استخدمت السلطات الإيرانية أمس لغتين في مواجهة حالة الغضب على نتائج الانتخابات الرئاسية، فاللين كانت اللغة التي استخدمها مجلس صيانة الدستور الذي أعرب عن قبوله اعادة فرز الأصوات في انتخابات الرئاسة والتي فاز بها الرئيس محمود أحمدي نجاد، ولكنه كان حازماً في رفض إعادة الانتخابات أو الغاء النتائج في الوقت الراهن، فيما كانت القوة لغة سلطات الأمن التي واجهت المظاهرات الإصلاحية بالنار ما تسبب في مقتل سبعة متظاهرين يوم الاثنين .
وهو ما نعكس تراجعاً في موقف المرشح مير حسين موسوي الذي دعا أنصاره إلى عدم حضور تجمع حاشد كان دعا له عصر أمس «حفاظاً على الأرواح»، وهو ما ترك الميدان لمناصري المرشح الفائز رسمياً الرئيس محمود أحمد نجاد للخروج في «مظاهرة مضادة».. بالتزامن مع تحول موجة الاعتراض الميداني نحو بعض مدن المحافظات، واعتقال السلطات المزيد من رموز التيار الإصلاحي، وبينهم نائب رئيس سابق.
وبدأت تطورات المشهد الإيراني صباح أمس مع قرار مجلس صيانة الدستور، وهو أعلى هيئة تشريعية في إيران، استعداده لإعادة فرز الأصوات في انتخابات الرئاسة، وإشارته إلى أن إعادة الفرز «قد تؤدي الى تغيير في الأصوات» التي حصل عليها المرشحون في الانتخابات.
لكن محطة «برس» التلفزيونية الإيرانية أوضحت أن المجلس وافق على إعادة الفرز في صناديق الاقتراع المتنازع عليها في الانتخابات.
وقال الناطق باسم المجلس عباس علي كدخدائي في تصريح نقلته وكالة الأنباء الإيرانية انه «اذا تبين لمجلس صيانة الدستور ان مخالفات ارتكبت مثل شراء أصوات او استخدام بطاقات هوية مزورة.. فسوف يأمر بإعادة تعداد الأصوات».
وقال كدخدائي إنه «بناء على القانون لا يمكن النظر في طلب هؤلاء المرشحين». وكان المرشح الإصلاحي المهزوم، بحسب نتائج وزارة الداخلية المعلنة يوم السبت الماضي، مير حسين موسوي ناشد المجلس إلغاء نتيجة الانتخابات وقال إنه لا يشعر بتفاؤل. واستمراراً لحالة التفاؤل حيال مصير هذه المواجهة، حض موسوي أنصاره على عدم حضور تجمع حاشد كان مزمعاً تنظيمه في ساحة ولي العصر في طهران «حفاظا على أرواحهم».
وقال عبد الفضل فاتح، مستشار موسوي، لوكالة «فرانس برس» في بيان ان مكتب موسوي «يدعو الناس إلى تجنب الوقوع في فخ المواجهات المفتعل».
وكان من المقرر ان ينزل أنصار موسوي في تظاهرة جديدة في ساحة ولي العصر في الساعة 17. أي بعد ساعة من مظاهرة مضادة دعت السلطات الإيرانية إليها في الموقع نفسه.
اعتقالات.. والتهمة مؤامرة
وأوردت وكالة الأنباء الرسمية ان مجلس تنسيق الإعلام الإسلامي، الهيئة الرسمية التابعة لمرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي، يطلب «من جميع شرائح المجتمع المشاركة في هذه التظاهرة» «المضادة» احتجاجا على الاضطرابات التي جرت في الأيام الأخيرة.
وبينما كان لافتاً أن الدعوة تمت تحت عنوان: «التظاهر من اجل وضع حد للمؤامرة والإخلال بالأمن» وإحباط «خطط الأعداء».. أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني أمس عن أن «عناصر رئيسية» في الاضطرابات اعتقلت ووجدت بحوزتها متفجرات وبنادق. ولم تذكر محطة «برس» الناطقة بالانجليزية عدد الأشخاص الذين اعتقلوا أو وقت اعتقالهم.
