لا شك في أن خيارات الإدارة الأميركية الجديدة على صعيد السياسة الداخلية والسياسة الدولية ستكون لها آثارها على مستقبل القوة العالمية الأولى، ومن هنا يمكن لانتخاب باراك اوباما أن يكون أكثر من تغيير الإدارة، ليكون تغييرا في النهج والتوجه، ومنعطفا ذا أبعاد تاريخية.

وبعد فترة الاستقطاب الثنائي الدولي الذي عرفته فترة الحرب الباردة، وبعد سيادة القطب الأميركي الواحد خلال عقدين منذ مطلع سنوات التسعينات، تبرز من جديد التعددية القطبية الدولية. لكن هذا لا يمنع واقع أن الولايات المتحدة، بحكم قوتها الهائلة والآثار الدولية المترتبة على خياراتها السياسية، تحتل باستمرار موقعا «استثنائيا» في العالم. ويبقى السؤال الكبير هو معرفة ما إذا كانت الإدارة الأميركية الجديدة ستميل نحو نهج الهيمنة أو العزلة أو أي سبيل آخر: هل ستستمر الأحادية القطبية الدولية ممثلة بأميركا ولكن مموّهة بثوب جديد أم ستكون هناك تعددية قطبية حقيقية؟ بكل الحالات هناك عوامل تقليدية تحدد توجهات السياسة الخارجية الأميركية، لكن عوامل أخرى قد استجدت وليس أقلها تعاظم وزن الأقليات وتضاؤل وزن الأوروبيين، البيض. إن التساؤلات المحيطة بالتوجهات السياسية خلال السنوات المقبلة وتحديات السياسة الداخلية والخارجية تدفع إلى طرح سؤال جوهري: إلى أين تمضي القوة الأميركية؟ وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن الخيارات التي سوف تتبنّاها الإدارة الأميركية الجديدة قد تكون لها آثارها الحاسمة بالنسبة لمستقبل القوة العالمية الأولى وفي الطريقة التي ستتعامل بها أميركا مع بقية العالم والكيفية التي سيتم النظر إليها على المسرح الدولي.

ثم إن الفريق الحاكم اليوم في واشنطن قد تكون له بصماته الدائمة على العلاقات الدولية، وذلك تبعا للتوجهات الجديدة التي سوف يحددها، أو على مجرد استكمال الإصلاحات التي تم الشروع فيها منذ عام 2001. وبهذا المعنى قد يشكل انتخاب باراك اوباما رئيسا للولايات المتحدة حدثا تاريخيا على المسرح الدولي. وسيكون على الولايات المتحدة أن تأخذ في حسبانها التطورات التي تشهدها بقية بلدان العالم ومناطقه وإلا فإنها قد تبقى قوة كبرى، ولكن معزولة وبعيدة عن فهم الحقائق المعاصرة. باختصار إن مستقبل الولايات المتحدة هو الرهان. ويرى المؤلف أن إدارة اوباما قد تجد نفسها مضطرة لقبول أطروحة حدوث انحطاط أميركي بطيء، أو على الأقل قبول فكرة أن بقاء الولايات المتحدة قوة من الرعيد الأول للقوى العالمية مشروط بالتأقلم مع بروز أقطاب عالمية أخرى. بهذا المعنى يبدو أن التعددية القطبية على المستوى العالمي هي مفروضة على واشنطن أكثر مما هي خيار طوعي، وبهذا المعنى أيضا يكون القرن الحادي والعشرون قد رأى العودة الكبرى لتعددية الأقطاب الدولية، بعد فترة الحرب الباردة التي كانت قد شهدت استقطابا ثنائيا دوليا وبعد عقدين بعدها من سيادة القطب الأميركي الواحد.

المشهد العالمي الجديد يفرض على مختلف القوى الكبرى اللجوء إلى جملة من «التصويبات»، بل ومن الجهود الرامية إلى التأقلم مع العلاقات الدولية بنسختها الجديدة. الترجمة الواقعية للوضع الجديد يجدها المؤلف في ضرورة أن تعيد الولايات المتحدة النظر في سياستها الخارجية، وتشرع في القيام بمنعطف حقيقي يمثل «قطيعة» مع توجهات الإدارة السابقة.

أمة مختلفة

لا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول إن الولايات المتحدة تمثل «أمة ليست كباقي الأمم»، وهذا لا يعود إلى الخطاب التبشيري الذي يردده غالبا قادتها على صعيد السياسة الخارجية فحسب، ولكن أيضا، وخاصة، بسبب ما تتمتع فيه من قوّة كبيرة وبسبب النتائج الدولية لتوجهاتها السياسية.

