شكّلت قضية محاربة الإرهاب إحدى القضايا الأساسية بالنسبة للسياسة الخارجية في عهد إدارة بوش السابقة. وشكّلت المساعدات للدول النامية إحدى الأدوات المستخدمة في المعركة، وكانت إدارة الرئيس بيل كلنتون قد ركّزت على أهمية زيادة هذه المساعدات.

واعتبارا من عام 2001 ساد تحت تأثير المحافظين الجدد خطاب التصدي لدول «محور الشر». ثم جرى تجديد هذا الخطاب بعد إعادة انتخاب جورج دبليو بوش رئيسا على التأكيد من جديد على أهمية الطريق الدبلوماسي دون استبعاد اللجوء إلى مواجهات عسكرية، ومما بدا ك«قطيعة» مع إيديولوجية جورج بوش الأولى. لكن يبقى التعامل مع الدول المسماة «مارقة» في رأس اهتمامات السياسة الخارجية الأميركية. وتدل مواقف باراك أوباما في حملته الانتخابية أنه مع نهج إستراتيجية الحوار، لكن دون تقديم تنازلات جوهرية. أما أهم الملفات التي تواجهها الإدارة الجديدة فهو الملف النووي الإيراني، والرهان الأهم والأبعد هو خيارات الرئيس اوباما الذي يعرف أن بلاده على مفترق طرق بشأن مستقبل قوتها.

في عام 2002 اقترحت إدارة جورج دبليو بوش استئناف المساعدة الأميركية للبلدان النامية. وذلك مقابل زيادة تعاونها في الحرب ضد الإرهاب. بعد سبع سنوات من ذلك التاريخ، يبدو أن الإدارة الجديدة مستعدة لإعادة النظر في تلك المساعدة. لكن بأي هامش من المناورة وبأية نسب، يتساءل مؤلف هذا الكتاب. وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد تبنّى في شهر فبراير من عام 2008 ما يسمّى ب«الميثاق العالمي للفقر». لكن ذلك قوبل بلا مبالاة شبه كاملة مما يدل على الأهمية القليلة التي توليها الولايات المتحدة. لا شك أن القوة الأعظم في العالم اليوم هي المساهم الرئيسي في المساعدة الدولية، لكن نسبة مساهمتها تبقى ضئيلة جدا بالقياس إلى إجمالي إنتاجها القومي. ثم إن مساهمتها بطريقة غير عادلة ذلك أن بعض المناطق تحظى بقسط كبير منها بينما يتم نسيان مناطق أخرى بصورة كاملة.

إن الرابطة بين المساعدات الأميركية والمصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة ليست جديدة. وكان زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، قد أبدى قلقه عام 1997 من رؤية أن آسيا الوسطى لا تنال أية حصة من المساعدات الأميركية ولاحظ أنه، رغم التقدم الذي تحقق في ظل إدارة بيل كلنتون، ظلت المساعدات الأميركية لإفريقيا السوداء متواضعة جدا.

بكل الأحوال اعتبر المحافظون الأميركيون غالبا أن المساعدات الغذائية هي نوع من «التبذير» بينما أن دعم البلدان الصديقة يمكن أن يخدم المصالح القومية للولايات المتحدة.

وكان الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر صاحب رؤية أشمل من الرؤساء الأميركيين الذي سبقوه ـ كان بريجنسكي هو مستشاره للأمن القومي ـ إذ رأى منذ نهاية سنوات السبعينات المنصرمة أنه ينبغي للمساعدة الأميركية، السياسية منها والمالية، أن تشمل مناطق أخرى.

لكن لا شك أن الأولوية كانت هي المجابهة بين الغرب والشرق، وبالتالي الرؤية الشاملة للعالم أصبحت أحد خيارات واشنطن بعد نهاية الحرب الباردة، وهذا ما تدل عليه الزيادة في المساعدات الأميركية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

مناطق الخطر

إن ما يستدعي انتباه واشنطن أكثر لم يعد البلدان الفقيرة وإنما بالأحرى «مناطق الخطر». لكن الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تتّبع نفس النهج حيالها، ذلك أنها تحتوي بنفس الوقت على بلدان «معادية» لواشنطن وبلدان حليفة لها. وضمن مثل هذه الظروف سيكون على إرادة باراك اوباما أن تشمل بسياستها ل«اليد الممدودة» الدول التي كانت إدارة جورج دبليو بوش قد أطلقت عليها صفة «المارقة».

ويرى مؤلف هذا الكتاب أن الإدارة الأميركية الجديدة سوف تتابع إلى حد كبير نهج الإدارة السابقة فيما يتعلق بالأمن القومي الأميركي. وينقل عن الرئيس السابق جورج بوش قوله عام 2002: «إن النضال الجاري ضد الإرهاب العالمي مختلف عن جميع الحروب التي خضناها طيلة تاريخنا وهو سوف يتم على عدة جبهات ضد عدو من الصعب الوصول إليه وعلى مدى زمني طويل جدا. وسوف يتحقق النصر عبر التكدّس المستمر لانتصارات صغيرة، بعضها مرئي وبعضها الآخر غير مرئي».

