أرادت أميركا أن تقدم صورة جديدة للعالم عبر انتخابها باراك اوباما رئيسا. لكن على الإدارة الجديدة أن تواجه مجموعة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية بعد محصلة سلبية جدا غالبا لمختلف السياسات التي انتهجتها إدارة جورج دبليو بوش السابقة.

وتواجه الولايات المتحدة منذ عام 2007 أزمة مالية واقتصادية عميقة ليس أقل دلائلها عجز الميزان التجاري وهشاشة الدولار بالإضافة إلى الأزمة المالية الضاربة. ولن يكون «الضمان الصحي» هو الملف الأسهل بوجود 45 مليون أميركي لا يتمتعون بأي «غطاء» في هذا الميدان.وبالتوازي مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية يبقى التحدي الأمني في أولويات الأميركيين رغم غيابه شبه الكامل عن الحملة الانتخابية لعام 2004. على هذا الصعيد يصل مؤلف الكتاب إلى القول إن الحرب ضد الإرهاب التي أعلنتها إدارة بوش سوف تستمر مع الإدارة الحالية. قد تختلف الطرق ولكن الأهداف ستبقى نفسها على الأغلب.

اختار مؤلف هذا الكتاب جملتين في تصديره إحداهما لألكسندر هاملتون،أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، قالها عام 1787 وجاء فيها: «ألم يحن الاستيقاظ من الحلم الخادع لعصر ذهبي وتبنّي مبدأ عملي لتوجهنا السياسي يقوم على الإقرار بأننا لا نزال، في تعاملنا حيال باقي سكان هذا العالم، بعيدين عن الإمبراطورية السعيدة للحكمة الكاملة وللفضيلة الكاملة»؟

أما الجملة الأخرى فهي لباراك أوباما، الرئيس 44 للولايات المتحدة الأميركية وقالها في الأول من ديسمبر ـ كانون الأول 2008 ومفادها: «حان في هذا العالم القلق زمن الشروع ببداية جديدة وفجر جديد للزعامة الأميركية من أجل التغلب على تحديات القرن الحادي والعشرين».

وتقول الجملة الأولى من الكتاب: «لقد غيّرت أميركا مسارها. ففي الرابع من نوفمبر ـ تشرين الثاني 2008 انتخب الأميركيون رئيسا جديدا وقلبوا صفحة سنوات بوش. كانت المناسبة التي انتهزها الناخبون كي يضعوا حدا نهائيا لثماني سنوات من الإدارة الجمهورية ويقدّموا للعالم وجها جديدا لواشنطن. وجه جديد جسّده رئيس شاب من أب أسود وأم بيضاء، كأول سابقة في التاريخ الأميركي كله، إنه باراك اوباما».

ثم ركّز المؤلف في تحليلاته اللاحقة على القول إن الناخبين الأميركيين، باختيارهم باراك اوباما وتعزيز وجود الديمقراطيين في مجلسي الكونجرس، إنما أكّدوا على إرادتهم في التغيير على رأس السلطة التنفيذية وعلى المشاركة في كتابة التاريخ. وذلك في نهاية حملة انتخابية أثارت اهتمام العالم أجمع. لكن بعد وصوله إلى البيت الأبيض وحديث الجميع عن الآمال التي بعثها في الولايات المتحدة الأميركية، كما في الخارج غدا السؤال المطروح هو: كيف سيتصرّف الرئيس الأميركي الجديد في مواجهة التحديات التي تنتظره على الصعيد الداخلي وكذلك على الصعيد العالمي؟

على الصعيد الاقتصادي

لا شك أن محصلة السنوات الثماني التي أمضاها جورج دبليو بوش رئيسا للولايات المتحدة كانت سلبية جدا على الغالب فيما يخص السياسات الداخلية. لقد أثبت عجزه عن ضمان الأمن، رغم أنه كرر مرارا أنه يشكل عصب سياساته الداخلية، والخارجية بالطبع. كما أدت تلك السياسات إلى شرخ حقيقي داخل المجتمع الأميركي بدت آثاره من خلال عدة مظاهر، وجعل هذا الشرخ من الصعب أكثر فأكثر صياغة سياسة تحظى بالتفاف الجميع حولها.

ويتم التأكيد في هذا السياق أنه، بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، غدا من العسير بالنسبة للجمهوريين كما بالنسبة للديمقراطيين الوصول إلى تحديد مشروع «جامع» يلتفّ حوله الأميركيون. هذا وكانت الانقسامات ذات الطابع الحزبي قد ظهرت بأجلى ما يكون خلال النقاشات الخاصة بتبني خطط لإنقاذ القطاع المصرفي (البنكي) عند انطلاق الأزمة المالية في أميركا خلال شهر سبتمبر ـ ايلول من عام 2008.

