تتردد منذ سنوات حتى في الولايات المتحدة نفسها، مقولة أنه ينبغي الحديث عن «العالم بعد أميركا». ذلك على أساس أن القوة العظمى الوحيدة الحالية بدأت مسارا انحداريا في الوقت الذي «تصعد» فيه قوى أخرى، خاصة الصين والهند في آسيا. في مثل هذا السياق تسود في أميركا «ثقافة الخوف» التي تهز المجتمع الأميركي وتشجع على الانقسام في المعسكر الغربي. الأمر الذي يطرح بقوّة ضرورة الوصول إلى توازن أفضل تقبل فيه الولايات المتحدة أن تكون «أكثر تواضعا» بينما تكون أوروبا «أكثر طموحا».
أما روسيا في الحقبة ما بعد الشيوعية فتعرف خليطا من مشاعر الأمل والخوف والخضوع. ذلك على خلفية الانشداد إلى الماضي وواقع التقدم الاقتصادي الذي تحققه منذ سنوات، وأيضا على خلفية «الصدمة الكبيرة» التي ولّدها الانعطاف الحاسم والسريع من موقع القوة العظمى «السوفييتية» إلى روسيا المحاطة بدول تثير قلقها بعد أن كانت جزء منها حتى وقت قريب. وتعرف القارة الإفريقية وبلدان أميركا اللاتينية نفس المشاعر المختلطة من الخوف والأمل، لكنها لا تزال بعيدة عن المساهمة في صنع مصير العالم. إن الحديث عن المسار الأميركي المنحدر قائم منذ فترة طويلة. وكان المفكّر المعروف فريد زكريا قد أنجز كتابا لاقي نجاحا كبيرا تحت عنوان «العالم بعد أميركا». وتتمثل الأطروحة المركزية فيه، والتي يؤيدها مؤلف هذا الكتاب، في القول أن أميركا تستطيع البقاء رغم «صعود الآخرين»، أي أساسا في آسيا.
مع ذلك يتم التأكيد أن الانحطاط قائم عبر مظاهر عديدة. إنه «مالي» كما تُبدي الديون الهائلة التي تمّ إغفالها طويلا، وهو «على مستوى البنى الأساسية» حيث الجسور والطرق توحي على أنها موجودة في البلدان المتخلفة البعيدة وليس في القوة الأولى بالعالم، وهو «عسكري» فالجنود الأميركيون لا يريدون الانخراط في مغامرات خارجية، وهو «اجتماعي» كما يشير تزايد تعاطي المخدرات والعنف، وأخيرا هو «سياسي»، وهذا هو الأخطر، مثلما يتبدّى من «تخبط» سياسات السلطة المركزية. بالمقابل يؤكد المؤلف على أن انتخاب اوباما رئيسا للولايات المتحدة سوف يعيد إلى الواجهة فكرة أن أميركا هي قارة «كل شيء ممكن فيها». وبكل الأحوال هذا ممكن في أميركا أكثر بكثير مما هو على الشاطئ الأوروبي للمحيط الأطلسي. تبقى هناك معرفة إذا كان اوباما سينجح في بعث التفاؤل والحس السليم بفضل جرعة مدروسة من الواقعية؟ أو أن أميركا هي بصدد الغوص أكثر في «ثقافة الخوف«؟
أسمنت التحالف «ثقافة الخوف» هذه «تفرّق» معسكر الغرب أكثر مما توحّده. وإذا كان التهديد النووي قد وحّد الغربيين أثناء الحرب الباردة، ولكنهم «فقدوا» هذا التهديد، كما عبّر الكسندر ياكوفليف، أحد المقرّبين من ميخائيل غورباتشوف بالقول موجها الحديث للغربيين: «سوف نفاجئكم بأمر رهيب. إننا سوف نختفي كتهديد. واسمنت تحالفكم لن يظل موجودا كي يحافظ على معسكركم موحّدا».
وبعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 رأت واشنطن أن الأوروبيين قد تصرفوا ك»خونة« في كل مرّة رفضوا فيها دعم خيارات إدارة بوش. والأوروبيون رأوا أن أميركا أصبحت تمثل «تهديدا» أو أن «مبالغتها» في الرد باسم «الحرب ضد الإرهاب» إنما فتحت الطريق أمام مقولة «صدام الحضارات» غير المفيدة. وفي مثل ذلك السياق لم يتردد وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد في وصف أوروبا ب» القارة العجوز». هكذا إذا كان جون كينيدي جعل العالم «يحلم» فإن جورج دبليو بوش دفعه نحو «الخوف».
ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن «طلاق» أميركا مع العالم و«ضعف» أوروبا ليسا قدرا محتوما. وأن ما يحتاجه الغرب هو الوصول إلى توازن أفضل وذلك عبر وجود أميركا أكثر تواضعا ووجود أوروبا أكثر طموحا. وإذا كان الغرب سيعيد الصلة مع «ثقافة الأمل» فسيكون ذلك كون أن الولايات المتحدة قد وجدت أخيرا «زعيما» قادرا على مصالحتها مع نفسها ومع العالم ، وعلى ربطها بمستلزمات القرن الحادي والعشرين.
ويختتم المؤلف تحليلاته عن العالم الغربي بالقول أنه فقد احتكار الأفكار التي صاغها هو نفسه بحكم تطور المواصلات والاتصالات. لكن هذا لا يعني أنه أصبح المركز الجديد للخوف والانحطاط. الشرط المطلوب لذلك يتم تحديده ب»تغيير توجهه«.
... وروسيا؟
تبدو حالة روسيا في الحقبة ما بعد السوفييتية من أكثر الحالات أهمية وتفرّدا. فبالإضافة إلى ما تحمله من مشاعر الخوف والخضوع والأمل لديها أيضا مزيج من المشاعر المتضاربة الأخرى. ويعود المؤلف إلى ذكرى ذلك اليوم الذي كان يشاهد فيه مع أصدقاء روس صور تنفيذ حكم الإعدام بنيكولاي شاوشيسكو وزوجته في رومانيا التي حكماها بيد من حديد لمدة تزيد عن 20 سنة. وقد قال له أصدقاؤه يومذاك: «إن انتقال السلطة في روسيا سوف يتم على طريقة رومانيا وليس على طريقة بولندة ؟ أي سلميا. وسوف تُسفك الدماء. هكذا تسير الأمور عندنا».
لم تتحقق توقعاتهم «حتى الآن»، كما يشير المؤلف قبل أن يضيف أنه رغم التقدم الاقتصادي الذي حققه الروس فإنهم لا يزالون مسكونين بالخوف من الفشل. إنهم يجمعون بنفس الوقت بين مشاعر «الاعتزاز» بما حققته بلادهم ومشاعر «عدم الثقة كثيرا بالنفس».
التفسير الأول المقدّم هو أنهم لا يمتلكون رؤية واضحة لحدودهم. فأين تنتهي إمبراطوريتهم؟ إن الروس، كما يؤكد المؤلف، لم يتخلّوا في أعماقهم عن أوكرانيا ولا عن بيلاروسيا.
وهناك أيضا «شبكة انفعالاتهم المعقّدة» كنتيجة لتاريخهم الوطني ولمشاعرهم المتناقضة حيال الغرب والموزعة بين الانجذاب لهذا الغرب أو لرفضه. مثل هذا النقاش لم يفارق تاريخ روسيا الحديثة منذ بطرس الأكبر حتى اليوم.
ويروي المؤلف أنه أثناء لقائه الأول مع فلاديمير بوتين، وكان آنذاك رئيسا لروسيا، طرح عليه السؤال التالي: «من هي الشخصيات السياسية الكبيرة التي تزيّن صورها مكتبكم»؟ وكانت الإجابة الفورية: «بطرس الأكبر وبوشكين وشارل ديغول».
الأول هو «أب» الإمبراطورية والدولة الحديثة في روسيا، والثاني هو رمز الثقافة الروسية، أما الجنرال ديجول فهو الشخص الذي كان وراء إعادة إعمار فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية وأعاد لها مكانتها في العالم، وهو بالتحديد الدور الذي كان يطمح إليه بوتين.
تحولات الوعي
وتبرز في الوعي الروسي، كما يرى المؤلف، مشاعر «الخضوع». فخلال عامين فقط ما بين سقوط جدار برلين عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفييتي 1991، عرفت روسيا ما كانت قد عرفته الإمبراطوريات الاستعمارية منذ تشكّلها وحتى زوالها على مدى قرنين من الزمن.
