ما هي الصورة التي سيكون عليها العالم في عام 2025؟ هذا هو السؤال الذي يحاول مؤلف الكتاب الإجابة عنه. وهو يرى أن هناك اتجاهين أحدهما متفائل ولكن قليل الاحتمال والآخر متشائم ولكن تجنّبه ليس أمرا مستحيلا.

الأفق المتشائم ينبئ بازدياد العنف في الشرق الأوسط وانتشار ثقافة الخوف في جميع أصقاع العالم تقريبا. ويمكن أن تعرف الولايات المتحدة أزمة هوية حقيقية وانكفاء قوتها العسكرية وانسحابها من العالم وتقليص نشاطها الدبلوماسي. أمّا أوروبا فقد تجد نفسها في مواجهة تهديد التفكك وستبقى تركيا على أبوابها. والصين قد تشن هجوما على تايوان وقد تزداد التوترات بينها وبين الهند إلى حدود الحرب. والأفق المتفائل يقدّم صورة مغايرة حيث سيغدو العالم أكثر انسجاما والسلام سوف يحل في الشرق الأوسط وأميركا ستكون أكثر تفهما وتعاونا مع الشعوب الأخرى. وأوروبا سوف تحقق وحدتها وتغدو قوّة عسكرية وليس مجرد مجال اقتصادي موحّد. وتركيا ستغدو عضوا في الاتحاد الأوروبي. والهند ستصبح جسرا بين الغرب وآسيا. وإفريقيا وأميركا اللاتينية ستستبدلان ثقافة الخوف بثقافة الأمل.

لا شك أن محاولة فهم العالم وسلوك الأمم على ضوء المشاعر والانفعالات لا تثير حماس الأختصاصيين في مجال العلاقات الدولية والعلوم السياسية. مع ذلك يصرّ مؤلف هذا الكتاب، وهو الخبير في المسائل الدولية والأستاذ في جامعة هارفارد، على أن يقدّم على أساس جيوسياسة الانفعال صورة لما يرى أن العالم سوف يكون عليه عام 2025. هناك توجهان أساسيان في المسيرة المستقبلية للعالم، حسب رؤيته. التوجّه الأفضل المتفائل قليل الاحتمال والأسوأ المتشائم ليس من المستحيل تجنّبه، كما يقول. ومنذ البداية يشير إلى أنه يرمي من خلال تصوّره للمستقبل توجيه رسالة محددة لأبناء هذا العالم مفادها: «مصيركم بين أيديكم. وما عليكم سوى الاختيار».

أفق التشاؤم

نحن في عام 2025 ولا تزال الأوضاع الأمنية تزداد ترديا في الشرق الأوسط كلّه بينما تمتد «ثقافة الخوف» إلى مختلف أصقاع العالم تقريبا. وبالتالي لن تزداد الحدود انفتاحا ولكنها سوف تنغلق أكثر فأكثر وإجراءات المراقبة والتفتيش ستقوى وتتعزز. وهذا كلّه في ظلّ غياب أي حكَم أو شرطي دولي يمكنه تقديم إجابات شافية عن حالة الخوف التي ولّدها العنف في العالم. أمّا الأمم المتحدة والهيئات والمؤسسات الدولية المرتبطة فيها فستكون قد فقدت كل مصداقيتها بعد فشلها المتكرر في إصلاح نفسها.

قد يتأمل البعض أن تتوصل الولايات المتحدة إلى ملء الفراغ الذي سيتركه زوال المؤسسات الدولية متعددة الأطراف. لكنها لن تمتلك للأسف لا الوسائل ولا الإرادة للعب مثل الدور المطلوب. إن الآثار الاقتصادية والعسكرية والمعنوية للحروب التي قد تشهدها منطقة الشرق الوسط ستدفعها إلى الانكفاء وتبنّي سياسات حمائية من جديد. ولن تكتفي بسحب قواتها من جميع أنحاء العالم ولكنها سوف تقلّص ـ وهذا الأخطر ـ أيضا من نشاطاتها الدبلوماسية. مثل هذا الانزلاق سيتعزز منذ عام 2013 مع انتخاب رئيس قومي ـ متشدد قد يقلّص مباشرة عدد القوات المسلّحة الأميركية بحيث يتم نشرها فقط على الحدود الكندية والمكسيكية.