مع ذلك تؤكد التحليلات المقدّمة أنه لا بد من الوصول إلى نوع من التوافق الأميركي المتجاوز للصيغ الحزبية الضيّقة من أجل مواجهة التحديات التي تنتظر الإدارة الأميركية الحالية.

ومنذ عام 2007 يعرف النمو الاقتصادي الأميركي أدنى مستوياته. وكل المؤشرات تدل على أن مثل هذا التوجه سوف يستمر. ومن الأعراض الدالة على وجود أزمة اقتصادية حقيقية وجود ميزان تجاري يعاني من العجز وهشاشة الدولار في الأسواق العالمية وسياسة القروض بأسعار فائدة متأرجحة ومتزايدة أدّت إلى نشوب أحد أكبر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها القوة العظمى العالمية الأولى خلال العقود الأخيرة المنصرمة. هذه الأزمة تصيب «صميم» النظام المالي والاقتصادي الأميركي حيث كشفت عن آثار نزعة استهلاك مفرطة لا تمكن السيطرة عليها.

إن هذه المسائل الاقتصادية وإسقاطاتها الاجتماعية لم تحظ أبدا بالاهتمام الكافي من قبل الإدارة الأميركية السابقة. وكان من نتيجة إهمالها أنها فرضت نفسها على رأس قائمة اهتمامات الأميركيين اعتبارا من عام 2007 بحيث أنها أصبحت تشكل تحديا كبيرا أمام الإدارة الجديدة.

وتعود أزمة السكن في الولايات المتحدة إلى السنوات الأولى من عهد جورج دبليو بوش. وكان من انخفاض معدّل الفائدة على القروض خلال عامي 2002 و2003 إلى دفع أعداد ضخمة من الأسر الأميركية إلى الاقتراض. هكذا زاد عدد البيوت الجديدة المباعة من 908000 مقر سكن جديد عام 2001 إلى 1283000 عام 2005.

تنشّط قطاع تجارة المساكن ليبلغ أوجه في عام 2006 حيث مثّل 40 بالمائة من مجموع القروض الجديدة. لكن اعتبارا من نهاية تلك السنة تبدّى أن 13 بالمائة من الأسر المدينة غير قادرة على تسديد الديون المترتبة عليها. وفي الفصل الأول من عام 2007 أعلنت 20 مجموعة مالية لمنح القروض إفلاسها وبالتالي كانت الخسائر كبيرة بالنسبة للبنوك الضامنة.

وكان لا بد لمثل تلك الآلية إلا أن تقود إلى الأزمة المالية. كانت تلك الأزمة والصعوبات التي يواجهها الدولار وعجز الميزان التجاري بمثابة الأعراض الأولى لأزمة أكبر وأعمق، طالت سريعا الأسواق المالية ثم مختلف قطاعات الاقتصاد الأميركي وتحوّلت إلى أزمة اجتماعية لها آثارها على مدى واسع. وهي أزمة سرعان ما جرى تشبيهها بأزمة عام 1929 وما تلاها من كساد اقتصادي.

وترى التحليلات المقدّمة أن الأزمة الحالية هي من العمق إلى درجة أنه لا يكفي توجيه الانتقادات العنيفة للخيارات السيئة، التي تبنّتها إدارة جورج دبليو بوش من أجل استعادة الثقة. إن الاقتصاد الأميركي برمّته هو الذي أظهر خلله. وبالتالي لا بد للإدارة الأميركية الجديدة من الذهاب أبعد من اتخاذ إجراءات ترمي إلى إنقاذ القطاع البنكي. وسيكون عليها أن تحدد بسرعة أولوياتها على صعيد الاقتصاد.

وتبقى مسألة الضمان الصحي هي إحدى النقاط الأساسية التي تشغل الأميركيين. ذلك أنه يوجد حوالي 45 مليون أميركي لا يتمتعون بأي غطاء في هذا الميدان، وتقوم الحكومة الفيدرالية بإدارة الضمان الصحي لمن تزيد أعمارهم عن 65 سنة بالإضافة إلى بعض الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة «المعاقين» بفضل برنامج خاص يطلقون عليه تسمية «ميديكار». وهي تساهم مع حكومة كل ولاية من الولايات الأميركية ببرنامج «ميداكيد» الذي يؤمّن الغطاء الصحي للأشخاص ذوي الدخل الضعيف، وخاصته من الأسر أو من الأمهات اللواتي يعشن وحدهن مع أطفالهن.