وكانت الانتخابات الرئاسية الأميركية في خريف العام الماضي قد برهنت على أن ما يجري على المسرح السياسي الأميركي يستدعي اهتمام العالم كله. ذلك على خلفية إدراك الجميع أنه ستكون له آثاره على مجمل البلدان، هكذا أطلق كُثر على الولايات المتحدة الأميركية توصيف «أمة لا بد منها» مع ذلك يبقى الرهان الأساسي أمامها اليوم على صعيد السياسة الخارجية متمثلا في المكانة التي ستحتلها واشنطن على المسرح الدولي.

ويبرز هذا السؤال حول نهج إدارة أوباما للسنوات القادمة، وهل تنبغي خشية تنامي نزعة التدخل في شؤون العالم أم على العكس هل ينبغي تراجع القوة الكبرى الأميركية وبالتالي عدم استجابتها حيال الأزمات الدولية؟ مهما يكن من أمر، كان انتصار الغرب على الكتلة الشيوعية هو قبل كل شيء انتصارا للولايات المتحدة التي تفرض نفسها منذ عقدين تقريبا على أنها القوة العالمية الأولى في جميع الميادين.

مثل هذه الهيمنة المتفرّدة تثير التساؤلات حول السياسة الخارجية الأميركية. ويرى مؤلف هذا الكتاب أن الأفق مفتوح أمام واشنطن خلال السنوات القادمة للسير باتجاه الهيمنة أو باتجاه العزلة.

وينقل في هذا السياق عن الصحافي الأميركي وليام فاف قلقه حيال السلوك الذي ينبغي على واشنطن تبنيه والأخطار التي ترتسم في فجر القرن الحادي والعشرين، وقوله: «الهيمنة هي، بالتعريف، حالة غير مستقرّة، ذلك كون أن المنظومة الدولية ستبحث بشكل عفوي عن سبل مقاومة ذلك والوصول إلى حالة من التوازن.

إن من يمتلك الهيمنة يكون دائما مهددا فموقف الولايات المتحدة غدا أكثر ضعفا منذ أن أصبحت، إثر نهاية فترة الحرب الباردة، القوة العظمى الوحيدة.

ومن يكون في موقع الهيمنة يجد نفسه مدفوعا على صعيد الداخل إلى الغطرسة والشطط ويواجه على صعيد الخارج أشكالا من الحقد والتهديد»

وفي عودة إلى الوراء قليلا يشير المؤلف إلى أن جورج دبليو بوش لم يكن يمتلك خبرة خاصة في حقل السياسة الخارجية عندما أصبح الرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة الأميركية.

بل وكانت الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2000 ممهورة بغياب شبه كامل للنقاشات حول السياسة الخارجية، وذلك إلى درجة لم تكن قد عرفتها الولايات المتحدة من قبل.

ولم يكن بوش قد زار في حياته سوى ثلاثة بلدان أجنبية، هي المكسيك وبريطانيا والصين، التي كان والده سفيرا لأميركا فيها. لكن ذلك لم يمنعه من القيام بنوع من إعادة تحديد توجهات السياسة الخارجية الأميركية، بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

لقد قدّم «الحرب على الإرهاب» كمعركة طويلة الأمد ومشروع «الشرق الأوسط الكبير» كرؤية إستراتيجية لهذه المنطقة من العالم. وهذا ما دعا العديد من الخبراء إلى وصف السياسة الخارجية لإدارة بوش على أنها «ذات طابع إمبريالي» هكذا أخذ مفهوم أن أميركا «أمة لا بد منها» كل أبعاده.

مثل هذا المفهوم عنى أيضا أنه ليس هناك أمام أميركا أي خيار سوى التدخل من أجل تسوية الأزمات العالمية، وحتى لو كانت لا تمس مباشرة المصالح الحيوية الأميركية. من هنا تبدو العودة إلى العزلة، والتي قد تجد مبرراتها في بعض المظاهر، ليست محتملة. بالتالي سيكون على الإدارة الأميركية الجديدة أن تفرض نفسها على المسرح الدولي.

بعد سقوط جدار برلين

لقد قيل الكثير عن نزعة الأحادية القطبية الدولية (الأميركية) في ظل إدارة جورج دبليو بوش على صعيد السياسة الخارجية. لكن مثل هذا التوجه أصبح موضع تشكيك، منذ وصول باراك اوباما إلى البيت الأبيض، وهو الذي تبنّى خطابا يعطي الأولوية للحوار وللتنسيق مع الحلفاء والأصدقاء. لكن كيف يمكن ترجمة مثل هذا التوجه على أرض الواقع؟ وهل ستكون هناك أحادية قطبية مموهة أم تعددية أقطاب حقيقية؟

مهما يكن من أمر، كان قد جرى تكريس الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم خلال القرن العشرين، وتعزز ذلك الموقع بعد سقوط المعسكر الشيوعي ونهاية الحرب الباردة ومعها الاستقطاب الثنائي الدولي.

