلك بتقويض المنصة الإعلامية التي كانت تجعل صوته أرفع من أصوات العناصر الممسكة بالأجهزة الأمنية وبغالبية دواليب العمل الحكومي.

وبحسب المادة رقم 10 تؤول للمركز قناة الليبية الفضائية، قناة الليبية المسموعة ،قناة الإيمان، صحيفة أويا، صحيفة قورينا، مطبعة الغد..

وهي مكونات شركة الغد المحسوبة على سيف الإسلام القذافي، بما لها من حقوق وما عليها من التزامات، كما نصت المادة نفسها على تصفية حقوق الملاك وتعويضهم، بمعرفة لجنة تشكل وتعتمد نتائج أعمالها من أمين اللجنة الشعبية العامة».وبهذا القرار الذي صدر في مايو الماضي تكون اللجنة الشعبية العامة قد أسدلت الستار على ما يعرف بـ «إعلام الغد المستقل»، ليصبح الغد في يد الدولة وداخل عباءتها.

بداية الأزمة

يرى البعض أن أزمة شركة الغد بدأت مع نقل تبعية الفضائية الليبية إلى الهيئة العامة لإذاعات الجماهيرية في ابريل الماضي وما أعقب ذلك من جدل حول السبب الحقيقي لتلك الخطوة قد رصدتها «ليبيا اليوم» في تقرير بعنوان الفضائية الليبية.. هل هدأت العاصفة؟

وكان التقرير قد انفرد بالقول «إن الأزمة بدأت مبكرا وربما منذ إنشاء شركة الغد وضم الفضائية الليبية التي خلقت سابقة يسعى العديد من أصحاب رؤوس الأموال للتأسيس عليها، وبالتالي شكلت إحراجا للمشرع الليبي الذي حصر إدارة المحطات المرئية والمسموعة على الهيئة العامة لإذاعات الجماهيرية فقط».

وكان سيف الإسلام الذي يرأس مؤسسة خيرية تحمل اسم والده، انتقد في كلمة ألقاها صيف 2007، أي قبيل إطلاق مجموعته الإعلامية «الغد» في اجتماع شبابي في سيرت، ما اعتبره «التفافا على النظام الديمقراطي» نافيا أن تكون ليبيا «تحت سلطة الشعب»، خلافا لما دأب والده على إعلانه في خطبه منذ إرساء «النظام الجماهيري» في ليبيا سنة 1976.

وذهب الابن إلى حد انتقاد سجن المعارضين و«بهدلة» المخالفين في الرأي باسم الشعب، وغياب حرية الإعلام، بل أكد أن « الصحافة معدومة في ليبيا أصلا ولا تعني شيئا في ظل سيطرة أربع صحف باهتة وركيكة ويكتب فيها عدد محدود من الأشخاص» على المشهد العام في الجماهيرية.

وقد ركز سيف الإسلام في الفترة الأولى من بروزه على مسرح السياسة الليبية، من خلال اللقاءات التي أجراها مع الأميركيين والأوروبيين، على إنشاء مشروع إعلامي يعكس دوره المتنامي في السياسة الداخلية ليصبح مثالا على طريق الإصلاحات التي كان يعتزم دفع البلد نحوها.

ويمكن القول إن «مؤسسة الغد» الإعلامية ءج-افل حمليف التي كان يقودها عبد السلام المشري استطاعت أن تنقل الإعلام المحلي من عهد التصحر إلى مرحلة المهنية. واعتمدت على مطبعة حديثة خاصة بها، وشركة توزيع ، وكوادر مهنية متميزة، بينما اختار المشرفون على قناة «الليبية» منهجا إعلاميا مختلفا عن الرسمية.

وفي هذا السياق تكفلت شركة التوزيع بترويج الصحف والمجلات العربية والأجنبية التي ظلت محجوبة عن القارئ الليبي طيلة أربعين عاما اعتبارا من فبراير الماضي.

وكان سيف الإسلام يُشدد على ضرورة الانفتاح الاقتصادي متعمدا مهاجمة البيروقراطية الحزبية والإدارية التي تشكل معاقل لمعارضة الإصلاحات التي سبق أن أطاحت برئيس الوزراء المقرب منه شكري غانم.

مشروع سيف الإسلام

ما أن بدأت التسريبات الخاصة بضم شركة الغد إلى اللجنة الشعبية العامة تسري في الشارع الليبي حتى تبارى المهتمون بالشأن العام كل يقرأ الحدث من وجهة نظره، فمن قائل أن القرار يستهدف إسقاط مشروع سيف الإسلام «ليبيا الغد»، ومن فسر القرار بأنه يأتي في أجواء الصراع بين الحرس القديم والحرس الجديد، ومن قائل انه تصحيح لوضع قانوني قائم، إذ لا تسمح التشريعات الحالية بإنشاء مثل شركة الغد وبالتالي على الإصلاحيين يذل الجهد من أجل إيجاد تشريعات تكفل لكل الليبيين تكوين شركات مشابهة للغد أولا.

ويكثر الاستدلال بالانتقادات اللاذعة لوضع الصحافة والإعلام في ليبيا، التي وجهها سيف الإسلام في عدة مناسبات، فقد جاء في كلمة له بمناسبة افتتاح بيت سبها الثقافي في ابريل من العام الماضي «المجتمع لابد أن تكون عنده مؤسسات إعلامية تضم كل الصحافيين و نقابة للصحافيين ونقابة الكتاب والأدباء، وإصدار صحف مستقلة، «باش تفضح كان فيه فساد، كان فيه تزوير، كان فيه خلل معين. مستقلة لا تابعة لأمين الإعلام، لا تابعة لمؤتمر الشعب العام، لا تابعة للجنة الشعبية العامة، لا تابعة سيف الإسلام صحف مستقلة بمعنى الكلمة.»

إلا أنه عاد في خطاب إعلان اعتزاله الحياة السياسية في اغسطس2008 ليوضح قائلا «صحافة مستقلة لا أتحدث عن صحافة حرة أي واحد يكتب وأي واحد منفلت يكتب.. صحافة مستقلة لا أحد يؤثر فيها مثل «بي بي سي» مثلا.. هيئة الإذاعة البريطانية.. لا هي تابعة الملكة، ولا الحكومة، تابعة للشعب الإنجليزي، تمويلها يأتي من الشعب الإنجليزي. حتى الملكة نفسها قاضت بى بى سى رفعت فيهم قضية.. فقالوا نحن لسنا تابعين للعرش ولا نتبع الحكومة ،نحن ملك الشعب الإنجليزي وبالتالي كل الحقائق سنضعه أمامه».

طرابلس - سعيد فرحات