وترافق المنعطف الحاد والسريع الذي عرفته روسيا مع انقلاب كامل في المعايير والقيم. فالرأسمالية واللبرالية والديمقراطية وغير ذلك مما كان يتم النظر إليه على أنه «الشر المطلق» أصبحت «جيدة» فجأة. والاشتراكية الشيوعية أصبحت توجّه إليهما أصابع الاتهام.
وفجأة كذلك فقد الروس مكانتهم الدولية. فمن موقع إحدى القوتين العظميين في العالم بعد الحرب العالمية الثانية وجدت روسيا نفسها، على الأقل بنظر الروس أنفسهم، مجرّد ورقة بيد الدبلوماسيين الأميركيين.
وفجأة أصبحت «البلدان المستقلّة الجديدة» من جيورجيا حتى اوكرانيا ودول البلطيق مصدر قلق و«حداد» في الوعي الروسي بعد أن كانت لفترة قريبة مصدر «اعتزاز» و«أمان». وعاش الروس قمة الإحساس بالمهانة عندما انضمت بعض تلك الجمهوريات السوفييتية السابقة للحلف الأطلسي، أو هي بصدد السعي للانضمام.
وتترافق مشاعر المهانة لدى الروس اليوم بمشاعر الخوف من العنف الذي قد ينفجر في المنطقة الشيشانية أو غيرها، وذلك على غرار ما كانت قد عرفته منطقة القوقاز في شهر أغسطس من عام 2008 حيث دخلت القوات الروسية في حرب «محدودة» مع جورجيا التي كانت جيوشها قد اجتاحت اوسيتيا الجنوبية «المحميّة» من روسيا.
لكن المؤلف يؤكد في نهاية التحليل أن مشاعر الخضوع والخوف تختلط لدى الروس بمشاعر الأمل أيضا. هذا على خلفية واقع تحسّن المستوى المعيشي منذ فترة حيث تحقق روسيا نموا اقتصاديا بمعدل 10 بالمائة سنويا. وسرت لدى الجميع مقولة: «ها هي روسيا تعود»، وليس مهما بالنسبة للروس أن تتم ترجمة هذه العودة بتعميق الهوة التي تفصل بلادهم عن الغرب أو بالتقارب مع البلدان الآسيوية.
بالمقابل يتم التأكيد على أنه لا ينبغي اختزال «التوجهات الديمقراطية» في روسيا إلى مجرّد «لعبة شكلية». فإذا كان انتخاب ديمتري ميدفيديف، في شهر مارس 2008 رئيسا لروسيا لم يتم على طريقة الانتخابات الديمقراطية في الغرب، أي على أساس المنافسة الحرّة ونفس حقوق المرشحين بشرح برامجهم عبر وسائل الإعلام، فإن ذلك الانتخاب كان يتناظر مع إرادة أغلبية الروس.
وبسبب واقع اختلاط مشاعر المهانة والخوف والأمل لدى الروس، قيادة وشعبا، يغدو من الصعوبة بمكان تحديد «الثقافة» التي تحكم التوجهات «الجيوسياسية» الروسية، وما يجعلها أمام احتمالات كثيرة تبعا للمتغيرات الدولية والإقليمية. ولكن أيضا لموقف الغرب وتطور العلاقات معه.
إفريقيا بين الأمل واليأس
ومن المناطق التي يصعب «تصنيفها» على ضوء «الثقافة» السائدة فيها يذكر المؤلف أيضا القارة الإفريقية «السمراء».
هذه القارة عانت خلال العقود الأخيرة المنصرمة من التهميش الدولي إلى درجة أنها «اختفت» عن دائرة الاهتمام على نهاية الحرب الباردة بعد أن كانت تمثل رهانا حقيقيا بالنسبة للقوتين العظميين في ظل الانقسام الثنائي الدولي.
وما يؤكده المؤلف هو أنه رغم الصورة القائمة التي تثابر وسائل وسائل الإعلام على تقديم إفريقيا فيها، فإن هذه القارّة هي بصدد أن ترفع رأسها، ولو كان بتثاقل، لتخرج قليلا من حالة الفقر والفساد التي كانت أسيرة لها.
