عرض الرئيس الاميركي باراك أوباما في خطاب في القاهرة امس »بداية جديدة« بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي على اساس »المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل «،مشيدا بالتقدم الباهر الذي شاهده العالم الاسلامي من كوالالمبور الى دبي.
مشيرا إلى ان الحل الوحيد في الشرق الاوسط هو حل الدولتين، مؤكدا على الصلات القوية بين اسرائيل واميركا والتي »لا يمكن زعزعتها «، لكنه إنتقد استمرار البناء المسوطنات ،موضحا ان الحرب في العراق كانت »حرب اختيار«، متعهدا بسحب القوات الاميركية من العراق بحلول 2012، موضحا رغبة واشنطن في حوار»من دون شروط مسبقة «مع طهران. وبدأ أوباما خطابه بـ »السلام عليكم« مشيدا بالازهر الشريف »الذي بقي لاكثر من ألف سنة منارة العلوم الاسلامية«، وكذلك جامعة القاهرة التي كانت »على مدى أكثر من قرن بمثابة منهل من مناهل التقدم في مصر«، مؤكدا على ان »هاتين المؤسستين تمثلان معا حسن الاتساق والانسجام ما بين التقاليد والتقدم«.
وقال: »اننا نلتقي في وقت يشوبه التوتر بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي وهو توتر تمتد جذوره الى قوى تاريخية تتجاوز أي نقاش سياسي راهن. وتشمل العلاقة ما بين الاسلام والغرب قرونا سادها حسن التعايش والتعاون كما تشمل هذه العلاقة صراعات وحروبا دينية«.
وأضاف الرئيس الأميركي أن المتطرفين »الذين يمارسون العنف هذه التوترات في قطاع صغير من العالم الاسلامي بشكل فعال. ثم وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001 واستمر هؤلاء المتطرفون في مساعيهم الرامية الى ارتكاب أعمال العنف ضد المدنيين الامر الذي حدا بالبعض في بلدي الى اعتبار الاسلام معاديا لا محالة ليس فقط لاميركا وللبلدان الغربية.
وقال: »لقد أتيت الى هنا للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي استنادا الى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل وهي بداية مبنية على أساس حقيقة أن أميركا والاسلام لا تعارضان بعضها البعض ولا داعي أبدا للتنافس فيما بينهما بل ولهما قواسم ومبادئ مشتركة يلتقيان عبرها ألا وهي مبادئ العدالة والتقدم والتسامح
وكرامة كل انسان«. وتابع : »انني أقوم بذلك ادراكا مني بأن التغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها. ولا يمكن لخطاب واحد أن يلغي سنوات من عدم الثقة كما لا يمكنني أن أقدم الاجابة على كافة المسائل المعقدة التي أدت بنا الى هذه النقطة.
غير أنني على يقين من أنه يجب علينا من أجل المضي قدما أن نعبر بصراحة عما هو في قلوبنا وعما هو لا يقال الا وراء الابواب المغلقة. كما يجب أن يتم بذل جهود مستديمة للاستماع الى بعضنا البعض وللتعلم من بعضنا البعض والاحترام المتبادل والبحث عن أرضية مشتركة«.
وتابع القول إن »الاسلام ليس جزءا من المشكلة المتلخصة في مكافحة التطرف العنيف وانما يجب أن يكون الاسلام جزءا من حل هذه المشكلة.. علاوة على ذلك نعلم أن القوة العسكرية وحدها لن تكفي لحل المشاكل في كل من أفغانستان وباكستان.
ولذلك وضعنا خطة لاستثمار 5 .1 مليار دولار سنويا على مدى السنوات الخمس المقبلة لاقامة شراكة مع الباكستانيين لبناء المدارس والمستشفيات والطرق والمؤسسات التجارية وكذلك توفير مئات الملايين لمساعدة النازحين. وهذا أيضا السبب وراء قيامنا بتخصيص ما يربو على 8 .2 مليار دولار لمساعدة الافغان على تنمية اقتصادهم وتوفير خدمات يعتمد عليها الشعب«.
وتحدث أوباما عن التنمية الاقتصادية وتنمية الفرص. وقال: »أعلم أن التقدم البشري لا يمكن انكاره فالتناقض بين التطور والتقاليد ليس أمرا ضروريا اذ تمكنت بلدان مثل اليابان وكوريا الجنوبية من تنمية أنظمتها الاقتصادية والحفاظ على ثقافتها المتميزة في ذات الوقت.
وينطبق ذلك على التقدم الباهر الذي شاهده العالم الاسلامي من كوالالمبور الى دبي لقد أثبتت المجتمعات الإسلامية منذ قديم الزمان وفي عصرنا الحالي أنها تستطيع أن تتبوأ مركز الطليعة في الابتكار والتعليم«.
