ظهرت نتائج الانتخابات النيابية في لبنان، لتطوي رحى معركة تحديد ميزان القوى، وبخاصة في المجلس النيابي، الذي كان ساحة لجولات سياسية عدة أبرزها معركة اختيار الرئيس في نهاية العام 2007. لكن النتائج تحمل معها بذور معركتين: رئاسة الحكومة، ورئاسة البرلمان.

وإذا كانت المعركة الأولى: تأليف الحكومة، تبدو محسومة لصالح تيار المستقبل، الذي كان أداؤه جيداً في الانتخابات، وستؤول مجريات هذه المعركة إلى ما يريد (زي ما بدّه - بحسب شعاره الانتخابي البارز)، فإن الرئاسة الثانية (رئاسة المجلس النيابي) ستكون معركة حامية، وسنشهد فيها ما لم نشهده في نتائج الانتخابات من «كسر عظم».

رئاسة الوزراء

وفي خصوص رئاسة الحكومة، ستتحكم «قوى 14 آذار»، وتحديداً تيار المستقبل، بخطوط وملامح المفاوضات الخاصة باخيتار من سيشغل سدة الرئاسة الثالثة: رئيس التيار سعد الحريري، أو رئيس الحكومة المنتهية ولايتها فؤاد السنيورة، أو احدى الشخصيات السنية من الشمال كترضية على الدعم الذي لقيه التيار هناك في مواجهة المنافسة القوية في تلك المنطقة (طرابلس) حيث معقل الزعامات السنية التاريخية في لبنان، وهنا يتداول المراقبون اسمي: رئيس الوزراء الأسبق نجيب ميقاتي، والنائب محمد الصفدي المقرب من «المستقبل».

وبالتالي فالأرجح أن يستمر العمل وفق مبدأ حكومة الوحدة الوطنية، ولكن الخشية من إصرار المعارضة على منحها الثلث الضامن (حق الفيتو) وهو المطلب الذي عطل 18 شهراً (من خريف 2006 وحتى صيف 2008) العمل الحكومي في لبنان وأدخله في مأزق سياسي لم يتم حله إلا بمفاوضات الدوحة التي توسطت فيها قطر.

وحملت النتائج التي كسرت أغلبية الأغلبية تساؤلات لدى العديد من اللبنانيين والمراقبين في المحيط: هل بات لبنان مع هذه النتائج التي عززت الأكثرية ووضعت الأقلية في صف خلفي على أبواب أزمة جديد؟

والترجيح في وجه بعض الأسئلة الصعبة عن مصير اتفاق الدوحة الذي يراه البعض مرحلياً وارتبط بأحداث صيف 2008، أي خروج مسلحي حزب الله ومحازبيه إلى الشوارع واقتحامهم العاصمة بيروت بعض شهور من «الفراغ الرئاسي» هو المضي قدماً في «تسوية الدوحة» مع تعزز وضع الأكثرية، دون استبعاد عودة الحديث عن عقدة الثلث الضامن (أو الثلث المعطل بحسب تسمية الأكثرية)..وإذا تغلب الاختلاف على الاتفاق فالحكم هو اتفاق الطائف غير المربوط بفترة زمنية.

معركة البرلمان

أما في خصوص رئاسة المجلس النيابي، يبدو الوضع مقلقاً لرئيسه السابق نبيه بري الذي بات في وضع صعب، في مواجهة 71 صوتاً في الطرف الآخر (ليس في يده سوى 57 صوتاً).. ما يعني أن الصوت الأعلى سيكون لصالح نواب «قوى 14 آذار» التي قد ترشح منافساً لبري، في حال أرادت المضي قدماً في معركة كسر العظم ضد الأقلية.

أو أنها قد تنحو منحى التوافق فتمنح الطائفة الشيعية باعتبارها المرجع لهذا المنصب حرية اختيارمن يشغل هذا المنصب، وفي هذه الحالة لن يكون الأمر مطلقاً، فتخلي الأكثرية عن هذا الموقع، في حال لم يكن لديها مرشح شيعي ذي ثقل بين أبناء طائفته ويجمع حوله أطيافها، لن يكون مجانياً، وسيعود بري محكوماً هذه المرة بقواعد لعبة جديدة.. سقفها الـ 14 صوتاً.

لكن التصريحات التي أعقبت ظهور ملامح المشهد السياسي في أعقاب هدوء ضجيج الماكينات الانتخابية ليل الأحد الاثنين وقوله إنه «لا يوجد فائز وخاسر في هذه الانتخابات.. ان الفائز الوحيد هو الديمقراطية واكبر فائز هو لبنان»، يحمل إشارات واضحة في نيته التزام التوافق.ويتعزز هذه المنحى مع قوله: «لسنا اسرى الشعارات الانتخابية»، ما يعني مد يد نحو المعارضة.

وهو ما تعكسه ايضاً تصريحات فريق الأقلية، التي جاءت على لسان النائب عن حزب الله حسن فضل الله الذي أكد على أن «لبنان محكوم بالشراكة مهما كانت النتائج». وتأكيده على أن المعارضة ستتعاطى ب«ايجابية مع نتائج الانتخابات ومع الاختيار الشعبي»، مضيفا ان حزبه، وهو أحد أضلاع مثلث المعارضة، يعتبر ان لبنان «قائم على التنوع والتعدد وليس فيه أكثرية وأقلية لأن اي طرف غير قادر على الحصول على الاكثرية في كل الطوائف».. وهنا مفتاح معادلة المجلس النيابي، وتحديداً رئاسته.

وضع تحالف «8 آذار»

وإذا كان البعض يرى في النتيجة مفاجأة، نظراً لميل الكثير من التحليلات إلى ترجيح كفة المعارضة، ولو بفارق مقعدين أو ثلاثة، وعدم توقع أكثر المحللين تفاؤلاً فوز الموالاة (الأكثرية) بهذا الفارق الذي يزيد على الـ 11 في المئة من عدد مقاعد البرلمان.. فإن صناديق الاقتراع حملت معها مفاجأة من العيار القوي، قد يكون له مفاعيلها في المرحلة المقبلة، مع تراجع التأييد الوزني للزعيم المسيحي العماد ميشال عون في مناطق كانت تعتبر معاقل قوية له.

ومع ذلك، تمكن العماد من الاستحواذ على معظم اقضية جبل لبنان، خصوصاً مقاعد كسروان الخمسة، وجبيل الثلاثة، والمتن حيث استحوذ على ستة مقاعد من اصل ثمانية.

وتبدو بعض الاختراقات في بعض الدوائر لللائحة عون منسجمة مع ما تواتر من تقارير عن تركيز لكتل الأكثرية النيابية على «إصابة» تمثيل عون المسيحي و«ضرب» لائحته في: زحلة، أو الأشرفية، أو المتن ويبدو أن هذا ما تحقق، أو البترون على اعتبار أن هذه المناطق تمثّل «خزان الأصوات» لعون وتياره منذ سنين.

نضال حمدان