كانت إدارة جورج دبليو بوش خلال فترتها الرئاسية الثانية أكثر انتباهاً لمواقف شركائها الدوليين، على عكس الفترة الأولى التي حكمتها أجواء ما بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001.
لكن الشعبية التي حظي بها الرئيس السابق بوش وإدارته بعد «الانتصار العسكري» في العراق تهاوت سريعاً، بعد أن ظهر فشل تلك الحرب في تحقيق أي هدف من أهدافها المعلنة. وبرزت أكثر فأكثر الانتقادات الموجهة لنهج المحافظين الجدد ونزعتهم في الهيمنة على العالم.
بنفس الوقت رأى قسم كبير من شعوب العالم في تطلع المحافظين الجدد والإدارة الأميركية، بوحي من أفكارهم، نوعاً من محاولة الاستعمار الجديد باسم نشر مجموعة من القيم الكونية، والديمقراطية في مقدمتها. لكن ظهر أيضاً عجز مثل هذه الإيديولوجية في فرض توجهاتها بأرض الواقع.
هذه الأمور كلها دفعت إلى التراجع التدريجي، اعتبارا من عام 2005، للخطاب الأميركي القائل بحرب «الشر ضد الخير». لكنه لا يزال قائما لدى بعض الدوائر الاستراتيجية الأميركية، كما يقول مؤلف هذا الكتاب، مع تأكيده بنفس الوقت على أن «الواقعية» هي التي ستحكم السياسة الخارجية في ظل الإدارة الجديدة.
يشير مؤلف هذا الكتاب، في معرض حديثه عن التحديات السياسية الخارجية الأميركية الراهنة، إلى أن إدارة جورج دبليو بوش أظهرت في الفترة الرئاسية الثانية قدراً أكبر من الإصغاء لشركائها الدوليين وللمشاكل التي أثارها الشرخ بين الشمال والجنوب مما كانت قد أظهرته فترتها الرئاسية الأولى. بالمقابل زاد تدهور العلاقات بين إدارة بوش والأميركيين مع مرور السنين.
في بداية رئاسة بوش دعم الأميركيون حكومتهم في جميع الإصلاحات التي قامت بها بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، ذلك أنهم اعتبروها داعمة لأمنهم. وكانت شعبية بوش قد عرفت ارتفاعا كبيرا بعد إعلانه الانتصار العسكري في الحرب ضد العراق في شهر مايو 2003 ثم زادت أكثر بعد الإعلان عن إلقاء القبض على صدام حسين في شهر ديسمبر من نفس السنة. هذان الحدثان جرى تقديمهما على أنهما يمثلان تقدما في تعزيز أمن الولايات المتحدة.
لكن ذلك كله لم يمنع واقع بروز الشروخ منذ تلك الفترة ووصل الأمر بأغلبية الأميركيين إلى توجيه انتقاداتهم الشديدة اليوم ضد الطريقة التي قادت فيها الإدارة السابقة السياسة الخارجية للبلاد طيلة السنوات الثماني لرئاسة جورج دبليو بوش. ويلاحظ المؤلف أن موجة النقد لم تقتصر على المعسكر الديمقراطي خلال الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة، لكنها تعدّتها أيضا إلى المعسكر الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس السابق بوش.
وما يتم التأكيد عليه هو أنه سيتوجب على الرئيس الأميركي الجديد التحلّي بقدر كبير من الواقعية الضرورية من أجل «إعادة بناء» صورة الولايات المتحدة في الخارج. هذا مع الإشارة إلى أن اوباما مدرك لذلك تماما، الأمر الذي يدلّ عليه اختياره لهيلاري كلينتون وزيرة للخارجية بعد كوندوليزا رايس. ومما قد يسهّل مهمة الرئيس اوباما هو أن المحافظين الجدد قد أصبحوا على الهامش في المشهد السياسي الأميركي الحالي.
وبعد عرض محصلة سنوات إدارة جورج دبليو بوش على صعيد السياسة الخارجية يرى المؤلف أن ورشة كبيرة سيكون من المطلوب الشروع فيها بهذا الميدان. هذا إلى جانب التنبيه من بعض «الأحكام الجاهزة» الناقدة دون تمييز للنهج الذي سلكته الإدارة السابقة، وخاصة خلال الفترة الرئاسية الثانية. ولا يتردد المؤلف في القول أنه يمكن لإدارة اوباما أن «تستلهم» من بعض توجهاتها «أكثر مما يقال عامة».
بين المثالية والواقعية
إن النقطة الرئيسية التي يتم التأكيد عليها في هذا السياق تتمثل في القول ان «أنصار التوجه الواقعي» زاد وزنهم في إدارة بوش اعتبارا من عام «2005»، بعد التجربة القاسية في العراق وأفغانستان،وبعد فشل مشروع «الشرق الأوسط الكبير» ثم إن الرئيس اوباما، كما يتم تقديمه، يتبنّى مقاربة «غير مثالية» للعلاقات الدولية، ويندرج بهذا الصدد في إطار التقاليد السياسية الواقعية على الصعيد الخارجي، لكن هذا لن يمنعه من اللجوء إلى استخدام القوة إذا اقتضت الضرورة ذلك.
