بدأت تتضح معالم المرحلة السياسية المقبلة في لبنان، بعد انتخابات نيابية اتسمت بحدة وحشد قياسيين، إذ بدأت التحركات مجددا لانتخاب الرئيس الحالي للبرلمان رئيس حركة امل نبيه بري من بوابة «الحوار والتهدئة» حيث ابدى زعيم الاكثرية الحالية سعد الحريري تأييد احتفاظ بري بالمنصب.
فيما يبقى هو الاوفر حظا لتولي رئاسة الحكومة المقبلة وتشكيل حكومة وحدة وطنية تأخذ بعين الاعتبار الشراكة مع الفريق الشيعي ولكن من دون الثلث المعطل، بينما يزور المبعوث الأميركي الخاص الى الشرق الأوسط جورج ميتشل والممثل الأعلى لسياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية خافيير سولانا سيزوران بيروت بعد غد الجمعة للوقوف على الوضع بعد الانتخابات. وبمعزل عن كون عنوان المرحلة المقبلة هو «الحوار فوق كل اعتبار»، وفق تأكيد القياديّ في تيار «المستقبل» النائب السابق مصطفى علّوش لـ «البيان»، يبدو أن الساحة السياسية في لبنان مقبلة على «أزمات عديدة»، مردّها إلى جملة أسئلة في ضوء النتائج التي أفرزتها الانتخابات النيابيّة، والتي سيظلّل وقعها المشهد الداخلي مدة غير قصيرة، كما سيطلق في الأيام المقبلة جدلاً حول الاستحقاقات القريبة، بدءاً بانتخاب رئيس مجلس النواب بعد انتهاء ولاية المجلس الحالي في 20 يونيو الجاري ومن ثم تأليف الحكومة الجديدة.
رئيس الحكومة المقبلة
والسؤال: من سيكون رئيس الحكومة المقبلة: سعد الحريري الذي انتظر طويلاً هذه اللحظة ليدخل إلى السرايا من بوابتها العريضة أم الرئيس فؤاد السنيورة الذي اكتسب للمرة الأولى شرعية شعبية من خلال فوزه في صيدا، أم نجيب ميقاتي الذي يمكن أن يشكّل بانضمامه إلى الكتلة الوسطية «بيضة القبّان» بين الكتلتين الموالية والمعارضة.
وفي شأن مستقبل الرئاستين، شدّد علّوش، من موقعه المقرّب جداً من الحريري، على أن المناخات الدولية والعربية، فضلاً عن الأجواء المحلية، تشير الى أن الاحتمالات واضحة تجاه هذا الأمر، لجهة أن يعود الرئيس نبيه بري الى رئاسة المجلس، والذي لم يستبعده الرئيس نجيب ميقاتي والوزير تمام سلام، في حين أن رئاسة الحكومة محسومة للأكثرية.
والتي يفترض أن تتخذ القرار في هذا الشأن وفق المعطيات التي تكون قد تكوّنت لديها، وإن كانت الدلائل تشير الى النائب الحريري باعتباره زعيماً للأغلبية، خصوصاً وأن الظروف باتت مهيأة له بفعل التجربة العميقة التي اكتسبها خلال السنوات الأربع الماضية، فضلاً عن الحنكة السياسية والقيادة الحكيمة التي ورثها من الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وفي السياق، أشار مصدر سياسي متابع للتواصل القائم والمستمر بين الحريري وقيادة حزب الله لـ «البيان» الى أن الحريري «يتصرّف من موقع المرشّح الأول لهذه الرئاسة، منذ إطلالاته التلفزيونيّة قبل 7 يونيو، ومروراً بالخطاب الذي ألقاه يوم الانتخابات، والذي شدّد فيه على مبدأ «الأيادي الممدودة»، وصولاً الى «حتميّة» عقد لقاء قريب بينه وبين نصرالله «لمناقشة ملفّات وعناوين المرحلة المقبلة، ولا سيما موضوع الحكومة الجديدة».