وكانت مادلين اولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية في منتصف سنوات التسعينات المنصرمة قد حددت «الدول الهشة» أنها تلك غير القادرة على صيانة تلاحمها الداخلي ومعرّضة بالتالي لخطر التفكك. كان المقصود آنذاك توسيع فئة «الدول المارقة» التي كان قد جرى الحديث عنها في ظل إدارة جورج بوش الأب، كي تشمل مناطق «خطيرة» يمكن أن تشهد مظاهر عنف عدائية لواشنطن إذا لم يتم تكريس اهتمام خاص بها.

هكذا أصبحت الدول التي تواجه صعوبات إحدى أولويات السياسة الخارجية لدى الإدارة الديمقراطية في ظل رئاسة إحدى أولويات السياسة الخارجية لدى الإدارة الديمقراطية في ظل رئاسة بيل كلينتون، وكما مثّلتها السيدة اولبرايت نفسها.

لقد جرى عندها اعتبار أن النهاية التدريجية لأنظمة الاستبداد وقيام أنظمة ديمقراطية سيكون أفضل ضمان للأمن بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية وللعالم كله. وكانت مساعدة مادلين أولبرايت، المدعوة سوزان رايس ـ لا تمتّ بقرابة للسيدة كوندوليزا رايس- ذات الأصول الإفريقية والتي دعمت بقوة باراك اوباما أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية وغدت سفيرة أميركا لدى الأمم المتحدة بعد فوزه بالرئاسة، تدعم بقوة وقوف واشنطن إلى جانب البلدان الأكثر فقرا، خاصة في القارة الإفريقية.

وكان زبيجنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق يدعم لأسباب «عملية» مثل ذلك الموقف. هكذا يبدو الديمقراطيون الأميركيون من أنصار سياسة «يد ممدودة» شريطة أن تترافق مع إجراءات ديمقراطية على أرض الواقع.

مثل ذلك التوجه أخذ منحًى آخر بتأثير من المحافظين الجدد اعتبارا من عام 2001، ذلك أن الإطاحة بالأنظمة المعادية بدت كضرورة لتنظيف المناطق الحساسة التي ستعرف بعد التخلّص منها «نعيم الديمقراطية» و«الخروج من الظل».

بذلك المعنى كان المقصود هو أولا الإطاحة بالأنظمة «الدكتاتورية» ثم تقديم المساعدة للشعوب المحررة للخروج من الفوضى وإرساء أسس الديمقراطية على خلفية مثل تلك الذهنية جرى التخطيط للعملية العسكرية ضد العراق وإعداد المشروع الطموح ل«الشرق الأوسط الكبير». ويرى مؤلف هذا الكتاب أن مثل تلك السياسة كانت قريبة إلى السياسة الخارجية التي تبنّاها جيمي كاتر سابقا باستثناء اللجوء إلى المغامرة العسكرية.

وكان الرئيس جورج دبليو بوش قد حدد في خطابه لحالة الاتحاد عام 2002 دول محور الشر بكل من العراق وإيران وكوريا الشمالية. لكن بعد الإطاحة بنظام صدام حسين ومع إعادة انتخاب بوش رئيسا عام 2004 جرى الشروع بإعادة تعريف حقيقية ل«محور الشر».

هكذا تحدّثت السيدة كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية عام 2005 عن «مواقع متقدّمة للاستبداد» حيث تواجدت عدة دول على القائمة هي إيران وكوريا الجنوبية وكوبا وزيمبابوي. ولم تكن المواجهة العسكرية مستبعدة من الرؤية الأميركية الجديدة، لكن أصبح اللجوء إلى الطريق الدبلوماسي هو الذي يحظى بالأولوية من أجل حل الأزمات.

ولم تكن المقاربة الجديدة تستبعد اللجوء إلى تقديم المساعدة لتجنب تفكك بعض الدول. لقد بدا ذلك بمثابة «قطيعة» مع إيديولوجية إدارة جورج دبليو بوش الأولى.

بنفس الوقت حاول المحافظون الجدد القيام بتحوّل كبير في توجههم. ذلك أن بول وولفويتز، أحد رموزهم، الذي جرى تعيينه في عام 2005 على رأس البنك الدولي، أبدى، رغم نزعته العسكرية الواضحة، اهتماما كبيرا بمسألة تقديم المساعدات المكرّسة للتنمية، حتى لو كان قد جرى ربطها غالبا بمبدأ المقايضة في المصالح. أعطيك فأعطني بالمقابل.

وكان بول وولفويتز قد عمل سفيرا للولايات المتحدة في اندونيسيا خلال سنوات الثمانينات حيث كان قد أعلن أنه سيعمل من أجل مساعدة المناطق التي تعاني من صعوبات. انتظر المراقبون رؤية النتائج على الأرض بعد استلامه مهام منصبه رسميا كرئيس للبنك الدولي في الأول من شهر يونيو 2005. لكنه اضطر للاستقالة من منصبه في مايو 2007 بسبب تورطه في قضية فساد وليس بسبب كفاءاته.

