وصف المندوب الليبي الدائم لدى الأمم المتحدة عبد الرحمن شلقم، الذي تتولى بلاده المقعد العربي الوحيد في مجلس الأمن، خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في القاهرة بأنه «منعطف تاريخي» في سياسات واشنطن حيال العالمين العربي والإسلامي، مؤكداً أن لغته ستساعد في تطوير العلاقات الليبية - الأميركية. بيد أنه حذر من أنه يجب على العرب ألا يتوقعوا أن يأتيهم أوباما بالمعجزات.
وأسف لأن العرب «لا يزالون منقسمين وضعفاء». كما رفض بعض الطروحات التي تصور ايران وكأنها هي العدو الأول للعرب بدلاً من اسرائيل، معتبراً أن «هذه الرؤى لن تخدم العرب اطلاقاً». غير أنه ندد باستمرار الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية، داعياً الى حل هذه القضية بالطرق الودية أو عبر محكمة العدل الدولية في لاهاي. وأكد أن علاقات ليبيا حالياً من أفضل ما يرام مع السعودية وبقية الدول العربية، غير أن العلاقات مع لبنان «فاترة» بسبب قضية الإمام موسى الصدر. وفي حديث طويل مع «البيان» عشية انتخاب المسؤول الليبي علي عبد السلام التريكي رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة خلفاً لرئيسها الحالي (من نيكاراغوا) ميغيل ديسكوتو بروكمان، قال شلقم إن «خطاب أوباما في القاهرة تغير كبير في الإدارة الأميركية وهذا في تصوري منعطف تاريخي».
وأضاف أنه «كانت هناك أسباب للخلاف بين ليبيا وأميركا»، معدداً أسباب ذلك، وفي أولها «ما يتعلق بدعمنا القضية الفلسطينية، وهذا ما كان محل غضب أساسي من الأميركيين، بالإضافة الى عملنا الدؤوب لرفع أسعار النفط، وثالثاً دعمنا المقاومة في جنوب أفريقيا وأنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو وغيرها بخاصة ضد التفرقة العنصرية».
وأضاف أن هذه الملفات «قفلت بتحرر جنوب أفريقيا وبتحوّل (نيلسون) مانديلا بنظر الأميركيين من شخص مجرم الى شخص يفرشون له البساط الأحمر في الولايات المتحدة، وبعدما اعترف العالم بالفلسطينيين وصار هؤلاء يجلسون مع اليهود.
وجاءت قضية لوكربي التي فكرنا بطريقة حلها بصيغة تفيد شعبنا عبر اقفال ملف المعاناة والحصار»، مجددا أن «خطوات أوباما ولغته ستساعد في تطوير العلاقات الليبية الأميركية».
لا معجزات من أوباما
وتساءل شلقم: «ماذا بعذ خطاب أوباما؟»، مشيراً الى أن البيان الإسرائيلي تعليقاً على خطاب أوباما «رحب وتمنى أن تكون هناك علاقات بين المسلمين واسرائيل، بيد أنه لم يشر الى وقف العمل الإستيطاني ولم يتحدث عن حل الدولتين». وأضاف أنه «يجب على العرب ألا يتوقعوا أن يكون أوباما زائراً في ليلة قدر وسيأتيهم بالمعجزات وسيحرر لهم فلسطين ويعيد لهم حقوقهم بضربة بكبسة زر. هذا تبسيط للأمور وهذا تفكير رغبوي». واعتبر أن «العرب لا يزالون منقسمين ولا يزالون ضعفاء وليس لهم تأثير في الحياة الدولية».
إيران أم اسرائيل؟
ورداً على سؤال عن ملف ايران النووي وخلافاتها مع الدول العربية، أجاب أن «هناك طرحاً مغالطاً في الوطن العربي. أوباما كان أوضح أنه مع حق ايران في امتلاكها الطاقة الذرية لأغراض سلمية وأنه سيعمل سلميا وتفاوضيا مع الايرانيين.
لكن هناك بعض الأصوات العربية التي تصور وكأنها هي العدو الأول للعرب وليست اسرائيل. إن هذه الرؤى لن تخدم العرب اطلاقاً في المرحلة المقبلة ولن تساعدنا على تحديد تصور مقبل للمنطقة».
