الصيف ضيف، والشتاء شدة، والربيع منام، والخريف هو العام.. بهذه الكلمات المأثورة يصف التوانسة فصول الطبيعة، فالصيف ومضة خاطفة والشتاء أيام قاسية وليالٍ طويلة والربيع حلم من أحلام اليقظة والخريف هو الحياة تنبعث مع كل دورة طبيعية جديدة.
وأهل تونس يعيرون اليوم اهتماماً كبيراً للنشرات الجوية ويتابعون أحوال الطقس عبر توقعات المعهد الوطني للأرصاد الجوي وفي الوقت ذاته تحتفظ الذاكرة التونسية بتفسيرات أخرى للتغيرات المناخية وهي مرتبطة بمواسم الفلاحة التقليدية تطعمها الحكايات الشعبية.. تفسيرات لا تعترف بدرجات الحرارة، أو بدرجات ما تحت الصفر ولا بالجبهات الباردة القادمة من أوروبا، أو موجات الحرارة الاستثنائية القادمة من الصحراء الإفريقية الكبرى. ويحافظ الفلاحون اليوم على تقليد اتباع هذه التفسيرات التي لا تتعارض والتقويم العلمي للظواهر المناخية ففي الشتاء نتحدث عن الليالي البيضاء وتمتد من الخامس والعشرين من ديسمبر إلى الثالث عشر من يناير من كل عام وأصل التسمية أن بردها قارس جدا وتتساقط فيها الثلوج لتلبس الطبيعة حلة بيضاء ناصعة.
تليها الليالي السوداء التي تبدأ من الرابع عشر من يناير إلى الثاني من فبراير من كل عام وهي الليالي الدافئة في عز الشتاء وحسب التقويم ألفلاحي فأن النبات يبدأ طور النمو والظهور خلال هذه الليالي ويردد التوانسة المثل الشعبي الليالي السود يجري الماء في كل عود تعبيرا عن هذه المرحلة.
أما ما يعبر عنه بـ «العزارة» فهي عشرة أيام من الثالث إلى الثالث عشر من فبراير تتميز بتقلب الطقس وتقول الحكاية الشعبية إن أصل التسمية تعود إلى غيرة النعجة من خفة الماعز التي لا يكسوها الصوف فقالت تعيرها ـ «أي تعزرها باللهجة المحلية التونسية ـ استلفلك ليلة ونهار من عمك فبراير يرميلك قريناتك أي قرونك ورا الدوار وهذا ما يفسر برودة يوم الرابع عشر من فبراير كل عام الذي يوافق يوم قرة العنزة حسب الحكاية الشعبية وتعني كلمة قرة البرد الشديد».
ويوافق يوم 20 فبراير من كل عام نزول جمرة الهواء ويقصد بهذا التعبير ارتفاع درجات الحرارة نسبيا إلى درجة لا نحس معها لفح الهواء البارد وهو المعنى ذاته المقصود بنزول جمرة الماء الذي يوافق السابع والعشرين من شهر فبراير حين يصبح الماء أكثر دفئا وكان الطبيعة الحبلى بالتغيرات المناخية والتقلبات الجوية تتهيأ للحظة ميلاد الربيع احتفاء بنفسها عروسا من جديد.
ومع دخول الربيع نشهد ما يعرف بنزول جمرة التراب في السادس من شهر مارس ليصبح التراب دافئا والعشب سجاداً رائعاً لعشاق الربيع..
وتراعي الحكاية الشعبية مبدأ توخي الحذر ولا تحسم أمرها مع تقلبات الجو إلا بعد تجاوز أيام الحسوم التي تبدأ في العاشر من مارس لتتواصل سبعة أيام ويقول المثل الشعبي في هذا السياق ـ بعد الحسوم بأربعين يوم نحي أي انزع كساك وعوم. في إشارة إلى انه لا ينصح بارتياد الشواطئ إلا بعد الاعتدال الربيعي واستقرار الطقس.
ولا تكتفي الحكايات الشعبية التونسية عند هذا الحد بل إنها تطلق عبارة العام صابة تعبيرا على جودة الموسم ألفلاحي وثرائه وتسمية عرس الذئب على ظاهرة قوس قزح التي يفسرها علميا التقاء جبهتين إحداهما باردة والأخرى حارة وتسمى حبات الثلج الصغيرة جدا التبروري في اشارة الى انه يشبه التبر أي الذهب الرقيق وموجات الحرارة الاستثنائية الشهيلي..
ويتندر الفلاحون التوانسة في جلساتهم بأحجية يرددونها دائماً على مسامع كل وافد يستطلع سحر الحقول الخضراء والسهول الممتدة على أنثى عزيزة عند الله تعز لما تهل خير ربي يدز أي ينزل وحل الأحجية طبعا.. المطر.
تونس ـ بسمة بوزكري