حرب اختيارية
وغاص أوباما في كلمته المطولة التي استغرقت نحو 55 دقيقة في العديد من الملفات السياسية الشائكة. وبالنسبة للعراق قال إن »الوضع هناك اختلف عن الوضع في أفغانستان حيث وقع القرار بحرب العراق بصفة اختيارية مما أثار خلافات شديدة سواء في بلدي أو في الخارج«.
واضاف: »رغم اعتقادي بأن الشعب العراقي في نهاية المطاف هو الطرف الكاسب في معادلة التخلص من الطاغية صدام حسين الا أنني أعتقد أيضا أن أحداث العراق قد ذكرت أميركا بضرورة استخدام الدبلوماسية لتسوية مشاكلنا كلما كان ذلك ممكنا«.
وركز على أن أميركا »تتحمل اليوم مسؤولية مزدوجة تتلخص في مساعدة العراق على بناء مستقبل أفضل وترك العراق للعراقيين. انني أوضحت للشعب العراقي أننا لا نسعى لاقامة أية قواعد في العراق أو لمطالبة العراق بأي من أراضيه أو موارده. يتمتع العراق بسيادته الخاصة به بمفرده.
لذا أصدرت الاوامر بسحب الوحدات القتالية مع حلول شهر أغسطس القادم ولذا سوف نحترم الاتفاق المبرم مع الحكومة العراقية المنتخبة بأسلوب ديمقراطي والذي يقتضي سحب القوات القتالية من المدن العراقية بحلول شهر يوليو وكذلك سحب جميع قواتنا بحلول عام 2012«.
رؤية لحل الصراع
وأوضح أوباما أما المصدر الرئيسي الثاني للتوتر بين العالم الاسلامي وأميركا هو الوضع ما بين الاسرائيليين والفلسطينيين والعالم العربي.
وقال إن »متانة الاواصر الرابطة بين أميركا واسرائيل معروفة على نطاق واسع. ولا يمكن قطع هذه الاواصر أبدا«.
وشدد على أنه »لا يمكن نفي أن الشعب الفلسطيني مسلمين ومسيحيين قد عانوا أيضا في سعيهم الى اقامة وطن خاص لهم. وقد تحمل الفلسطينيون الام النزوح على مدى أكثر من 60 سنة حيث ينتظر العديد منهم في الضفة الغربية وغزة والبلدان المجاورة لكي يعيشوا حياة يسودها السلام والامن هذه الحياة التي لم يستطيعوا عيشها حتى الان«.
وتابع أن »السبيل الوحيد للتوصل الى تحقيق طموحات الطرفين يكون من خلال دولتين يستطيع فيهما الاسرائيليون والفلسطينيون أن يعيشوا في سلام وأمن«. وقال ان »عمليات البناء (الاستيطان) تنتهك الاتفاقات السابقة وتقوض من الجهود المبذولة لتحقيق السلام. لقد ان الاوان لكي تتوقف هذه المستوطنات«.
الاسلحة النووية
وقال أوباما إن المصدر الثالث للتوتر يتعلق باهتمامنا المشترك بحقوق الدول ومسئولياتها بشأن الاسلحة النووية. لقد كان هذا الموضوع مصدرا للتوتر الذي طرأ مؤخرا على العلاقات بين الولايات المتحدة وجمهورية ايران الاسلامية.
واكد ان الخلاف بشأن البرنامج النووي الإيراني في »منعطف حاسم«، موضحا ان»الولايات المتحدة تريد التقدم بدون شروط وعلى اساس الاحترام المتبادل مع ايران«.
وقال ان الموضوع الرابع الذي أريد أن أتطرق اليه هو الديمقراطية. وأكد انه »لا يمكن لدولة أن تفرض نظام حكم معين على أي دولة أخرى«.
وقال إن »هذا لا يعني أنه يقلل من التزامه بالديمقراطية وإنما يعني أن تفكر الحكومات في رغبات شعوبها«، موضحا أنه »لا ينبغي على الولايات المتحدة البحث عن الأفضل لكل شخص أو التأكد من نتائج كل انتخابات تجرى«، مشيرا الى ان بلاده »ترحب بأي حكومة منتخبة وسلمية وتحترم حق كل الاصوات السلمية الملتزمة بالقانون في ان يتم الاستماع اليها حتى لو كانت تختلف معها«.
الحرية الدينية
وبالنسبة للموضوع الخامس الذي حدده أوباما للحديث عنه فهو موضوع الحرية الدينية. وقال ان »التسامح تقليد عريق يفخر به الاسلام«.
وتابع ان »التعددية الدينية هي ثروة يجب الحفاظ عليها ويجب أن يشمل ذلك الموارنة في لبنان أو الاقباط في مصر ويجب اصلاح خطوط الانفصال في أوساط المسلمين كذلك لان الانقسام بين السنيين والشيعيين قد أدى الى عنف مأساوي ولا سيما في العراق..اننا لذلك نرحب بالجهود المماثلة لمبادرة جلالة الملك عبدالله بن عبدالعزيز المتمثلة في حوار الاديان كما نرحب بالموقف الريادي الذي اتخذته تركيا في تحالف الحضارات«.
