إذا كانت آسيا تعيش «ثقافة الأمل» ويعاني العالم العربي والإسلامي من «ثقافة الإحساس بالمهانة» فإن أوروبا وأميركا تعيشان، بصورتين متباينتين ما يسميه المؤلف ب«ثقافة الخوف».إن أوروبا تخاف على وجودها نفسه بينما تخشى أميركا تدهور مكانتها في العالم. الأوروبيون يتساءلون: من نحن؟

ذلك بعد انهيار الآمال التي أثارها سقوط جدار برلين عام 1989 حيث بدت أوروبا يومها وكأنها انتهت، مرّة واحدة وإلى الأبد، من انقساماتها. لكن بعد مضي أقل من عشرين سنة بعد ذلك يبدو أن هناك رغبة أوروبية في بناء الكثير من الجدران داخل القارة القديمة.

ويسود في أوروبا الخوف من الماضي، وما عرفه من حروب، بالإضافة إلى الخوف من المستقبل، مع المعاناة من صعوبة مواجهة الحاضر.

أما الأميركيون فيطرحون على أنفسهم أسئلة من نوع: ماذا فعلنا كي تصل الأمور بنا إلى ما وصلت إليه. إنهم لا يخافون من الماضي ولكن أنظارهم متجهة نحو المستقبل الذي يبدو مشوشا بعد أن كان لأميركا مركز الريادة والسيادة في العالم. لكن يبقى الخوف ملازما لتاريخ أميركا ولم يبدأ، كما يقول البعض، مع تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

هل الغرب مسكون بالخوف مثلما أن آسيا مفعمة بالأمل والعالم العربي ـ الإسلامي يعاني من الإحساس بالمهانة؟ بهذا السؤال يفتتح المؤلف حديثه عن «ثقافة الخوف» التي يرى أنها تكبّل الغرب.

هذا الإحساس السائد في الغرب يجده انعكاسا للأحداث والمشاعر الخارجية، وعلى خلفية أسئلة مثل: لماذا آسيا هي بصدد التفوق علينا اقتصاديا؟ ولماذا يحاول المتطرفون تدميرنا؟ ولماذا يتم دفعنا نحو الهامش بينما كنّا في وسط الصفحة لفترة قرون عديدة؟ باختصار: ما الذي يحصل لنا؟

هذه الأسئلة كلها التي يرددها الغرب يجدها المؤلف نتاجا مباشرا للإحساس بالخوف الذي يعتريه وأزمة الهوية التي يعاني منها. ويميّز بهذا الصدد بين «خوف» الولايات المتحدة من تدهور موقعها و«خوف» أوروبا من فقدان سبب وجودها. وعندما تتأمّل أميركا ما جرى للإمبراطورية الرومانية، تنظر أوروبا بقلق من أن يصبح مصيرها على غرار «سويسرا» ذات المكوّنات المختلفة.

وإذا كان الأمل يعني الثقة بالنفس، على غرار آسيا الصاعدة والإحساس بالمهانة فقدان هذه الثقة كحالة العالم العربي ـ الإسلامي، فما هو الخوف؟

إنه تلك الإجابة الانفعالية على الإحساس أن خطرا كبيرا على وشك الوقوع، خطرا حقيقيا أو مبالغا به. وهذا يستوجب «الدفاع عن النفس» كرد فعل صادر عن فرد أو ثقافة أو حضارة في لحظة معيّنة. ونقرأ: «قل لي من يخيفك وماذا ستفعل كي تتغلّب على هذا الخوف، وسأقول لك من أنت».

كذلك يمثل الخوف عامل بقاء في عالم خطير كالذي نعيش فيه، وعدم استشعار المخاوف يعني نقص الإدراك واللامسؤولية. ولا أحد يشك أن الخوف من حرب جديدة بين فرنسا وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية كان عاملا حاسما في انطلاق مسيرة التوحيد الأوروبي وصولا إلى الاتحاد الأوروبي بدوله ال27 اليوم.

الخوف يصبح خطيرا عند الإفراط فيه. إنه يعطّل قدرات الاندماج مع عوالم الآخرين. وإذا كانت أوروبا والولايات المتحدة تشتركان في عنصر «الخوف» في السياق الراهن، إلا أنه يتم التمييز بين «ثقافة الضعف» الأوروبية و«ثقافة القوة» الأميركية. لكن البعض يرون أن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 تستدعي خوفا حقيقيا، ويرى آخرون أن هناك خلافات حقيقية في الإجابات السياسية والاجتماعية التي تقدمها الشعوب الأوروبية على التهديدات التي عرفتها السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.