وأفادت مصادر صحافية ومصادر إصلاحية أن السلطات اعتقلت اثنين من رموز الإصلاحيين، هما: سعيد هاجاريان، ومحمد علي ابطحي. والاثنان كانا مقربين من الرئيس السابق محمد خاتمي. وكانت مصادر في التيار الإصلاحي قالت مطلع الأسبوع إن الشرطة اعتقلت أكثر من 100 إصلاحي من بينهم محمد رضا خاتمي شقيق الرئيس خاتمي.
منتظري مع المظاهرات السلمية
في هذه الأجواء، دعا رجل الدين الإيراني المعارض آية الله حسين علي منتظري الشباب الإيرانيين إلى مواصلة تظاهراتهم بطريقة سلمية «للمطالبة بحقوقهم».
ودعا منتظري، في بيان تلقته وكالة «فرانس برس» موجه إلى الأمة الإيرانية، الجميع «وعلى الأخص الشباب إلى المطالبة بحقوقهم بصبر وضبط النفس».
ووجه منتظري انتقادات شديدة استهدفت بصورة خاصة السلطة ونتائج الانتخابات. وقال إنه «لسوء الحظ، فقد استخدمت هذه الفرصة الممتازة (الانتخابات) بأسوأ طريقة ممكنة»، واصفا نتائج الانتخابات بأنها «أمر لا يقبله اي عقل صحيح». كذلك انتقد قمع التظاهرات مبديا أسفه «لتعرض رجال ونساء وطلاب عزل للضرب والاعتداء والقمع والاعتقال أمام أنظار العالم». واتهم النظام بـ «تسوية حساباته مع المثقفين والناشطين والمفكرين وباعتقال العديد من مسؤولي الجمهورية الإسلامية دون سبب».
وكان سبعة اشخاص قتلوا ليل الاثنين وأصيب عدة اشخاص آخرين في نهاية تجمع حاشد عندما حاول متظاهرون (قطاع طرق بحسب تسمية وسائل الإعلام الرسمية) مهاجمة مركز لميليشيا الباسيج شبه العسكرية.
وتشهد العاصمة الإيرانية بالفعل منذ أربعة أيام اكبر واعنف احتجاجات مناهضة للحكومة منذ الثورة الإسلامية في العام 1979 وتعهد أنصار موسوي بمواصلة مظاهراتهم.
امتداد الاحتجاجات
وأمس، طالت حركة الاحتجاج على فوز الرئيس نجاد عددا من مدن المحافظات الايرانية. وافيد بأن الحركة الاحتجاجية تجري بطريقة سلمية بصورة عامة رغم وقوع احداث في بعض المواقع، فيما يقابل المتظاهرون بانتشار كثيف لقوات الامن في البلدات الصغيرة.
وسمعت أصوات إطلاق نار في ثلاث مناطق تقع شمال طهران في ساعة متأخرة الليلة الماضية. ففي شيراز، وقعت احداث وتم اعتقال عدد من «المخلين بالنظام العام»، وفي مشهد، ثاني مدن البلاد، اطلقت دعوة الى التظاهر لكن الانتشار الكثيف لشرطة مكافحة الشغب وعناصر ميليشيا الباسيج الإسلامية ردعت الناس عن النزول إلى الشارع.
وفي أصفهان (وسط) نزل متظاهرون مؤيدون لموسوي إلى الشارع واحرق بعضهم دراجات نارية للشرطة وآليات أمام مبنى التلفزيون الرسمي. وقال شهود إن شرطة مكافحة الشغب استخدمت الغازات المسيلة للدموع والهراوات لتفريقهم. وقال سكان انه كانت هناك ايضا مظاهرات سلمية مؤيدة لموسوي في: رشت، واورومية، وزهدان، وتبريز. واشاروا إلى أن «الناس يطلقون ابواق سياراتهم في الشوارع، لكن لم تحصل تظاهرات».