وتساءل: «ما هو الاعتدال العربي؟ هل من الاعتدال القبول بالمستوطنات الإسرائيلية وتشريد الشعب الفلسطيني وعدم عودة اللاجئين؟ هل من الاعتدال معاداة ايران بدل اسرائيل؟ يجب أن نكون واضحين أمام الرأي العام العربي قبل أن نحدث الآخر عن هذه الأمور». وأضاف: «أنا تخوفي نابع من أن مشكلة العرب في الفرص الضائعة منذ عام 1948 والى يومنا هذا».
وسأل: «هل نذهب نحن كعرب الى جامعة الدول العربية لنفوض أمينها العام عمرو موسى التحدث بموقف ما؟ لا يوجد هذا الكلام. اجتمعنا مع عمرو موسى عندما كان في الأمم المتحدة الأسبوع الماضي وطرح الموضوع الايراني. هو قال إنه ليس مع الذين يرفعون شعار معاداة ايران، مضيفاً أن ايران دولة شقيقة».
وأضاف: «نحن دولة تختلف مع ايران. أنا لا أتوافق مع احتلال ايران الجزر العربية التابعة للإمارات، ولا اتفق معهم على شطحاتهم نحو البحرين. نحن احتججنا لديهم. إن مشاكل الحدود موجودة بين العديد من الدول العربية نفسها».
وكشف أنه في قمة دمشق الأخيرة، كان هناك اقتراح بأن تقوم ليبيا بمهمة وساطة بين الإمارات العربية المتحدة وايران لحل قضية الجزر الثلاث المحتلة، مضيفاً: «أنا تحدثت بصفتي آنذاك أمين اللجنة الشعبية العامة للمكتب الشعبي للاتصال الخارجي والتعاون الدولي - مع وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي، وكنت أخطط لزيارة ايران والإمارات وتحدثت مع الاخوة في البلدين، وكان من المفترض أن أزور ايران لطرح هذا الموضوع.
لقد تحدثت مع متكي واستدعيت السفير الايراني وقلنا إن هناك خيارات عديدة إما بحل ودي وإما عبر محكمة العدل الدولية».
وفي ما يتعلق بإمكان إعادة المحكوم في قضية لوكربي عبد الباسط المقرحي الى ليبيا قريباً، ذكر أن «هناك أيضاً اتفاق لتبادل المحكوم عليهم بين ليبيا وبريطانيا»، موضحاً أن«هناك احتمالين، الأول يتمثل باطلاق المحكوم عليه لأسباب انسانية لأن المقرحي مصاب بمرض السرطان، أو اطلاقه بأسباب قانونية.
المقرحي لديه استئناف أمام لجنة مراجعة الأحكام الجنائية الاسكوتلندية التي تنظر حالياً في طلبه، بالإضافة الى وجود تقرير طبي عن أنه يعاني السرطان. لذلك يجوز العفو عنه إما بتقرير طبي وإما بقرار سياسي. نحن نأمل خيراً في اطلاقه». وأكد أن «أي انفراج قريب بعودة عبد الباسط الى ليبيا سيعطي دفعة لتطوير العلاقات مع بريطانيا».
لسنا فلسطينيين أكثر
وقال شلقم إن مشروع القرار الذي قدمته ليبيا الى مجلس الأمن أخيراً في ما يتعلق بالمجزرة الإسرائيلية في غزة «أدى غرضه». وأوضح أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أرسل لجنة تحقيق الى غزة للتحقيق في الاعتداءات الإسرائيلية على مواقع تابعة للأمم المتحدة، ومنها مدارس ومستشفيات تابعة لمنظمة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى «الأونروا» ومواقع دولية أخرى. وجاء التقرير الذي أوصله الأمين العام الى مجلس الأمن.
وأضاف: «نحن عرضنا الموضوع على مجلس الأمن، حيث قال البعض، وتحديداً الأميركيون: لنترك الأمر بين الأمين العام واسرائيل. أما نحن فقلنا: لا لأن مجلس الأمن هو صاحب القرار السياسي في جسم الأمم المتحدة. نحن أصررنا على موقفنا... وأصدر مجلس الأمن بياناً صحافياً». واعتبر أن هذا البيان الصحافي «سابقة» لأنها «المرة الأولى التي يسجل فيها مجلس الأمن سابقة بمناقشة مخالفات قانونية ارتكبتها اسرائيل. كان هذا هو هدفنا».