ويشير مؤلف الكتاب أن المرجعيات التاريخية التي كان يتم التأكيد عليها لإظهار الروابط الوثيقة بين أوروبا والولايات المتحدة، وخاصة المؤسسات الديمقراطية، لم تعد فاعلة اليوم كما كانت من قبل.

ذلك أنها تقوم على قيم بينما أن الأحاسيس على شاطئ الأطلسي لم تعد بنفس الدرجة من الثقة حيال النموذج السياسي «الديمقراطي» القائم وكذلك حيال الطبقة السياسية نفسها. وإذا كان المؤلف يؤكد على أن البلدان الغربية تقوم بخرق المبادئ الديمقراطية التي وضعتها، فإنه يؤكد كذلك بالمقابل أن الفارق بينها وبين دول مثل الصين وروسيا، ليس في الدرجة فقط وإنما في الطبيعة بين «ديمقراطيات غير كاملة» وبين «بلدان لا مكان للديمقراطية فيها».

الأوروبيون: من نحن

الصعوبة الأولى في تحديد طبيعة الخوف الأوروبي يجدها المؤلف في تعبير «أوروبا» نفسه. فهل يعني الاتحاد الأوروبي أم واقعا ثقافيا وجغرافيا أوسع؟

إن انهيار جدار برلين عام 1989 شكّل ذروة «ثقافة الأمل» الأوروبية في العقود الثلاثة الأخيرة. لكن بعد 20 سنة فقط، وتحديدا في عام 2005 اقترع الفرنسيون والهولنديون ضد الدستور الأوروبي الموحّد وتبعهم الأيرلنديون عام 2008.

مثّل ذلك مؤشرات لانبثاق «ثقافة الخوف» في القارة الأوروبية. هكذا في عام 1989 احتفلت أوروبا بسقوط جدار برلين مما بدا وكأنه الإعلان النهائي عن حالة انقسامها. وفي عام 2008، ها هي تعطي الانطباع وكأنها تتمنّى إشادة جدران جديدة تحميها من العالم الخارجي. فما الذي حدث؟ يتساءل المؤلف.

ها تتم العودة قليلا إلى الوراء، وتحديدا إلى فترة ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حيث ساد نوع من «الخوف الإيجابي» الذي دفع المتحاربين قبل فترة وجيزة إلى البحث عن سبل أن يعمّ السلام في القارة التي عرفت حربين كونيتين خلال القرن العشرين وحده.

هكذا شُرع منذ عام 1950 بإقامة المجموعة الأوروبية للفحم والحديد، التي كانت النواة الأولى لما غدا «الاتحاد الأوروبي» اليوم. ذلك الخوف «الإيجابي» الذي عبأ الطاقات يراه المؤلف مختلفا تماما عن الخوف السائد اليوم في أوروبا والذي يؤدي إلى «شكلها».

ويسود في أوروبا اليوم الخوف من الماضي، ذلك أن سقوط جدار برلين عام 1989 ونهاية الحرب الباردة وانهيار الإمبراطورية السوفييتية، لم يجلب لأوروبا حقبة من السلام، وإنما نقل الحرب عمليا إلى «الفناء الخلفي» في البلقان مع تفجّر يوغسلافيا ثم حرب البوسنة وكوسوفو... وأصبح يتم الحديث عن «بلقنة أوروبا».

وبالإضافة إلى الخوف من الماضي برزت أيضا ومشاعر عدم الثقة بالمستقبل». وإذا كان فقدان الثقة على الصعيد الاقتصادي قد سبق ازدهار آسيا، فإن هذا زاد من حدّته. وغدت البطالة في البلدان الأوروبية الكبرى، فرنسا وألمانيا على رأسها، بمثابة «سرطان اجتماعي» منذ مطلع سنوات التسعينات السابقة.

وزاد الإحساس بالخوف في أوروبا أمام صعود آسيا، وخاصة الصين، على الصعيد الاقتصادي وقدرة المنافسة في الأسواق. وينقل المؤلف هنا عن وزير فرنسي عند عودته من بكين قوله: «لقد تعاملوا معي كما كنّا نتعامل معهم سابقا».

بالإضافة إلى الخوف من الماضي وعدم الثقة بالمستقبل تعاني أوروبا من «صعوبة مواجهة الحاضر». وكان رفض الفرنسيين والهولنديين والإيرلنديين للاتفاقية الدستورية الأوروبية ـ الدستور الأوروبي ـ الموحّد ؟ تعبيرا عن حالة استياء حيال الحاضر. ثم إن هذا الخوف من الحاضر ليس بعيدا أيضا عن الواقع الأوروبي. وهنا تبرز مسألة الاعتماد على «الآخرين» حيث تتوفر اليد العاملة. وتصبح المعضلة هي أنه بمقدار ما تزداد حاجة الاقتصاد «لهم»، تزداد أيضا مشاعر رفضهم تحت حجج ثقافية أو دينية أو عرقية.

