لم تعد مهنة الحارس الخاص أو «البودي غارد» مقتصرة على الرجال أو مرتبطة بالعضلات المفتولة أو «الفتونة» كما يسميها المصريون، لكنها تحولت اليوم إلى مهنة للنساء، حيث اقتحمت المرأة هذا المجال الخطير متخلية عن أناقتها ورشاقتها ونعومة أظافرها وغيرها من أدواتها التجميلية لتقوم بحماية بعض المسؤولين والشخصيات المهمة من سياسيين ورجال أعمال وفنانين ونجوم رياضة.
وعلى الرغم من اعتبار البعض اقتحام المرأة لهذا المجال مجرد تقليعة نسائية سرعان ما ستثبت فشلها، إلا أن الواقع يؤكد أنها فرضت نفسها على الجميع بعدما تحولت إلى مهنة تسمى ب«الليدي جارد»، ويتوافد عليها الكثير من الفتيات اللاتي تدربن على رياضات «الكاراتيه، التايكوندو، الكونغ فو» وغيرها من الرياضات لإثبات جدارتهن في هذا المجال. عرفت مصر لقب «الليدي غارد» أو الحارسة الشخصية، مع قيام إحدى شركات الأمن الخاصة بالاستعانة بعدد من الفتيات خريجات معاهد وكليات التربية الرياضية للالتحاق بالعمل بها، بهدف حماية شخصيات نسائية شهيرة في المجتمع.
لم تتوقع الشركة أن تلاقي فكرة الحارسة الشخصية هذا الإقبال الكبير من جانب الفتيات كونها مهنة صعبة، وتحتاج إلى تدريبات شاقة؛ لكنها في النهاية اضطرت لفتح المجال أمام هؤلاء الفتيات بعد اجتيازهن لتدريبات صعبة توفرها الشركة من خلال متخصصين.
رانيا عبد الستار « 26 عامًا» واحدة من الفتيات اللاتي انضممن حديثا إلى العمل في الشركة كحارسة شخصية، تقول إنها تخرجت من الجامعة قبل أعوام قليلة، ونظرًا لعدم وجود عمل يتناسب مع مؤهلها الدراسي اختارت مهنة «الليدي جارد».
مضيفة أنها مهنة صعبة وتحتاج إلى تدريبات عالية في الدفاع عن النفس، لكنها أكدت أن هذا لا يعني التقليل من أنوثتها بقدر ما تمنحها تلك التدريبات الثقة بالنفس.
وترى هبة سليم «30 عامًا» أنها خضعت لاختبارات صعبة لمعرفة سرعة الاستجابة وردود الفعل والسيطرة على الأعصاب والتصرف بحكمة عند التعرض لأي موقف مفاجئ، موضحة أن مهنة «الليدي جارد» تحتاج إلى تأنٍ قبل اتخاذ أي قرار، كما أن المهنة تعلم الفتاة الاعتماد على حماية نفسها؛ دون استخدام العنف، أو ممارسة الضرب.
أما نسرين عاشور «32 عامًا» فتقول إن مهنة حارس أمن أو «الليدي غارد» ليست بالمهنة السهلة فهي شاقة، وتتطلب تدريبات بكفاءة عالية، خاصة في كيفية المقاومة عندما تتعرض المنشأة التي تقوم بحراستها لعملية سطو أو تعرض الشخصية التي أقوم بتأمينها لتهديدات.
وحول ما يتوقعه البعض من فشل للتجربة، تؤكد نسرين أن جميع الفتيات لديهن تصميم على نجاح التجربة، ليس فقط من أجل الدفاع عن شخصيات مرموقة في المجتمع، بل لأن هناك بعض المنشآت التي تتطلب وجود حارسات أمن لتفتيش المتعلقات الشخصية للمرأة.
منافس قوي
لكن هل تستطيع مهنة «الليدي جارد» أن تكون منافسا قويا ل«البودي جارد»؟ يعلق محمود فتحي مدير التسويق بإحدى الشركات العاملة في مجال الأمن والحراسة في القاهرة أن مهنة «الليدي جارد» انتشرت في مصر، وستصبح في المستقبل منافسًا قويًا ل«البودي جارد»، فلم يعد أمرا غريبا أن تعمل الفتاة في مهنة الحراسات الخاصة، لأن المرأة اقتحمت كل المجالات، ولم تترك مجالاً إلا دخلته بقوتها للتأكيد على المساواة.
ويؤكد فتحي أن المرأة قد أثبتت تفوقها بالفعل، والدليل أن هناك آلاف الفتيات يتقدمن للعمل في هذه المهنة طوال العام؛ لافتا إلى أن معظم الفتيات عندما يتقدمن للعمل في أي وظيفة يرتدين أبهى ما لديهن من ملابس، ويضعن المساحيق لإبراز جمالهن واستحقاقهن للوظيفة بغض النظر عن السيرة الذاتية التي بين أيديهن، لكن الوضع عند التقدم لوظيفة حارس خاص يختلف تمامًا.