فريق أوباما في موقف صعب.. والحذر أسلم المواقف
تواجه إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما معضلة بشأن كيفية الرد على انتخابات إيران المتنازع عليها. فمن الممكن أن يأتي الانتقاد الشديد بنتيجة عكسية لكن رد الفعل الحذر يعطي انطباعا بالضعف.
وحتى الآن اتسم رد فعل الرئيس أوباما ومسؤولين أميركيين بارزين آخرين بالحذر على الانتخابات المتنازع عليها والتي أثارت احتجاجات عنيفة بعد إعلان فوز الرئيس المحافظ محمود احمدي نجاد بفارق كبير على رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي. وقال محللون عدة ان البيت الأبيض في موقف صعب لكن الخيار الأفضل هو الابتعاد بدلا من ضخ الآراء الأميركية في الجدل السياسي الإيراني.
وقال الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية جون الترمان إن «قدرة الولايات المتحدة على أن تضر السياسة الإيرانية اكبر كثيرا من قدرتها على أن تفيدها».
كما تريد الولايات المتحدة أن تظل فرصة الحديث مع حكومة إيران بشأن برنامجها النووي متاحة. ويشتبه الغرب أن برنامج إيران النووي يهدف إلى تصنيع قنبلة لكن طهران تقول انه يهدف إلى توليد الكهرباء.
وفي هذا السياق، صرح أوباما للصحافيين يوم الاثنين بأنه يساوره «قلق عميق» من أعمال العنف التي أعقبت الانتخابات لكنه أوضح أن واشنطن لا تريد أن تصبح «قضية انتخابية متاحة» في النزاع على الانتخابات. وشدد على أن «اتخاذ القرارات بشأن من سيكونون زعماء إيران يرجع للإيرانيين».
وأضاف أوباما القول: «نحترم السيادة الإيرانية ونريد تجنب أن تصبح الولايات المتحدة هي القضية داخل إيران»، وأكد على أنه يريد مواصلة السعي إلى إجراء حوار حازم ومباشر مع طهران.
لكن في الداخل يرزح أوباما تحت ضغط من المحافظين الذين يريدون ردا أكثر قوة والمتشككون في سياسة الانخراط. إذ وصف عضو مجلس الشيوخ الجمهوري ومنافس أوباما في انتخابات الرئاسة الأميركية التي جرت العام الماضي جون ماكين انتخاب احمدي نجاد لولاية ثانية بأنه «فاسد» وحض الولايات المتحدة على «التحدث بصراحة وقوة».
وانتقد النائب مايك بينس، ثالث ابرز عضو من الحزب الجمهوري بمجلس النواب أوباما لأنه لم يتحدث بقوة اكبر، وقال في هذا الشأن إنه «من الملائم لزعيم العالم الحر في هذا الوقت أن يوجه كلمة تشجيع لهؤلاء المعارضين في الشارع». لكن خبيرة الشؤون الإيرانية في معهد بروكينغز سوزان مالوني قالت ان أخذ صف المحتجين المؤيدين للديمقراطية علنا يمكن أن يضر بهم وأن يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة.
موضحة أن «الحل الوحيد هو الابتعاد حتى ينهوا المسألة... أعتقد أن التعبير عن القلق ملائم بشدة لكننا لا نريد أن توجه واشنطن انتقادات شديدة». وفي ظل هذا التحدي، قال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية إيان كيلي ان الولايات المتحدة لاتزال تقيم الوضع في إيران بعد الانتخابات لكنه أكد مجددا أن واشنطن ما زالت تريد البحث عن فرص للحديث مع طهران.
لكن من المرجح أن تؤدي الاضطرابات التي تبعت الانتخابات الى تعقيد مساعي الانخراط التي أنهت عقودا من جهود الولايات المتحدة لعزل طهران. وفي هذا المنحى، قالت المحللة في معهد أميركان انتربرايز المحافظ دانييللا بليتكا انه يجب أن تكون الولايات المتحدة أكثر حذرا بشأن كيفية تعاملها مع إيران خاصة حين يتم التشكيك في شرعية حكومتها.
(وكالات)