إن المحافظين الأميركيين الجدد أثاروا الكثير من النقاشات والحديث حولهم اعتبارا من عام 2001، خاصة خارج الولايات المتحدة. كما غذّت أطروحة المؤامرة والقوى الغامضة التي توجّه السياسة الخارجية الأميركية في ظل رئاسة بوش نزعة العداء لأميركا، دون أخذ الوقائع كثيرا بعين الاعتبار. وكان أولئك المحافظون الجدد قد التحقوا بمعسكر الجمهوريين منذ فترة رئاسة رينالد ريجان في مطلع سنوات الثمانينات المنصرمة رغم أن أصولهم تعود إلى «تيارات تقدمية» في سنوات الستينات.
لقد رفع المحافظون الجدد منذ البداية شعار النضال ضد «امبراطورية الشر» التي كان يمثلها في عهد ريجان الاتحاد السوفييتي السابق. وفي الوقت الذي كان قد قبل فيه «الواقعيون» وجود توازن بين القوتين الأميركية والسوفييتية جسّده وجود عدة اتفاقيات ثنائية تمّ توقيعها في عهد نيكسون وكسنجر، بقي المحافظون الجدد متمسّكين بقناعة متابعة نضال لا هوادة فيه ضد السوفييت. وقد وجدوا لدى الرئيس رينالد ريجان من يسمح لهم بنشر أطروحاتهم «المثالية». ثم جاء انهيار الكتلة الشيوعية كس تتعزز لديهم فكرة أن الحرب الباردة كانت «حربا حقيقية» وأن الولايات المتحدة قد انتصرت فيها.
لكن مع نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين، فضّلت إدارة جورج بوش (الأب) بعد الانتصار العسكري في حرب الخليج الأولى عام 1991 تبنّي النهج التعددي في إدارة الأزمات. ومع انتصار بيل كلنتون في الانتخابات الرئاسية لعام 1992 جرت تنحية المحافظين من الإدارة إلى أن «رفعوا رأسهم» من جديد بعودة الأغلبية الجمهورية في الكونجرس بانتخابات عام 1994. وفي إطار معارضة إدارة كلنتون وجدت حركة المحافظين الجدد فرصة التعبير عن نفسها بقوّة اعتبارا من أواسط عقد التسعينات الماضي.
هكذا إذن كانت سنوات جورج بوش (الأب) عسيرة بالنسبة للمحافظين الجدد. لقد تبنّى الرئيس آنذاك مقاربة عملية للعلاقات الدولية عبر التخلّي عن فكرة أن هناك دوراً خاصاً لأميركا في العالم واعتماد «نظام عالمي جديد» يقوم على مبدأ تعددية الأطراف. وبعد رئاسة كلنتون التي سادت فيها المواجهات الإيديولوجية، عاد المحافظون الجدد إلى الإدارة الأميركية مع فوز جورج دبليو بوش في الانتخابات الرئاسية لعام 2000. وتعزز نفوذهم أكثر بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001.
وإذا كان للمحافظين الجدد تأثيرهم الواضح في نهج جورج دبليو بوش المحافظ، فإن مؤلف هذا الكتاب يؤكّد أيضا على أن الرئيس الأميركي السابق قد تأثّر بالعامل الديني الذي كان متأصّلا بقوة لدى بعض أركان إدارته ما بين 2001 و2005 مثل وزير العدل «جون اشكروفت». وكان بوش نفسه يصف نفسه أنه «مسيحي ورع». ويرى المؤلف أنه من العبث القول أن نفوذ المحافظين لم يكن قويا في الإدارة الأميركية سوى بعد 11 سبتمبر 2001. كما يرى أن مشروعهم، على عكس الأفكار الشائعة، كان معروفا قبل تفجيرات نيويورك وواشنطن. وفي المحصلة لم يكتشف العالم فجأة حركة المحافظين الجدد ولا الأفكار التي يحملونها.
بالمقابل، يجد المؤلف أنه من المفاجئ قدرتهم على فرض نفسهم في النقاشات الخاصة بالإجابات المطلوبة على تفجيرات 11 سبتمبر. ذلك أنهم استطاعوا خلال فترة زمنية قصيرة جدا إقناع جميع المترددين في الإدارة الأميركية، بل وإقناع الرئيس نفسه بالأفكار الاستراتيجية التي يقولون بها والتي أصبحت بمثابة مرجعيات ترددها مختلف وسائل الإعلام.
البرابرة الجدد
إن الأفكار التي نادى بها المحافظون الجدد دفعت واشنطن إلى تبنّي رؤية للسياسة الخارجية تقوم على أساس إقامة بنيات وأنماط للتفكير قريبة بصيغة ما إلى نوع من الاستعمار الجديد. وبهذا المعنى يجد المؤلف أنه من المبرر المقارنة بين واشنطن الامبراطوريات الاستعمارية بسبب وجود خطاب ينادي بالدفاع عن قيم كونية، «يونيفرسال». تمثّلت هذه القيم في الأمس «الاستعماري» بمقولة «تحضير» الشعوب الأخرى وتتمثل في الخطاب الذي تبنّته واشنطن مؤخرا بـ «نشر الديمقراطية» في العالم ولو كان ذلك باللجوء إلى استخدام القوة العسكرية.