ويرى المنظور المتشائم أن مثل هذا الانسحاب من العالم قد لا يمكن تجنّبه، ذلك أن الأميركيين، وعلى خلفية فشلهم على المسرح الدولي، بدؤوا يطرحون التساؤلات حتى حول هويتهم الوطنية. وبهذا المعنى ستكون الرؤية المتشائمة التي قدّمها المؤرخ الأميركي بول كينيدي حول الانحطاط الأميركي قبل سنوات قد أصبحت واقعا قائما عام 2025. هذا يعني أيضا أن أميركا الضعيفة ذات القوة العسكرية المحدودة والنفوذ الثقافي المتواضع ستفقد دورها الريادي في العالم.

أمّا القوى الغربية الأخرى فسوف تعاني من نوع من الانهيار العصبي الذي سيقلّص من قدراتها الانفعالية والنفسية. ففي أوروبا التي خشيت من «البلقنة» خلال سنوات التسعينات بسبب تفكك يوغوسلافيا ستعرف عنفا كبيرا في منطقة البلقان في أفق عام 2015، وتحديدا حول مسألة كوسوفو. ولن تستطيع المؤسسات الأوروبية أن تقدّم أية حلول أمام ذلك العنف.

تفكك بلجيكا

ويضع المؤلف في أفق عام 2010 إمكانية تفكك بلجيكا «سلميا» ولكن بطريقة «لا مسؤولة». هذا مع احتمال الإعلان عن استقلال أقاليم أخرى مثل سكوتلندة وبلاد الغال وكاتالونيا. بكل الحالات ومهما كانت الأسباب المحددة تبقى النتيجة واضحة وهي أن القادة الأوروبيين سيجدون أنفسهم عاجزين عن السيطرة على القوى التي كانوا قد أطلقوها عندما استخدموا دون تبصّر المشاعر والانفعالات القومية عند تأييد استقلال كوسوفو مثلا.

وفي سياق مثل هذا المنطق المتشائم يبدو الاتحاد الأوروبي مهددا بالتفكك. وستكون مسؤولية ذلك على واقع «الطلاق» بينه وبين مواطنيه كما عبّرت عنه «اللاءات»الثلاث التي رفض بموجبها الفرنسيون والهولنديون والإيرلنديون مشاريع الدساتير الأوروبية في عمليات استفتاء عام. كما تتحمل قسطا من المسؤولية المؤسسات الأوروبية وعلى رأسها المفوضية الأوروبية. وبشكل عام سوف تتوصل المجتمعات الأوروبية إلى رؤية أوروبا الموحّدة على أنها جزء من المشاكل التي تعاني منها وليس من الحلول.

الصورة التي يتم رسمها لأوروبا خلال الأفق القريب هي أنها ستكون على غرار سويسرا، لكن دون الازدهار الذي تتمتع فيه سويسرا حاليا. هذا مع الافتقار إلى الطاقات الشابّة بعد إغلاق حدودها أمام المهاجرين التي هي بأمسّ الحاجة إليهم. كما ستعاني أوروبا من تضاؤل قوتها العسكرية إلى حد كبير ومن الحنين إلى الماضي «المجيد». وكذلك ستتفاقم مشاعر الخوف والإحساس أنها محاطة بالمخاطر. محصلة هذا كلّه هو أن أوروبا، وبسبب تخلّيها عن فكرة أن تكون قوة فاعلة استراتيجية ودبلوماسية على المسرح الدولي، لم تعد تمثّل في واقع الأمر أي «موديل»، هذا إذا لم يكن «موديلا للعجز».

وضع تركيا

وتركيا، الجارة القريبة من أوروبا والغنيّة بالسكان، تثير الكثير من المخاوف. إن الأتراك، بعد أن فهموا أن أوروبا لا ترغب في ضمّهم إلى «ناديها المسيحي»، يبحثون عن حلول أخرى. إنهم موزعون بين فكرة العودة إلى نوع من المجد «العثماني الجديد» وبين إغراء تبني أيديولوجية ذات توجّه إسلامي صارم. وتبقى تركيا هي أحد البلدان الأساسية في منطقة الشرق الأوسط ولا شيء يدلّ على أنها بصدد فقدان مثل هذه المكانة في الأفق القريب.

أمّا روسيا فسيستمر النظر إليها مثلما كان الأمر في فترة الحرب الباردة، أي أنها «مصدر تهديد» دائم وبالتالي عنصر عدم استقرار في العالم، هذا إلى جانب استعدادها للتحالف مع «أسوأ» الأنظمة في الكرة الأرضية. وتتم الإشارة هنا إلى اوكرانيا وجيورجيا، على عكس بيلاروسيا التي عادت للاندماج رسميا في إطار الإمبراطورية الروسية، ستتمتعان دائما باستقلالهما. لكن قرارات حكومتيهما سوف تبقى مرهونة بإرادة موسكو.

