لجوء رئيس كوريا الجنوبية السابق روه مو هيون الى الانتحار من قمة جبل بالقرب من منزله جاء ليغسل عاره على نهج المثل المعروف: «بيدي لا بيد عمرو». هرب هيون بموته هذا من اتهامات بالفساد، ولعل الصدمة التي أحدثتها رحيله تعود ربما إلى الطريقة القاسية التي أنهى بواسطتها حياته برميه نفسه من قمة الجبل أكثر منها إلى حادث الانتحار بحد ذاته.

فقد عرفت شعوب دول شرق آسيا وتحديداً كوريا الجنوبية واليابان «ثقافة الانتحار» منذ قرونٍ طويلة وتميزت بها حتى باتت جزءا لا يتجزأ من عاداتها وتقاليدها، واعتمدها الموسومون بعار أخلاقي وسيلةً وحيدة لكي يضعوا حدا لحياتهم ويتخلصوا من خزي لطخ سمعتهم.

وإن أول من دشن ثقافة الانتحار تلك كان محارب ساموراي الياباني ميناموتو نو تاميموتو العام 1177 بطريقة سميت بعد ذلك ب«هاراكيري»، وهي طريقة مؤلمة تعمد مبتكرها إيقاع أكبر قدر ممكن من الآلام بنفسه تكفيراً لخطاياه، بحسب ما يظن، وذلك بشق البطن بسيف صغير على شكل خطٍ أفقي من اليسار إلى اليمين ومواصلة تقطيع الأحشاء رأسياً إلى أسفل البطن.

وفي بلد يصدر للعالم تكنولوجيا رقمية وآخر الاختراعات، ينتحر نحو ثلاثين ألف شخص سنوياً في اليابان منهم من هو مصنف في قائمة كبار المدراء التنفيذيين ورجال الأعمال ومسؤولي المصارف وساسة ووزراء بل وحتى الأدباء والمثقفين ممن يعلنون بموتهم هذا تحملهم مسؤولية خسارة شركاتهم ومصارفهم في أسواق المال وهزيمة أحزابهم في الانتخابات.

أو هرباً من ملاحقتهم قضائياً في قضايا اختلاس أو رشى كسيئ الحظ رئيس كوريا الجنوبية السابق. وفي اليابان نفسها، انطلقت ظاهرة كاميكاز وهم الانتحاريون الذي وجهوا طائراتهم نحو البوارج الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية وكان أولهم فتى في ال17 من عمره اصطدم بطائرته ببارجة أميركية في معركة خليج أوكيناوا.

أما في كوريا الجنوبية، فقد تفتق ذهن المسؤولين هناك عن طريقةٍ فريدة من نوعها لمنع الانتحاريين من تنفيذ «مهمتهم المقدسة» بتسيير دوريات شرطة ل«المناطق المفضلة» لهؤلاء التعساء كالجسور والطرق السريعة والأبراج العالية!!.

ومن حوادث الانتحار البارزة في كوريا الجنوبية، يأتي إلقاء الرئيس السابق لمجموعة شركات هيونداي تشونغ مونغ هون لنفسه من مكتبه في الطابق ال12 العام 2003 هربا من فضيحة مالية كأبرز الحالات المسجلة، بالإضافة إلى حادثةٍ مشابهة لرئيس شركة غذائية كبيرة فضل القفز وإن كانت الضغوط المالية وضعف الروابط الأسرية في بعض المجتمعات تلعب دوراً بارزا في كثيرٍ من الأحيان، إلا أن هذا لا ينفي حقيقة تجذر عقلية هاراكيري وكاميكاز في تراث شعوب دول شرق آسيا ممن يعتبرون الانتحار واجباً بل وشرفاً وسط ثقافة تمجد فكرة تحمل المسؤولية، وأن من أخطأ سواءً عن قصدٍ أو إهمالٍ فإن عليه أن يكفّر عن خطاياه بإخفاء وجهه إلى الأبد.

وفي المجتمعات العربية وفي ظل غياب إحصاءات رسمية لحالات الانتحار، يندر أن تسجل حوادث من هذا النوع لقوة الوازع الديني المتأصل في تلك المجتمعات بحسب كثيرين، أو ربما، كما يغمز البعض، لأن الدول العربية حينها ستشهد الآلاف من عمليات الانتحار الجماعي لأناسٍ أخطأوا بحق أنفسهم وشعوبهم!!

دبي ـ رؤوف بكر