اسدل الستار منتصف الليلة الماضية على الحملات الانتخابية في لبنان على مسافة ساعات معدودة من الاستحقاق الانتخابي المرتقب، فيما تبدو الساحة اللبنانية مقبلة على اختبار غير مسبوق تتبارى فيه التقديرات والاستطلاعات لرسم مصير البلاد التي ستتحدّد معالمها في يومٍ واحد يبد غداً الأحد وذلك بعدما تنوّعت توصيفات المعركة الانتخابية الراهنة بين مختلف الأفرقاء من «مصيرية» إلى «خيار بين مشروعين ومحورين»، إلى حدّ وصفها بأنها ستكون «مغيّرة لوجه المنطقة».

وبمعزل عن التوصيفات، فإن يوم غدٍ سيشكل الامتحان الأكبر ولعلّه الأقسى والأدقّ في حسابات اللبنانيين: بدءاً من القوى العسكريّة والأمنيّة و«الماكينة» اللوجيستيّة والقضائيّة للدولة والمتمثلة بتنظيم السير ومنع الاختناقات المحتملة في اليوم الانتخابي الذي سينزل فيه ما لا يقلّ عن نصف الشعب اللبناني إلى الشارع، ووصولاً إلى فرز الأصوات وإعلان النتائج.

وإذا صحّت توقّعات الخبراء، فإن نسبة المقترعين ستكون عالية جداً قياساً مع الدورات السابقة، وربما ستبلغ في المناطق ذات السخونة المتصاعدة مستويات قياسيّة ستقارب الـ 95 في المئة، بحسب ما أشار إليه رئيس «مركز بيروت للاستطلاعات» عبدو سعد لـ «البيان» عازياً السبب إلى كون الساعات الأخيرة «فتحت باب المفاجآت».

من جهة أخرى، وصف سعد الدورة الانتخابية التي أجريت أول من أمس لنحو 11 ألف موظّف من المكلّفين القيام بأعمال أقلام الاقتراع بأنها «النموذج الأوّلي للمشاركة في الاقتراع».

وبعيداً عن لغة الأرقام الانتخابية التي ستبقى رهن المفاجآت، فإن السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة «استراحتا من مهامهما» مبكراً لينتقل صمام أمان الجمهورية إلى رئيسها ميشال سليمان بصفته الرئيس التوافقي الذي انتخب بإجماع عربي ودولي من قبل أن ينتخبه نواب أمته.

أما رئيس مجلس النواب نبيه برّي المرابط في دارته في المصيلح جنوب البلاد فاطمأن إلى فوز مرشّحي معظم أعضاء اللائحة التي يترأّسها، «التنمية والتحرير»، باستثناء مرشّحَيها في البقاع الغربي وجزّين النائبين الحاليّين ناصر نصر الله وسمير عازار.

وبدوره، غادر رئيس الحكومة فؤاد السنيورة المرشّح المنافس للنائب أسامة سعد في صيدا السرايا الكبيرة متوجّهاً إلى حارات صيدا القديمة بثيابه العادية ليخاطب أهلها باللهجة الصيداويّة، بعدما كان التقى رئيس بعثة «معهد كارتر للديمقراطية» الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، ومن ثم بعثة الإتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات برئاسة خوسيه إيغانسيو سالافرنكا وعرض مع الجانبين سب تسهيل العملية الانتخابية.

في غضون ذلك، انشغلت الساحة اللبنانية على المستوى المعارِض بمغادرة الرئيس سليمان مربّع «الغموض البنّاء» الذي اتخذه في مقاربة انتخابات منطقة جبيل إلى مربّع «التحالف المباشر مع فريق 14 آذار» بوجه اللائحة المعلنة من طرف التيار الوطني الحر الذي يرأسه النائب ميشال عون في خطوة قرأها عضو كتلة الأخير النائب نبيل نقولا في اتصالٍ أجرته معه «البيان» بأنها «استجابة لطلب الموالاة ولا سيما الإلحاح العلني لرمزي الأكثرية سمير جعجع وسعد الحريري، فأقنع المرشح المحسوب عليه إميل نوفل بالانسحاب من المعركة لمصلحة النائب السابق فارس سعيد مقابل إقناع الحريري المرشح الشيعي المحسوب عليه، محمود عواد، بالانسحاب لمصلحة المرشح مصطفى الحسيني ما أدخل جبيل انتخابياً في واقع جديد تقوم فيه المعادلة على أساس المعارضة من جهة وتحالف الرئيس سليمان و14 آذار من جهة ثانية».

هذا الحدث البارز دوّى انتخابياً وسياسياً على مسافة ساعات من الاستحقاق في منطقة جبيل إلى درجةً دفعت نقولا إلى تصنيفه في خانة «التواطؤ».

ويبقى السؤال فيما إذا كان سينسحب ذلك التطور بمفاعيله على دائرة كسروان في ضوء اتجاه يتّسع بين ائتلاف «المستقلّين» و«قوى 14 آذار» لتنظيم عمل «الماكينات الانتخابية» وهو أمر يعوّل عليه التحالف لقلب المقاييس في هاتين الدائرتين وربما أبعد في دوائر أخرى في الشمال وجبل لبنان، ما يتيح للأكثرية الحالية أن تستعيد مقاعدها تحت قبّة البرلمان المكون من 128 مقعداً مناصفةً بين المسلمين والمسيحيين بحسب اتفاق الطائف الموقع العام 1989 والذي تنادي المعارضة بتعديله تمهيداً لقيام «الجمهورية الثالثة» التي يتمنونها «ثابتة».

هيئة

10

جدد الرئيس اللبناني ميشال سليمان خلال لقائه أمس أعضاء المجلس الدستوري الجديد التأكيد على «حيادية الدولة بأجهزتها وإداراتها ومؤسساتها حيال الاستحقاق الانتخابي»، مطالباً «مواصلة العمل على انجاز هذه الانتخابات في أجواء من الشفافية والحرية والديمقراطية بعيداً من الضغوط والتأثيرات والرشاوى من أي نوعٍ كان».

وطلب سليمان من المجلس الجديد النظر في التجاوزات والشكاوى التي تقدمت إليه «بعين قانونية بحتة». وانتخب عصام سليمان رئيساً للمجلس الذي ضم في عضويته 9 أعضاء آخرين.

بيروت - وفاء عواد