قارة الحروب

وآسيا. . التوجّه المتشائم حيالها يقول إنها لن تعود في أفق عام 2025 «أرض الأمل» التي كانت تمثلها خلال السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. بل قد تعود إلى ما كانت عليه خلال سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي«العشرين»، أي قارة الحروب.

هذه المسيرة التشاؤمية قد تبدأ، كما تقول التوقعات، بعمل عسكري تقوم فيه الصين ضد تايوان في أفق عام 2014. وقد يكون ذلك على خلفية اعتبارات داخلية تتعلّق بالاقتصاد الصيني وما سيعرفه من تضخّم وبالتخريب الكبير للبيئة وبما سيترتب على ذلك كلّه من أزمة اجتماعية، بل ومن اضطراب سياسي. القادة الصينيون الشيوعيون قد يلعبون الورقة القومية باعتبارها السلاح الأخير للمحافظة على السلطة. لكن تكرار قادة تايوان للحديث عن الاستقلال قد يقدّم حجّة للصين لتطلق قواتها باتجاه الجزيرة.

الولايات المتحدة لن تتدخّل مباشرة في الحرب لكن المساعدة العسكرية المقدّمة لتايوان سوف تجعل مهمة الصينيين أكثر تعقيدا والخطاب القومي سوف لن تلجأ إليه الصين فقط ولكن الهند أيضا. وليس مستبعدا حسب القراءة المقدّمة أن ترتفع حدّة التوترات بين العملاقين الآسيويين وصولا إلى الحرب المفتوحة. ذلك على خلفية المصاعب الداخلية لكل منهما.

ثم إن واقعهما الديموغرافي، خاصة بالنسبة للصين، يمكن أن يفسح المجال أمام فكرة خطيرة مفادها أنه لا قيمة كبيرة لمقتل «عدّة ملايين قليلة» من البشر إذا كان الرهان المطروح هو العزّة الوطنية.

تشوش غربي

وفي المحصّلة «المتشائمة» تبدو في الأفق صورة الغرب الغارق في حالة من التشوّيش وآسيا التي قايضت الأمل بالخوف وأفريقيا قد أصبحت فريسة لليأس وللحروب الإثنية بعد أن تخلّى عنها الصينيون والهنود والأوروبيون والأميركيون الغارقون في الصعوبات التي يواجهونها. كما أن أميركا اللاتينية لن تكون بعيدة عن حالة الفوضى السائدة في العالم، بينما الشرق الأوسط هو في الطريق نحو سباق تسلّح، بما في ذلك على الصعيد النووي، خاصة بالنسبة لتركيا ومصر والسعودية، بعد إيران.

أفق التفاؤل

يبدأ المؤلف الحديث عن التوجّه المتفائل بالنسبة لمستقبل العالم بتوقع ان تحتفل منطقة الشرق الأوسط في عام 2025 بالذكرى الخامسة لتوقيع سلام شامل، وبحضور ممثلين عن مجلس الأمن الدولي الموسّع الذي سيضم بالإضافة إلى الولايات المتحدة كلاً من الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا والاتحاد الأوروبي الذي سيكون ممثلا بسفير واحد بعد أن تكون الوحدة الأوروبية قد تحققت.

ويرى المؤلف أن السنوات القادمة قد تشهد حسب المنطق المتفائل تجمّع الشروط التي تسمح بالقول إن السلام قد أصبح ممكنا. وقد يشجع على ذلك أيضا تطوّر المحيط الدولي حيث سيضعف موقف الدول المعارضة للسلام بسرعة أكبر من الدول المؤيدة له.

ويرى المؤلف أن ثقافة الأمل كانت دائما أكثر قربا من طبيعة الأميركيين بالقياس إلى ثقافة الخوف. وعودة ثقة الولايات المتحدة بنفسها بعد التخلّص من الأزمة الأخلاقية التي سببتها حرب العراق وانتخاب باراك اوباما رئيسا يذهبان في اتجاه التفاؤل.

وهذا قد يشجع أن تستعيد الولايات المتحدة موقعها كقطب للتأثير في توجيه دفّة العلاقات الدولية، ولتغدو الدولة الأكثر أهلية للاحترام في العالم. مثل هذه العودة لن تتحقق إلا بعمل الفريق الحاكم الجديد وعلى خلفية إدراكه أنه إذا كانت أميركا هي الأمة الأقوى في العالم أثناء الحرب الباردة والقوة الأعظم في السنوات التي تلت نهاية تلك الحرب، فإنها تكتفي اليوم بموقعها في الجوقة الدولية. وذلك كثمن لمغامرتها الامبريالية الأخيرة في العراق.