وتطرق أوباما عن حقوق المرأة، بقوله: »أعلم أن الجدل يدور حول هذا الموضوع وأرفض الرأي الذي يعبر عنه البعض في الغرب ويعتبر المرأة التي تختار غطاء لشعرها أقل شأنا من غيرها ولكنني أعتقد أن المرأة التي تحرم من التعليم تحرم كذلك من المساواة«.
تطور لافت
حق فلسطين في الوجود
اكد باراك اوباما في خطابه الى العالم الاسلامي امس في القاهرة»حق الشعب الفلسطيني في الوجود« ليصبح بذلك اول رئيس اميركي يستخدم هذا التعبير كما انه الاول الذي يتحدث عن »المقاومة«حتى لو كان اعتبر ان»المقاومة عبر العنف خطأ ولا تنجح«.
ورغم ان اوباما اعاد تكرار مواقف ادارته تجاه النزاع العربي الاسرائيلي الا انه استخدم لهجة جديدة.وقال اوباما امام قرابة 2500 شخصية حضروا خطابه في جامعة القاهرة»الاسرائيليون يجب ان يعترفوا بانه كما لا يمكن انكار حق اسرائيل في الوجود فانه لا يمكن انكار حق فلسطين في الوجود«.
واكد اوباما ان»الفلسطينيين يجب ان يتخلوا عن العنف، فالمقاومة عبر العنف والقتل خطأ ولا تنجحلالا مذكرا اياهم بالمعاناة التي عانى منها السود في الولايات المتحدة لعقود كعبيد«.واستطرد »لكنهم لم يحصلوا على حقوق كاملة ومتساوية من خلال العنف«.
وتابع »ان العنف لا يقود الى شيء، انه ليس دليلا على شجاعة ولا على قوة اطلاق صواريخ على اطفال نائمين، او تفجير حافلة بها امراة عجوز، ليست هذه طريقة للمطالبة بحق اخلاقي وانما هذه طريقة للتخلي عنه«.واقر بان حركة المقاومة الاسلامية »حماس تحظى بتأييد بين بعض الفلسطينيين«مضيفا»ولكن عليها كذلك مسؤوليات«.
واضاف »للعب دور في تحقيق تطلعات الفلسطينيين ولتوحيد الشعب الفلسطيني ينبغي على حماس ان تضع حدا للعنف، ان تعترف بالاتفاقات السابقة (المبرمة مع اسرائيل) وان وان تعترف بحق اسرائيل في الوجود«.
تقدير
الحضارة الانسانية مدينة للاسلام
أكد أوباما ان الحضارة الانسانية مدينة للاسلام،مشيرا في خطابه الذي لم يخلو من الاستشتهاد بايات قرانية الى الاسلام كان دائما جزءا لا يتجزأ من قصة أميركا.
وقال» انني أدرك بحكم دارستي للتاريخ أن الحضارة مدينة للاسلام الذي حمل معه في
أماكن مثل جامعة الازهر نور العلم عبر قرون عدة الامر الذي مهد الطريق أمام النهضة الاوروبية وعصر التنوير.
ونجد روح الابتكار الذي ساد المجتمعات الاسلامية وراء تطوير علم الجبر وكذلك البوصلة المغناطسية وأدوات الملاحة وفن الاقلام والطباعة بالاضافة الى فهمنا لانتشار الامراض وتوفير العلاج المناسب لها.
حصلنا بفضل الثقافة الاسلامية على أروقة عظيمة وقمم مستدقة عالية الارتفاع وكذلك على أشعار وموسيقى خالدة الذكر وفن الخط الراقي وأماكن التأمل السلمي.
وأظهر الاسلام على مدى التاريخ قلبا وقالبا الفرص الكامنة في التسامح الديني والمساواة ما بين الاعراق«.
وأضاف:»أعلم كذلك أن الاسلام كان دائما جزءا لا يتجزأ من قصة أمريكا حيث كان المغرب هو أول بلد اعترف بالولايات المتحدة ..و منذ عصر تأسيس بلدنا ساهم المسلمون الاميركان في اثراء الولايات المتحدة..
لقد قاتلوا في حروبنا وخدموا في المناصب الحكومية ودافعوا عن الحقوق المدنية وأسسوا المؤسسات التجارية كما قاموا بالتدريس في جامعاتنا وتفوقوا في الملاعب الرياضية وفازوا بجوائز نوبل وبنوا أكثر عماراتنا ارتفاعا وأشعلوا الشعلة الاولمبية.
القاهرة - سباعي إبراهيم والوكالات

