قبل نحو سنتين، لم يتخيل أكثر المتفائلين جرأة، عودة مقاهي الفلوجة إلى الحياة، في جو سيطرت عليه ثقافة اعتبرها معظم أهل المدينة «دخيلة» على مجتمعها، الذي عرف بمقاومته العنيفة للاحتلال، كما عرف إلى جانب ذلك بالكرم والتسامح.

واليوم قد تبدو صورة المدينة الفراتية، مغايرة تماما عن تلك التي انطبعت في أذهان العراقيين خاصة والعالم عموما، بعد غزو العراق عام 2003.

فبعد أن أحرقت الحروب وموجة العنف التي شهدتها المدينة الأخضر واليابس، أخذت الفلوجة تعود تدريجيا إلى حياتها الأولى، وأصبحت المقاهي المنتشرة فيها مشرعة الأبواب حتى ساعات الليل المتأخرة، وليس ذلك فحسب، بل احتضنت المدينة، ولأول مرة في تاريخها، منتديات نسائية خالصة!

ويقول سعد الله احمد سرحان، صاحب مقهى وسط الفلوجة: «قبل أكثر من سنتين ونصف السنة، لم يكن هنالك مقهى واحد في المدينة، بسبب الظروف الأمنية، وحالة الحرب فيها، أما اليوم فالوضع مختلف للغاية، إذ انتشرت العشرات من المقاهي الشعبية ومحلات الكوفي شوب والمقاهي المختصة بتدخين الأرجيلة».

ويعتقد الفنان التشكيلي عمر البلاّم ان الفلوجة أصبحت مركزا فنيا مهما، خاصة بعد ظهور المسارح، والمسرحيات الهادفة، من إخراج وتمثيل شباب المدينة، بعد أن كان الأمر صعبا للغاية. وتقول يسرى محمد عضو منتدى الفلوجة النسائي، والموظفة في احد المصارف: «إن المدينة تمر بمرحلة من انفتاح لم تشهدها من قبل، بل لم تعرفها حتى قبل الاحتلال الأميركي، وابرز سماتها افتتاح المنتديات والروابط النسائية الخاصة».

وتضيف: هذه المنتديات عادة ما تكون فكرية واجتماعية وثقافية، وهذا ما كان ليحدث لولا وجود الرغبة والحافز للنهوض بواقع المرأة في المدينة، ومتطلبات الحداثة عليها، ورغبة النسوة في تكوين الذات». فيما يؤكد رفعت محمود: «ان رغبة المواطن الفلوجي بالخروج إلى آفاق واسعة، والتذمر من المرحلة التي سبقت الاستقرار الأمني، ووجود الكبت في دواخله ما منعه من التكلم والمشاركة في إبداء رأيه، جعلت العديد من المواطنين وخاصة الشباب يشاركون في تأسيس أحزاب محلية في المدينة للمشاركة في العملية السياسية».

ويشير إلى أن «هذا الشيء لم تعهده المدينة من قبل، مثل تجمع الفلوجة المستقل أو تجمع عشائر وشباب الانبار، وكذلك ظهور الصحف التي يديرها الشباب بأنفسهم مثل (الفلوجة) و(صوت الأنبار) و(صدى الأنبار)، إضافة إلى ظهور إذاعتين محليتين في المدينة، وقناة الفلوجة التلفزيونية، وهذا دليل على رغبة المواطن بالنهوض بواقعة والتحرر من القيود التي فرضت عليه».

ويشدد محمود على «ان الاستقرار الأمني سينقل صورة أكثر وضوحا عن واقع الفلوجة، بعد ان كانت تلك الصورة ضبابية في السابق». ويتابع: «الشارع في الفلوجة الآن ربما يختلف عن مثيله في باقي مدن العراق، من حيث الحركة في الأسواق، بسبب ما لاقته المدينة من ويلات الحروب والقتل، فحركة المواطن في الشارع هي الكفيلة بنقل صورة الفلوجة الحقيقية للعالم»، كما يعتقد.

ويرى النقيب في شرطة المرور محمد الجميلي: «ان المدينة تشهد اختناقا مروريا غير اعتيادي، حتى أصبحت السيطرة على الشارع صعبة للغاية، على الرغم من تطبيق نظام حركة السيارات ذات الأرقام الفردية والزوجية في المدينة».

ويقول: «نحن نعمل في مديرية مرور الفلوجة منذ السادسة صباحا ولغاية الحادية عشرة ليلا بلا انقطاع، ولا نترك الساحات والتقاطعات في المدينة». وبين الأمس واليوم.. تسعى الفلوجة إلى اخذ دورها الثقافي والتجاري والانطلاق إلى تواصل أوسع وآفاق أرحب مع العالم.