وكشفت مصادر لبنانية أن نتائج الانتخابات دفعت ببعض الاقطاب في قوى الاكثرية الى التشاور في إمكانية ترشيح الحريري بتشكيل حكومة وحدة وطنية تأخذ بعين الاعتبار الشراكة مع الفريق الشيعي ولكن من دون الثلث المعطل كما هو معمول به في الحكومة الحالية.
وفي هذا الصدد، قالت مصادر ان نتائج الانتخابات النيابية «اعطت الحريري الحق كاملا وفي شكل غير منقوص لأن يسمي نفسه او يسمي غيره لرئاسة الحكومة المقبلة».
ويرى العديد من المراقبين ان كل الاجواء تسير في اتجاه تولي الحريري رئاسة الحكومة المقبلة، وإلا فلحليف له يجري ايضا تداول اسمه هو نجيب ميقاتي رئيس الحكومة الأسبق والفائز حاليا عن دائرة طرابلس.
الثلث المعطل
الى ذلك، ظهرت ثمة مواقف على مستوى فريق المعارضة، أشارت الى بداية اشتباك على الثلث المعطل الذي يبدو أنه سيكون عنوان مرحلة تشكيل الحكومة، وهو ما كشف عنه النائب سليمان فرنجية الذي تمسك بروحية اتفاق الدوحة، داعياً الى استمرار العمل به، بما في ذلك الثلث المعطل.
وكذلك رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد الذي اشترط أن تعطي الغالبية «ضمانات»، بما في ذلك الثلث الضامن في الحكومة، وإلا فإن «الأزمة السياسية التي قيّدت البلاد والعباد، في أعقاب حرب يوليو 2006، ستستمر»، مشيراً الى أن «نتائج الانتخابات، من حيث الأرقام، تؤشّر الى أن الأزمة لا تزال تراوح مكانها، إلا إذا أرادت الأكثرية الحالية أن تغيّر سلوكها».
ورداً على هذه المواقف المعارِضة، كشف مصدر من كتلة «المستقبل» النيابيّة لـ «البيان» أن «الخلاصة الحتمية لاحتفاظ قوى 14 آذار بغالبيتها هي مزدوجة: ترشيحها النائب سعد الحريري لترؤّس الحكومة الجديدة، ورفضها إعطاء المعارضة الثلث زائداً واحد فيها.. ونقطة على السطر».
بري: علامة وحدة
وبشأن فرص انتخاب «كتلة المستقبل» البرلمانية بري مجددا لرئاسة المجلس قال نهاد المشنوق الفائز بمقعد نيابي عن دائرة بيروت ان «لا تشاور حتى الآن في هذا الموضوع، لكن كل العناوين تذهب في اتجاه ايجابي.
وتعتبر اعادة انتخاب بري، الذي امضى 17 عاما في رئاسة المجلس، شبه محسومة لأن قوى «8 آذار» المعارضة نالت 57 مقعدا في المجلس المقبل فيما حصل على دعم كتلة اللقاء الديمقراطي برئاسة وليد جنبلاط التي فازت ب11 مقعدا، ما يعطيه الغالبية المطلقة.
وتفيد المعلومات بأن الحريري لا يمانع في تأييد بري لرئاسة البرلمان رغم ملاحظاته على إغلاق المجلس النيابي لمدة سنتين، فيما لا يزال مسيحيو 14 آذار يعترضون على إعادة تسمية بري على عكس رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط الذي يبدو الاكثر حماساً لعودة بري.
وفي هذه الأثناء، أعلن رئيس المجلس النيابي ان الانتخابات النيابية التي ادت الى فوز الاكثرية الحالية تعتبر «علامة وحدة» بين اللبنانيين.
واضاف نبيه بري، ردا على سؤال للصحافيين: «لاحظوا أن الانتخابات حصلت على الرغم من كل شيء. وأؤكد مرة ثانية أن الانتخابات علامة وحدة، وهذا ما تبين من خلال تصريحات كل الأطراف من دون استثناء».
زيارتان غربيتان
على صعيد آخر، أفاد مسؤولون امس بأن المبعوث الاميركي الخاص الى الشرق الاوسط جورج ميتشل والممثل الاعلى لسياسة الاتحاد الاوروبي الخارجية خافيير سولانا سيزوران لبنان هذا الاسبوع.