أوضاع البيئة

وعلى صعيد البيئة قد تصبح الولايات المتحدة في مقدّمة المدافعين عن السياسات الداعية للمحافظة عليها، بعد أن كانت قد رفضت التوقيع على اتفاق كيوتو. ويُتوقع أن يتم اعتبارا من عام 2013 اتخاذ إجراءات لضبط عملية إصدار الغازات السامّة في الجو، ويلوح في نفس الأفق الوصول إلى تصنيع أجيال جديدة من السيارات الأقل تلويثا للبيئة. وبالإجمال سيتغيّر كثيرا موقف الأميركيين حيال العالم.

ومن التوقعات المتفائلة التي يقول بها مؤلف هذا الكتاب هو أن القادة الأميركيين في سنوات العقد الثاني من القرن الحالي، الواحد والعشرين، سوف يبذلون الجهود من أجل تعزيز دور الأمم المتحدة ومجلس أمنها الموسّع. ذلك أن تعقيد العالم وتشابك مشاكله سيتطلّب وجود وسيط دولي قوي ويحظى بالشرعية. ودعم الولايات المتحدة له سيعطيه بالطبع مصداقية وفاعلية أكبر. ومن المفروض أن يتوازى مع تعزز دور الأمم المتحدة البروز التدريجي لنظام دولي متعدد الأقطاب يقبل فيه الجميع ويكون عاملا في الاستقرار على المسرح الدولي.

ومن باب التفاؤل أيضا القول إن الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا ستتقارب مسيرتاهما على قاعدة القيم الديمقراطية. وسوف تشكل الهند، أكبر ديمقراطية في آسيا، جسرا بين الغرب وبقية القوى الكبرى وعلى رأسها الصين وروسيا اللتين سوف تفهمان أنه من المصلحة دعم نظام قائم على مبادئ القانون على الصعيدين الخارجي والداخلي.

بالنسبة لروسيا، وعلى خلفية رغبتها في إيجاد ثقل مقابل بمواجهة العملاق الصيني، قد تتوصل إلى نتيجة مفادها أن مستقبلها هو مع الغرب. ولذلك قد تشكّل مع الاتحاد الأوروبي ما يشبه «النادي» للتنسيق حول المسائل الجوهرية في مختلف الميادين وفي منظور «الاتحاد من أجل أوروبا الكبرى»، حسب التسمية التي قد يتم تعميد النادي المعني بها. والمطلوب منه هو تعزيز علاقات الثقة بين روسيا وجيرانها الأوروبيين، بما في ذلك الدول التي كانت تحت سيطرتها في العهد السوفييتي.

أمّا الاتحاد الأوروبي نفسه فقد يسمح المنطق المتفائل بالقول إنه اعتبارا من عام 2015 سوف لن يكتفي بوجود سلطة تنفيذية مدنية أو أن يلعب دورا اقتصاديا فقط، ولكن سيصبح قوة عسكرية محدودة قد يكون لها دور في تحالف أطلسي أُعيد التوازن إليه. ومثل هذا التطور لن يكون ممكنا دون عودة فرنسا إلى الحلف في غضون عام 2009.

رؤى محتملة

وتركيا، على عكس المنطق المتشائم الذي سيقصيها عن الاتحاد الأوروبي، ستجد نفسها عضوا فيه قبل نهاية عام 2025 على خلفية التقدم الذي حققه اقتصادها وثبات مؤسساتها الديمقراطية وأيضا قد يساعد على ذلك أن يحل التفاهم بين الحضارات والعقائد وليس «الصدام».

امّا إفريقيا واميركا اللاتينية فستعرفان تحوّلا عميقا من ثقافة الخوف إلى ثقافة الأمل على قاعدة التنمية والنهوض الاقتصادي وفي ظل مناخ دولي عام أكثر تفاؤلا وأكثر تعاونا.

«من أجل أن يستطيع العالم مواجهة التحديات التي تنتظره هو بحاجة إلى الأمل. هذه هي على الأقل قناعة هذا الكتاب ورسالته». وهكذا تقول بالتحديد الجملة الأخيرة فيه.

الصفحات: 267

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: فلاماريون ـ باريس ـ نوفمبر 2008