ورغم أن المساعدات التي تقدمها أميركا تتجاوز كثيرا مجموع المساعدات التي تقدمها البلدان المتقدمة الأخرى فإن الولايات المتحدة تبقى، على ضوء النسبة المئوية، هي أحد الأقل مساهمة للبلدان النامية، إذ أن مساعدتها تعادل 16 .0 بالمئة من إجمالي إنتاجها القومي بينما حدد الاتحاد الأوروبي هدف الوصول إلى نسبة مساعدات تبلغ 7 .0 بالمئة من إجمالي الإنتاج القومي لبلدانه خلال عام 2009.

هذا ومن الواضح أن هناك سوء تفاهم كبير حول هذه النقطة بين شطري المحيط الأطلسي وحتى على صعيد العلاقات المتميزة بين الولايات المتحدة وبريطانيا. ويضرب المؤلف مثالا مفاده أن أميركا تقدم مساعدة سنوية لإفريقيا تقدّر ب4 .1 مليار دولار.

بريطانيا تطالب بزيادة هذه المساعدة باستمرار، لكنها لا تجد آذانا صاغية لدى واشنطن، وهذا يترجم واقع عدم التوافق حول مسألة المساعدات بين الأميركيين من جهة وشركائهم الأوروبيين عموما من جهة أخرى. ونفس التباين أيضا حول تخفيف ديون البلدان الفقيرة الذي يدفع نحوه الشركاء الأوروبيون بينما تبدي واشنطن الكثير من التردد.

الملفات الحساسة

كان أحد الملفات الأساسية لإدارة جورج دبليو بوش في ميدان السياسة الخارجية يخص التعامل مع البلدان المسماة ب«المارقة». وهذا موضوع سيكون على الإدارة الجديدة تحديد توجهاتها حياله سريعا.

إن المواقف التي أبداها باراك اوباما أثناء حملته الانتخابية الرئاسية تدلّ على أنه يريد متابعة إستراتيجية الحوار ولكن دون تقديم أية تنازلات جوهرية. وما يشير إليه المؤلف هو أن العلاقة مع «الدول المارقة» تشكل رهانا حقيقيا بالنسبة للأمن الأميركي.

وذلك ليس من كون أن هذه الدول تمثل تهديدا على أراضي الولايات المتحدة وعلى مواطنيها، ولكن لكون أنها تندرج في إطار منطق للرد على ما تراه اعتداء حقيقيا من قبل واشنطن.

ويبقى على رأس الملفات التي تواجهها واشنطن في هذا الإطار «الملف النووي الإيراني». وكانت «الأزمة» الحالية قد بدأت رسميا بعد اللقاءات الدبلوماسية الأولى «غير المثمرة» في عام 2003 وما تلاها من تحليلات الأوساط الأميركية المحافظة، وخاصة المحافظة الجديدة، التي أرادت حينها الاستفادة من وجود القوات الأميركية في المنطقة لممارسة الضغط على إيران.

وتعززت تلك الإستراتيجية بعد نجاح المفاوضات مع ليبيا التي أعلنت بعد عدة أسابيع فقط بعد سقوط بغداد في شهر أبريل 2003، أنها تقبل تفكيك وتدمير قدراتها في سبيل الوصول إلى أسلحة الدمار الشامل والانخراط في جوقة الأمم.

ووجدت الأوساط المحافظة الجديدة في واشنطن بتلك الحركة من أحد «الأعداء التاريخيين لواشنطن» البرهان على نجاح إستراتيجيتها في منع انتشار الأسلحة النووية بينما كانت قد أظهرت المعاهدات الدولية فشلها في ذلك.

ويلخص المؤلف في المحصلة الإستراتيجية النووية الأميركية الثابتة بما يلي:

- لمحافظة على قوة الردع

- تطوير الوسائل الدفاعية للحد من المخاطر ومكافحة انتشار الأسلحة النووية.

- تطوير منظومات جديدة لأسلحة هجومية بحيث يخضع استخدامها للتقديرات تبعا لظروف الرد. لكن وفيما هو أبعد من التعامل مع الملفات الحالية وصعوبة إدارة إرث إدارة بوش، يبقى مستقبل القوة الأميركية هو الذي سيحدد خيارات الرئيس الجديد، وهو يعرف أفضل من الجميع أن بلاده على مفترق طرق.

المؤلف في سطور

يعمل مؤلف هذا الكتاب باحثا في مركز العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، وتولّى إدارة مكتب هذا المركز في «تايوان». وكان قد عمل لفترة طويلة باحثا في إطار نشاطات «مركز الدراسات الأطلسية».

يحمل شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية وهو اختصاصي بالشأن الأميركي. له عدة مؤلفات عن المسائل الدولية والاستراتيجية، من بينها: «واشنطن والدول المارقة: استراتيجية متعددة» و«العالم النووي» و«الحروب غير المتكافئة» و«شرق آسيا في مواجهة النزاعات القومية».

الصفحات: 267

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: لوفيلان ـ باريس ـ 2009