برغم دعوات التهدئة التي أطلقتها جميع فئات الشعب الكويتي على اختلاف مشاربها السياسية والاجتماعية والثقافية، إلا أن التصعيد المتواصل بين السلطتين التشريعية، الممثلة بمجلس الأمة، والتنفيذية، الممثلة في الحكومة، يأبى ألا يكون سيد الموقف، فيما يبدو أن النواب متفقين على التهدئة بينهم تحسباً لرص الصفوف في المعركة ضد مجلس الوزراء.
ولعل ما شهدته جلسات البرلمان المعدودة التي لا تتعدى ست جلسات منذ افتتاح دور الانعقاد الأول لمجلس 2009 ما هي إلا دليل واضح على ندّية علاقة السلطتين برغم تطابق دعواتهما بشأن الجنوح بالبلاد نحو التنمية وتجاوز ما يعرقل التقدم المجمد نتيجة العراك السياسي الحاد بينهما.
وفي هذا السياق، تقرر أن يدرج الاستجواب الذي تقدم به النائب مسلم البراك بحق وزير الداخلية الشيخ جابر الخالد في جلسة ال23 من الشهر الجاري الأمر الذي تقبله الأخير بروح التحدي معلناً استعداده لتفنيد محاور الاستجواب وتعريته أمام الشعب الكويتي بجلسة علنية.
وسجل وزير الداخلية الكويتي بذلك أول سابقة من نوعها بوقوف أحد أفراد الأسرة الحاكمة في الكويت على المنصة، وهو الأمر الذي كان في السابق يؤدي إلى استقالة الحكومة أو الوزير المستجوب.
وكان واضحاً منذ اليوم الأول الذي التأمت فيه الدورة الجديدة للبرلمان الكويتي اتجاه الأمور نحو المزيد من الصدام، في حين أكد النواب أن الخلافات البينية بين أعضاء مجلس الأمة أنفسهم قابلة للحل. وصرح النائب محمد الحويلة ل«البيان» أمس أنه «لا يوجد خلاف بين أعضاء مجلس الأمة، وإن حدث فسرعان ما يتم الإصلاح بينهم».
وقال إنه «ليس هناك خلاف حقيقي بيننا كنواب مثلما يطرح في وسائل الإعلام وإنما ما حدث ليست إلا وجهات نظر مختلفة تعبر عن النواب وانتماءاتهم وأولوياتهم». وشدد النائب دليهي الهاجري في حديثٍ لـ «البيان» على أن «الاختلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية»، مشيراً إلى أن «ما يحدث في قاعة البرلمان هو ممارسة للديمقراطية دون قيود».
وبدوره، أفاد النائب غانم الميع بأن الخلافات النيابية «تكاد تكون شبه معدومة وليس لها وجود لا سيما عندما يتعلق الأمر بالمصلحة الوطنية»، مضيفاً أن النواب فيما بينهم «ربما يختلفون في نقطة لكنهم يتفقون على بقية النقاط». ولفت الميع إلى أن كل نائب «يرى المصلحة من وجهة نظره».
أما في ما يتعلق بعلاقة النواب بالحكومة، فيقول النائب علي الدقباسي إن العلاقة بين المجلس والحكومة «كانت في الأعوام السابقة متذبذبة»، منوهاً إلى أنها «باتت تجنح نحو التصعيد سواء من قبل الحكومة أو المجلس». وتابع قائلاً إنه «عندما تتأزم الأمور بشأن قضية معنية يحصل نوع من التطرف في المواقف بصورة تجعل من الاستحالة الوصول إلى موقف».
من جهته، بين النائب فيصل المسلم أن مجلس الوزراء «عادةً ما يلجأ إلى تبرير مواقفه المتخاذلة بعدم تعاون البرلمان معه» على حد وصفه، مشيراً إلى أن الحكومة «لم تضع برنامج عمل لها منذ أكثر من عشرة أعوام»، ومتسائلاً: «كيف يمكن التعاون مع حكومة لا تعمل وفق برنامج زمني محدد».
وأكد النائب مبارك الوعلان أن العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية «مهما وصلت إلى مرحلة من التوافق، فستظل ثمة اختلافات واجتهادات وأولويات متفاوتة»، موضحاً أن ذلك «لا يعني أن الطريق مسدود، فثمة جهود تبذل لتقريب وجهات النظر وتنفيذ جدول الأولويات وتجاوز نقاط الاختلاف».
ويشير العديد إلى أن ما يزيد الطين بلة في المشهد السياسي، التصريحات التي تتضمن انتقادات عنيفة تصل في بعض الأحيان إلى السب والشتائم، في حين تتحول الصحف في أحيان أخرى إلى ساحة حرب بالبيانات والردود المتبادلة في تكرار لحالة التوتر والتأزيم التي سادت العلاقة في الفترة الماضية وأدت إلى حل البرلمان عدة مرات واستقالة الحكومة مرات أخرى.
ويثير المراقبون للوضع السياسي في الكويت مخاوف من أن تعرقل هذه الأجواء الملبدة في غيوم الخلافات والصراعات السياسية والشخصانية وعد المجلس بتنفيذ أجندة مشاريع التنمية وبرامج الإصلاح التي تعهد بإذلال عقباتها وتوعدت الحكومة في المقبل بإطلاقها مع بداية دورة الانعقاد المقبلة.
ومن بين أهم ساحات العراك السياسي في الكويت، تبرز وسائل الإعلام التي تمارس دوراً مؤثراً في تحديد أطر العلاقة بين الحكومة والمجلس عبر ما تنشره وتبثه من معلومات وأخبار حيث تعتبر أداة لتوجيه الرسائل وجس نبض الشارع في قضايا معينة قبل طرحها وتبنيها بشكل علني.
الكويت - بدر سالم