وقال مسؤول حكومي لبناني، رفض الكشف عن اسمه، إنه من المتوقع ان يصل ميتشل الموجود حاليا في القدس المحتلة الى بيروت الجمعة في زيارة تستغرق ساعات، في وقت قال مسؤول في وزارة الخارجية ان سولانا سيصل الى لبنان الجمعة في زيارة تستغرق يومين.
الأغلبية اللبنانية تواجه تحديات حقيقية بعد الفوز
خسارة المعارضة اللبنانية بقيادة «حزب الله» أمام الأغلبية الموالية للغرب في الانتخابات البرلمانية اللبنانية تركت المعسكرين المتنافسين أمام اختبار صعب في تشكيل حكومة وحدة وطنية للحفاظ على الاستقرار في بلد يعاني من أزمة سياسية واقتصادية مزمنة. لكن مراقبين كثيرين يعتقدون أن انتصار الأغلبية يطمئن الغرب على وجود حكومة معتدلة في لبنان.
ويخشى عدد كبير من المراقبين من تكرار المشهد على الساحة السياسية، حيث تصر المعارضة على حكومة وحدة وطنية بالثلث الضامن (بأدبيات المعارضة).
وأسهمت هذه القضية مؤخرا في شل البلاد سياسيا على مدى شهور عدة. وأصر حزب الله على السيطرة على ثلث مقاعد الحكومة للاحتفاظ بسلطة الاعتراض، الثلث الضامن كما في أدبيات الحزب، خشية أن تنحني الأغلبية المدعومة من الغرب للمطالب الخاصة بنزع سلاح الحزب.
وأوضح حزب الله الذي قاد المقاومة التي أرغمت إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان العام 2000 واستمرت في مقاومة إسرائيل أثناء الهجوم انه قبل بالهزيمة، لكنه لن يقبل بمطالب نزع سلاحه، وكانت قضية سلاح حزب الله لب الخلاف العميق بين الأغلبية الحاكمة والمعارضة التي يقودها حزب الله. فالأغلبية تصر دائما على أن الجيش اللبناني وحده هو الذي يحمي اللبنانيين ولبنان بينما يعتقد حزب الله انه يجب أن يحتفظ بسلاحه لمواجهة إسرائيل.
وصرح بول سالم مدير معهد كارنيغي في الشرق الاوسط ومقره بيروت لمحطة التليفزيون اللبناني (إل بي سي) إن «انتصار الأغلبية سيريح الغرب. وتأتي هذه الانتخابات بعد أيام قلائل من دعوة الرئيس باراك أوباما لبداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين».
ويعتقد محللون انه على المستوى الداخلي فإن الانتخابات لم تغير أي شيء داخل البرلمان وأن الشيء الوحيد الذي انبثق عن هذه الانتخابات هو أن زعيم المعارضة المسيحية ميشيل عون قد خسر في مناطق يهيمن عليها المسيحيون.
وقال المحلل السياسي شفيق المصري ان مرشحي كل من حزب الله وحركة أمل حصلوا على كافة المقاعد المخصصة لطائفتهما في البرلمان، لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الصوت المسيحي لأنه أثبت انه موحد أكثر خلف الاغلبية». واضاف أن الانتخابات «أظهرت أن عون خسر جزءا كبيرا من شعبيته بين أبناء طائفته. وفي الانتخابات السابقة التي أجريت العام 2005 فإن عون حصل على نحو 70 في المئة من أصوات المسيحيين في مناطقه مقابل 40 في المئة في الانتخابات الحالية».
الى ذلك، قال ميشيل دي شادارفيان إن «الانتخابات أثبتت انتصارا لتحالف 14 آذار بزعامة الزعيم السني المسلم سعد الحريري كما أنه تمخض عن هزيمة للبنانيين الذين كانوا يأملون في تغيير هذا البلد». واضاف ان «الحركة الوطنية الحرة أصيبت بخيبة الأمل بسبب نتائج الانتخابات، لكنها ستحترم النتيجة».
بيروت ـ وفاء عواد و«الوكالات»