حيث هناك مواصفات خاصة للعمل في مهنة «الليدي جارد» منها اللياقة البدنية، ويفضل الفتيات خريجات كلية التربية الرياضية، نظرًا لما تعتمد عليه المهنة من لياقة بدنية كاملة، وهذا لا يعني أن يكون لهن عضلات، ولكنهن رشيقات سريعات الحركة والتصرف في أصعب المواقف، إضافة إلى المؤهل العالي في المقام الأول، ثم المؤهل المتوسط، مع التفضيل لمن تجيد لغة أجنبية لأن هناك عملاء أجانب، وبالتالي فإن اللغة في هذه الحالة عامل مهم جدًا.
اختبارات صعبة
الفتيات، كما يقول مدير التسويق بشركة الأمن، يخضعن في البداية لاختبارات صعبة سواء كانت الاختبارات على المستوى العضلي أم النفسي؛ فالفتاة تخضع لاختبارات صحية وعضلية وحركية لتصبح قادرة على التعامل مع أي موقف يتعرض فيه العميل لخطر، فضلاً عن اختبارات نفسية لمعرفة سرعة الاستجابة، وردود الفعل، والسيطرة على الأعصاب، والتصرف بحكمة إزاء أي موقف مفاجئ.
ولفت إلى أن أعمار الفتيات اللاتي يتقدمن للعمل في مهنة «الليدي جارد» تتراوح بين 20 و 35 عامًا، ويخضعن لتدريبات متخصصة عضليًا ونفسيًا وتكتيكيًا يشرف عليها ضباط برتب عالية من الضباط السابقين الذين أنهوا خدمتهم في وزارة الداخلية، كما يقوم هؤلاء الضابط باطلاع الفتيات «الليدي غارد» على أحدث الأساليب التكتيكية والدفاعية، والتعرف على مواطن الخطر التي تحيط بالشخصية التي تحميها.
وحول الزي المناسب لمهنة «الليدي غارد» يوضح أن عمل الفتاة كحارس خاص لا يشترط زيا معينًا فكثير منهن محجبات، وهذا أمر لا يشكل حرجًا للفتاة أبدًا، وأقول إن الفتاة تلتزم لدينا بزي محدد، ومن حق العميل أن يختارها محجبة، أو غير محجبة، ويطلق عليها لقب مرافقة، وهناك بعض الشخصيات تحتاج أكثر من فتاة، والطاقم لدينا مكون من 3 فتيات، وفي الغالب يحتاج كبار الشخصيات إلى طاقم أو أكثر، وعمومًا الفتاة المحجبة تلقى قبولاً لدى الشخصيات الخليجية.
توازن نفسي
اللواء محمد الشهابي مدير شركة «فالكون» للأمن والحراسة والتي تعمل على توفير «الليدي جارد» فيقول: لا مجال للغيرة الأنثوية في عملنا؛ فنحن نقدم خدمة جيدة مع الاحترام التام والتقدير لكلا الطرفين هذا جانب.
لافتًا إلى أنه ممنوع على الفتاة «الليدي جارد» حمل السلاح وهذا قانون لا يمكن المراوغة فيه، لكن أقول إن الفتاة يمكنها التعامل تمامًا مع أي موقف من شأنه حماية عميلها بطرق مختلفة بعيدًا عن السلاح، ولهذا فالشركة قد قامت بإبرام بروتوكول تعاون مع أحد المراكز المتخصصة في تخريج الفتيات «الليدي جارد» في الصين، وبالفعل أوفدت الشركة مجموعة منهن للوقوف على أحدث طرق الدفاع عن النفس وعن الآخرين.
ويضيف أن هؤلاء الفتيات مخطوبات، وعلى وشك إتمام الزواج، وهذا ردًا على ما يقال إن هذه المهنة تمنع الفتيات من حياة اجتماعية مستقرة أو تفقدهن أنوثتهن في المجتمع الرجولي.. مشيرًا إلى أنه يتم التأمين صحيًا واجتماعيًا على الفتيات اللاتي يعملن في المهنة، وبالتالي فإن فرصة تركهن للعمل غير واردة، خاصة في ظل التدريبات الكبيرة والمكلفة، لكن يحق لهن أن يحصلن على إجازات مثل إجازة الأمومة بعد فترة الحمل؛ شريطة أن يعدن بسرعة إلى لياقتهن البدنية والنفسية لممارسة العمل.
ويوضح أن نظرة المجتمع لهؤلاء الفتيات مختلفة نوعًا ما، ولكن الاختلاف من باب القوة وليس الاستخفاف أو التقليل من الشأن؛ حيث نجد كثيرًا من الشباب المرتبطين بهؤلاء الفتيات سعداء بأن خطيبته أو زوجته ستكون قادرة على حماية نفسها.