مثل هذا الوضع يقلل من إمكانية تخلّيها عن الدفاع عن مصالحها المتنوعة في مناطق مختلفة من العالم، هكذا يرى خبراء عديدون أنه غدا من الضروري «بالنسبة لخير البشرية» أن تأخذ مكانة الزعيم في عالم متعدد الأقطاب.

وقد أثبتت مراقبة الواقع أنه في كل مرّة يتم فيها تغيير قاطن البيت الأبيض، تبدأ واشنطن بطرح الأسئلة حول القوة الأميركية وحول السبل الأفضل لاستخدام هذه القوة. مثل هذه التساؤلات غدت أكثر إلحاحا وحدّة مع وصول باراك اوباما إلى سدة الرئاسة.

ذلك خاصة أنه لم يعد يحق للولايات المتحدة أن تكرر أخطاء السنوات الأخيرة. وعليها بالمقابل أن تأخذ في حساباتها الحقائق الجديدة التي فرضتها مسيرة التطور العالمي على الصعيد الخارجي، الدولي وكذلك على صعيد الخارطة السكانية الأميركية.

ما تتم الإشارة إليه في هذا السياق هو أن السياسة الخارجية الأميركية تتسم عامة، منذ البدايات، يميل واضح نحو تبنّي نهج عملي، بينما أن الخطابات الرسمية الكبرى تحمل غالبا رسالة أخرى. هذا ما يلقي بعض الغموض على السياسة الخارجية الأميركية.

ومنذ سقوط جدار برلين وزوال الإمبراطورية السوفييتية، لم يعد الأمر يتعلق بإعادة تعريف مفهوم القوة فحسب، بل أصبح من المطلوب قبل كل شيء إعادة تعريف التوجه الإستراتيجي للولايات المتحدة.

وكان العديد من المراقبين، الأميركيين أو الأجانب، قد وصفوا الولايات المتحدة عند نهاية الحرب الباردة ب«القوة العظمى» ثم أصبح التوصيف هو «القوة المهيمنة» وتلاه توصيف «الإمبراطورية» قبل أن تنفتح صفحة جديدة مع نهاية عهد جورج دبليو بوش.

ويرى المؤلف أن مثل هذا «الانزلاق» اللغوي له دلالته على الطريقة التي يرى فيها العالم الخارجي الولايات المتحدة. لكن يبقى من المهم الطريقة التي تنظر فيها هي إلى نفسها.

وفي عام 1999 طرح المفكر السياسي الأميركي ريتشارد هاس عدة تساؤلات حول ما ينبغي فعله بالقوة الأميركية، وأشار إلى أن «الأولوية» لا تعني الهيمنة وأن التعددية القطبية مطلوبة وكل الثروات ليست دائمة.

البعض رأى في تلك الأفكار نوعا من التعبير عن أزمة هوبة، موروثة من نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي. من هنا تأتي مركزية الفكرة التي يقول بها المحافظون كما المعتدلون والخاصة بضرورة إعادة تحديد أهداف واشنطن في حقل السياسة الخارجية أولا.

وفي الواقع لا تزال الولايات المتحدة تنظر إلى نفسها وكأنها أمة في حرب. وأغلبية النوّاب الأميركيين، ممثلي الشعب، على اقتناع تام بأن الاستقرار الدولي يتعلق بالولايات المتحدة. هذا ما كانت قد دلّت عليه بوضوح النقاشات التي دارت أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية بين باراك اوباما ومنافسه آنذاك جون ماكين. وكل المؤشرات تدل على أن الأميركيين يجدون بلادهم اليوم على مفترق طرق.

ماذا بعد؟

ما يفترضه مؤلف هذا الكتاب هو أن الولايات المتحدة ستتابع إنفاقها العسكري الكبير كي تحتفظ دائما بموقع راجح في العالم. ولا يستبعد بالمقابل أن يتم «إهمال» الاحتياجات الداخلية بحيث إن أميركا ستجد نفسها غير قادرة على تكافؤ مع الأوروبيين على الصعيد الاقتصادي.

هؤلاء الأوروبيون، وعلى خلفية الاستفادة من المظلة العسكرية الأميركية، سيكون بمقدورهم تكريس ميزانيات أكبر لازدهارهم الاقتصادي الثقافي بحيث «تنقلب الأدوار» بالتوازي مع المحددات السياسية التقليدية يمكن للتركيبة السكانية الأميركية أن تلعب دورا متعاظما أكثر فأكثر في صياغة السياسة الخارجية.

وزن الأوروبيين يتضاءل بينما يزداد وزن الأقليات، خاصة الناطقين بالاسبانية وعلى رأسهم القادمون من المكسيك. الأوروبيون البيض قد يصبحون أقلية في أفق عام 2050. وفي هذا المنظور ترتسم ملامح «خطر على خلفية الهوية» في بلد من المهاجرين كالولايات المتحدة.

الصفحات: 267 صفحة

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: لوفيلان ـ باريس ـ 2009