أما الأسباب الجوهرية لمثل هذا التبدّل «الإيجابي» فيجدها المؤلف في المستثمرين الأجانب الذين جذبتهم موارد الطاقة الكبرى في إفريقيا وما تمتلكه من معادن نادرة وثمينة. ويأتي في مقدمة هؤلاء المستثمرين الهنود والبرازيليون والأميركيون، وخاصة الصينيون.
أما القوى الاستعمارية السابقة، وخاصة فرنسا وانجلترا، فإنها تنظر إلى القارّة الإفريقية ب«قلق» المشوب بمشاعر الخوف من رؤية موجات من المهاجرين الأفارقة يقرعون أبوابها.
ويفتح المؤلف قوسين في هذا السياق كي يتحدث عن مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط» الذي طرحه ويتولى رعايته الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. ويرى أن الغرض منه، جزئيا على الأقل، هو العمل على تقديم إجابة لمشكلة اللاجئين إلى «فراديس أوروبا».
والمنطق الذي يسود لدى الأوروبيين «المتنورين» بهذا الشأن هو أنه إذا كانت هناك حقيقة إرادة لإبقاء الأفارقة في إفريقيا، فإنه ينبغي أن يكون المستقبل مفتوحا أمامهم في بلدانهم. هذا بعيدا عن الفكرة القائلة أن «نجاة» إفريقيا ستكون بتدخل الغرب، ذلك أن «نجاة» إفريقيا لن تكون سوى بجهود الأفارقة أنفسهم.
وأميركا اللاتينية
تختلف الأوضاع في أميركا اللاتينية عما هي في إفريقيا، مع بعض النقاط المشتركة. هناك درجة «أقل» من اليأس في أميركا اللاتينية، ولكن أيضا درجة «أقل» من الأمل.
البرازيل تعتبر نفسها شبيهة بالصين أو بالولايات المتحدة الأميركية اللاتينية. وترى أن المكسيك، المنافسة لها، متأخرة عنها كثيرا. لكن البرازيل تعاني من «الشرور» التي تعاني منها القارة، وفي مقدمتها العنف، إذ كان عام 2005 قد شهد مقتل 40 ألف شخص برصاصات «طائشة». ذلك أنهم تواجدوا في المكان الخطأ وللحظة الخطأ.
وهناك أيضا الفوارق الاجتماعية الهائلة. مع ذلك يبقى «الأمل» هو الإحساس المهيمن في البرازيل. وهذا ما لا يمكن قوله بالنسبة لبلدان أميركا اللاتينية الأخرى التي تعرف بعضها أنظمة «شعبوية» مثل فنزويلا وبوليفيا.
ولا تزال الولايات المتحدة تتصرف حيال أميركا اللاتينية كما تتصرف القوى الاستعمارية الأوروبية حيال مستعمراتها السابقة في إفريقيا. وفي الحالتين لا يلقى مثل هذا السلوك الترحيب لما يحتويه من مشاعر «الخضوع».
وفي المحصلة إذا لم يكن بمقدور الأوساط السياسية الاقتصادية العالمية تجاهل هاتين القارتين، فإن تقرير مصير العالم لا يجد مركز ثقله فيهما خلال المستقبل المنظور.
إضاءة:
من المناطق التي يصعب «تصنيفها» على ضوء «الثقافة» السائدة فيها يذكر المؤلف أيضا القارة الإفريقية «السمراء». هذه القارة عانت خلال العقود الأخيرة المنصرمة من التهميش الدولي إلى درجة أنها «اختفت» عن دائرة الاهتمام على نهاية الحرب الباردة بعد أن كانت تمثل رهانا حقيقيا بالنسبة للقوتين العظميين في ظل الانقسام الثنائي الدولي.
وما يؤكده المؤلف هو أنه رغم الصورة القائمة التي تثابر وسائل وسائل الإعلام على تقديم إفريقيا فيها، فإن هذه القارّة هي بصدد أن ترفع رأسها، ولو كان بتثاقل، لتخرج قليلا من حالة الفقر والفساد التي كانت أسيرة لها.
الصفحات: 267
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: فلاماريون ـ باريس ـ نوفمبر 2008