وعلى طريقة القوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر، أرادت الولايات المتحدة تبرير تدخّلها أكثر فأكثر في الشؤون الداخلية لأنظمة عديدة باسم ضرورة تعميم قيم مفيدة على عدد أكبر من البشر. على مثل هذه الخلفية برزت مقولة وجود «امبراطورية أميركية» ترمي إلى مد نفوذ واشنطن إلى مختلف مناطق العالم. لكن مفهوم «الامبراطورية» ذاك ارتبط مع مفهوم آخر هو مفهوم «البرابرة»، أي بروز قوى جديدة تشكك بالقوة الأميركية.
المحافظون الجدد أظهروا محدودية الإيديولوجية التي يقولون بها على أرض الواقع في مواجهة هؤلاء «البرابرة» الجدد. الأمثلة التي يقدّمها المؤلف هي عدم قدرتهم على تطبيقها لجلب الاستقرار في العراق بعد غزوه أو بفرض إرادتهم فيما يخص الملف النووي الإيراني أو قدرتهم على فرض الديمقراطية في هذه المنطقة أو تلك من العالم.
وينقل المؤلف عن عدد من الخبراء تأكيدهم أن فشل السياسات الأميركية في العراق وبدرجة مشهودة أقل ولكن ليست أقل واقعية في أفغانستان، يدل بوضوح على خطأ رؤية المحافظين الجدد للعالم وعلى أنه لا يمكن فرض القيم، وحتى الديمقراطية منها، إلا إذا قبلها المعنيون بها طواعية. وأثناء الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية الأخيرة لم تأخذ النقاشات حول حرب العراق حيّزا كبيرا بل تركّزت بشكل خاص على آفاق المدى الطويل.
ولم يتردد الديمقراطيون والجمهوريون المعتدلون، بل وبعض المحافظين، على عكس ما كان منتظرا، في أن يعيبوا على منظّري الإدارة القائمة غياب أي مشروع ذي مصداقية على المدى المتوسط وطويت بذلك صفحة ما بعد 11 سبتمبر. والنتيجة هي أن التأييد الذي قوبلت فيه أفكار «صقور» الإدارة الأميركية السابقة قد تضاءل كثيرا أمام الفشل في العراق وغيره من أشكال فشل الدبلوماسية الأميركية. لكن من المبالغة القول أن المحافظين الجدد قد أصبحوا اليوم معزولين تماما، كما يؤكد المؤلف، والإدارة الأميركية الجديدة، رغم الإعلان عن أفق انسحاب قواتها من العراق فإن المشاورات لا تزال جارية، خاصة مع العسكريين الأميركيين أنفسهم، لإعداد الاستراتيجية الأفضل للانسحاب.
سلطات وواجبات
وما يتم تأكيده هو أن قوة الولايات المتحدة تمنحها نفس القدر من السلطات كما ترتّب عليها من الواجبات. وإذا كان الخطاب الخاص بصراع «الخير ضد الشر» الذي كرره جورج دبليو بوش قد أصبح اليوم وللنظرة الأولى من متاع الماضي، فإنه، كما تقول التحليلات المقدّمة، لا يزال قائما لدى العديد من الدوائر الاستراتيجية ذات النفوذ الكبير.
بالمقابل يتم التأكيد أنه من المستبعد في الظرف الحالي تقديم الدعم المالي لمغامرة عسكرية جديدة، وبالتحديد ضد إيران. فالديمقراطيون والجمهوريون يتفقون، منذ إعادة انتخاب جورج دبليو بوش رئيسا عام 2004، حول رفض تأييد نزعة التدخل في الخارج بسبب كلفتها الباهظة وعدم ضمان نتائجها وغياب شعبيتها.
وهذا ما يمثل نوعاً من العودة إلى تبني «الواقعية» على صعيد العلاقات الدولية واستعادة الكونغرس لدوره في المشاركة بالقرارات الخاصة بالسياسة الخارجية. وأصبح ممثلو الشعب يرددون اليوم استعدادهم لرفض أية مبادرة صادرة عن الإدارة إذا لم تكن تتماشى مع المصالح القومية الأميركية. لقد انتهت إذن حالة «حماس» ما بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وعادت السياسة الأميركية إلى «شاطئ الواقعية».
هذه العودة ستتجسد أكثر فأكثر مع الإدارة الجديدة المنفتحة أكثر على الحوار مع الكونغرس، ولكن المرغمة أيضا على قبول وجهات نظر البرلمانيين، حسبما يقول لنا مؤلف هذا الكتاب.
الصفحات: 267
الكتاب: الولايات المتحدة وتحديات أوباما
تأليف: بارتيليمي كورمون
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: لوفيلان ـ باريس ـ 2009