وحول سؤاله ان كانت طرابلس ترى حل الدولتين بحدود 1967 خطوة معقولة، أجاب: «نحن لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين. الفلسطينيون هم الأهم ثم دول التماس مع اسرائيل، كسوريا ولبنان والأردن التي يوجد لديها مئات الآلاف والملايين من اللاجئين.
أنا لا آتي لأزايد على هذه الدول وأقول لها ما يجب عليها أن تفعله. أنا أقول وجهة نظري وأدعمها بقدر المستطاع. ليبيا عضو في مجلس الأمن، وليس في فمنا ماء. هناك أنظمة عربية خائفة وهناك أنظمة عربية طامعة. ليبيا ليست خائفة وليست طامعة».
طرابلس والعرب
وأكد أن «علاقاتنا مع السعودية كانت ممتازة الى أن حدث ما حدث في شرم الشيخ. هذا الموضوع تم تجاوزه بشجاعة الأخ القائد العقيد معمر القذافي وبتفهم وشجاعة أيضاً من الملك عبد الله بن عبد العزيز في قطر. والآن هناك اتصالات بين الطرفين، والعلاقات الآن بين ليبيا والسعودية من أحسن العلاقات بين أي دولتين».
وعن العلاقة مع لبنان، قال إنها «فاترة جداً» بسبب قضية الإمام موسى الصدر. وأضاف: «أُصدر حكم نهائي في ايطاليا بأن الامام الصدر دخل الى ايطاليا. لماذا لا تذهبون الى ايطاليا وتناقشونهم. لقد ذهب وفد منكم الى ايطاليا وقيل لهم إن هذا الموضوع قفل». وأضاف ان بعض اللبنانيين تعاطى مع القضية وكأنها «عنزة ولو طارت». وشدد على أن «هناك في لبنان خللاً في الفهم وخللاً في الإدارة السياسية».
وأضاف أن «لبنان الذي كان آنذاك غابة وبعشرة دولارات كان يمكن لأي أزعر أن يقتل أي رقم... لقد قتل بشير الجميل ورشيد كرامي وكمال جنبلاط. هل أريد أن أتخلص من شخص فأدعوه الى بيتي والى صالوني لأفعل ذلك؟ ما الذي بينننا وبين موسى الصدر؟ بالعكسن كان موسى الصدر حليفنا». وأضاف: «خطاب الجانب اللبناني مع ليبيا غير مؤدب وفيه نوع من التعالي والاستقواء».
شرعية حزب الله «لبناني»
أكد المندوب الليبي الدائم لدى الأمم المتحدة عبدالرحمن شلقم أن «حزب الله حزب لبناني شرعي داخل في الانتخابات ولديه وزراء في الحكومة. وأشار شلقم الى أن «حزب الله لم يحارب سوى إسرائيل»، وأضاف ان حركة «حماس» وصلت الى الحكم في انتخابات ديمقراطية، لكن «قيل لا انها تنظيم ارهابي. أما حين وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو ووزير الخارجية ليبيرمان، قال المتطرفون إنهما وصلا بطريقة ديمقراطية».
ترحيب عربي بانتخاب التريكي رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة
عم الارتياح والترحيب في الأوساط الليبية والعربية والدولية بانتخاب الليبي علي التريكي، امين شؤون الاتحاد الافريقي في الخارجية الليبية، رئيسا للجمعية العامة للأمم المتحدة أمس والذي تعهد بالدفاع عن الدول الأصغر في المنظمة الدولية. ويشغل المنصب لمدة عام بالتناوب بين المجموعات الجغرافية وهذا هو دور افريقيا.
وأيد الاتحاد الإفريقي التريكي، ونال تأييد الدول الأعضاء في الامم المتحدة وعددها 192 دولة دون معارضة. وجذب بروكمان وهو كاهن كاثوليكي اهتمام وسائل الاعلام باتهامه لأميركا بتشويه صورة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد واتهامه لاسرائيل بأنها تمارس ضد الفلسطينيين فصلا عنصريا على غرار نظام المعازل العنصرية السابق في جنوب افريقيا.
نيويورك - علي بردى ــ طرابلس - سعيد فرحات