بقية السكان يلجأون عامة إلى التأمين الصحي «الخاص». ذلك إمّا بواسطة أرباب العمل، خاصة بالنسبة للمؤسسات الكبرى والمتوسطة، أو بواسطة تأمين صحّي فردي يتم التفاوض عليه مع إحدى شركات التأمين. هذه الشركات يمكنها بناء على فحص طبي رفض الموافقة على العقد أو إضافة بعض البنود عليه.

على الصعيد الأمني

ما يؤكّده مؤلف هذا الكتاب هو أنه بالتوازي مع المسائل الاقتصادية والاجتماعية المطروحة على الإدارة الأميركية الجديد يبقى الميدان الأمني ذا أهمية خاصة بالنسبة للمواطنين الأميركيين، هذا على الرغم من غيابه الكبير عن الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة ـ على عكس حملة عام 2004 ـ ومن غياب الاعتداءات والتفجيرات الكبرى على الأرض الأميركية منذ عام 2001.

مع ذلك تبقى هناك أسئلة عديدة مطروحة، وليس أقلها مدى الفعالية الحقيقية لمكافحة الإرهاب. تتم الإشارة هنا إلى أن إعادة انتخاب جورج دبليو بوش رئيسا للولايات المتحدة في انتخابات عام 2004 تعود بدرجة كبيرة إلى الحاجة لإجراءات أمنية أكبر يريدها الناخبون. وكان بوش قد أعلن في شهر يناير- كانون الأول 2002، أي بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 بأشهر قليلة، أمام مجلسي الكونغرس (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) الخطوط العريضة لما عُرف فيما بعد ب«عقيدة بوش» القائمة على صياغة استراتيجية أمنية ومكافحة الإرهاب.

وينقل المؤلف عن بوش قوله يومذاك: «علينا إغلاق معسكرات التدريب وإحباط مخططات الإرهابيين وتقديمهم إلى العدالة (...). وعلينا أن نمنع الإرهابيين والحكومات التي تريد التزوّد بالأسلحة الكيميائية أو الجرثومية أو النووية من تهديد الولايات المتحدة والعالم (...) لكن الوقت ليس في صالحنا. ولن ننتظر وقوع أحداث بينما يتعاظم الخطر. ولن نبقى مكتوفي الأيدي أمام خطر يقترب أكثر فأكثر. والولايات المتحدة الأميريكية لن تسمح للحكومات الأكثر خطورة في العالم بتهديدها بأكثر الأسلحة فتكا وتدميرا».

ولم تتأخر واشنطن بالتحرك بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 حيث أنها اتخذت سلسلة من الإجراءات والإصلاحات في الميدان الأمني في الأسابيع التالية على تلك التفجيرات. لقد جرى تبنّي ميثاق «باتريون» اعتبارا من شهر أكتوبر- تشرين الأول 2001 الخاص بتعزيز قوة الهيئات الأميركية المكلّفة بالأمن، وتعزيز الرقابة على الحدود وفي المرافئ والمطارات، الخ.

الإجراء الأكثر بروزاً

لكن يبقى الإجراء الأكثر بروزا لإدارة جورج دبليو بوش على الصعيد الأمني هو إنشاء «وزارة الأمن القومي» التي مثّلت منعطفا فيما يتعلق بإدارة الأمن على أراضي الولايات المتحدة الأميركية. وهي مسؤولة عن الإشراف المركزي على جميع نشاطات مختلف الوكالات والأجهزة المكلفة بالأمن ووضعها تحت السلطة المباشرة للحكومة الفدرالية. هكذا تجمع «وزارة الأمن القومي» الأميركي تحت رايتها 22 وكالة وجهاز استخباراتي فدرالي بالإضافة إلى مجموعة من وحدات حراسة الشواطئ وإدارة الحماية القريبة للشخصيات السياسية (الجهاز السري) بل وحتى إدارة مهمتها البحث العلمي في ميادين مثل البيولوجيا الطبية وتكنولوجيات المعلومات.

ويبلغ عدد العاملين في إطار مختلف نشاطات وزارة الأمن القومي 180000 شخص، أي أنها تأتي في المرتبة الثانية بعد وزارة الدفاع عدديا. ويشير المؤلف إلى أن العديد من المحللين الأميركيين يؤكدون على ضرورة مثل هذه التطورات من أجل تجنب خلل التنسيق بين مختلف الوكالات، ولكنهم يُبدون بنفس الوقت قلقهم من بروز نوع من «الرئاسة الإمبريالية» مع وضع الكونغرس جانبا.وفي سياق من أزمة عميقة وطويلة، سيحظى الاقتصاد حتما بأولوية الإدارة الجديدة...

مع ذلك لن يتم إهمال المسائل الأمنية. والحرب ضد الإرهاب التي بدأتها إدارة بوش سوف تستمر مع باراك اوباما، بطرق مختلفة أحيانا، ولكن بأهداف شبيهة غالبا.