... والثقافة الأميركية للخوف

إذا كان الأوروبيون يطرحون على أنفسهم سؤال «من نحن»؟ فإن الأميركيين يتساءلون: «ماذا فعلنا كي تصل الأمور بنا إلى ما وصلت إليه»؟

ويرى المؤلف أنه مثلما من الصعب تعريف أوروبا اليوم، فإن الأمر نفسه بالنسبة للولايات المتحدة بسبب ما يبديه واقعها من تنوّع، هذا إذا لم يكن من انقسام. أميركا «جمهورية» ضد أميركا «ديمقراطية» وأميركا «مدينية» ضد أميركا «ريفية» وأميركا «غنية» ضد أميركا «فقيرة»، وأميركا بيضاء ضد أميركا سوداء.

كما بيّنت طريقة معالجة الضحايا بعد إعصار كاترينا عام 2005. وضمن مثل هذا التصنيف يجد المؤلف أن الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2008 يمكن أن تمثل المواجهة بين «مرشح الخوف» جون ماكين و«مرشح الأمل»، الرئيس الحالي، باراك أوباما.

ولم يتردد الحزب الجمهوري في لعب «ورقة الخوف» لدى الناخبين من «عدم خبرة» اوباما وأيضا من اسم والده «حسين». اوباما حاول بالمقابل أن يعيد ذكرى «جون كينيدي» وما كان يعبّر عنه من «ثقافة الأمل». الأميركيون اختاروا، لأنهم أميركيون، في النهاية «لون الأمل».

ويرى المؤلف أن الأميركيين، وعلى عكس الأوروبيين، لا تعذبهم أشباح الماضي. وأميركا نظرت إلى نفسها باستمرار على أنها مستقبل وليست تاريخا.

أما أزمة الهوية اليوم، التي تؤسس مشاعر الخوف، فيرى المؤلف أنها قائمة على ثلاثة تساؤلات لدى الأميركيين هي: هل فقدنا روحنا، أي تفوقنا الأخلاقي؟ هل فقدنا هدفنا، أي معنى مهمتنا في العالم؟ وأخيرا، فقدنا مكانتنا، أي هل نحن بدأنا مسارا انحداريا؟

وبتعبير آخر، غدا الأميركيون يطرحون على أنفسهم الأسئلة عن الأسباب التي أوصلتهم إلى ما هم عليه ويحاولون الإجابة على سؤال آخر هو: «لماذا يكرهنا الآخرون»؟

أو على الأقل: «لماذا لم يعد يحبنا من قبل أولئك الذين كانوا أصدقاءنا وحلفاءنا»؟بكل الحالات، أصبح الأميركيون يتشككون بنظامهم نفسه، ذلك على خلفية تشكّل نوع من القناعة أن ما هو جيد بالنسبة لهم قد لا يكون جيدا للآخرين.

هذا إلى جانب إحساس آخر هو أنهم هم أنفسهم لم يعودوا أوفياء للقيم التي يرفعونها وهذا يجعلهم في حالة بحث عن هويتهم «المفقودة». وتتم الإشارة هنا إلى أن ما كان قد طرحه المؤرخ الأميركي بول كينيدي، الأستاذ في جامعة يال، عام 1987 عن «انحطاط أوروبا» قد أصبح واقعا اليوم.

أحداث سبتمبر

ويؤكد المؤلف أنه لا ينبغي أبدا الانطلاق من تفجيرات 11 سبتمبر 2001 لتحليل «ثقافة الخوف» في أميركا. فالخوف عرفته طيلة تاريخها. فمنذ بداية القرن العشرين رأى الأميركيون في صعود الشيوعية والحركات الراديكالية والاضطرابات العمالية تهديدا للاستقرار الاجتماعي والسياسي لبلادهم.

وبهذا المعنى لم تكن تفجيرات 11 سبتمبر هي التي ولّدت الخوف الأميركي. إنها فقط وسّعت من انتشاره ومن تجذره في نفوس أغلبية الأميركيين. لقد اكتشفت أميركا مدى «هشاشتها» وقابلية المساس بها، وتحديدا في اللحظة التي بدت فيها أنها في أوج قوتها، وبعد عقد واحد من انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره.

كذلك لم تكن مرافقها الحيوية قد تعرّضت لمثل تلك الضربة منذ قيام القوات البريطانية بحرق البيت الأبيض عام 1812، أما قصف قاعدة «بيرل هاربور» الأميركية من قبل اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية، فقد جرى في أرض «بعيدة».

وكان انخراط الولايات المتحدة في حرب العراق عام 2003 قد أشاع مناخا من الشكوك، فضلا عمّا أثاره من تشويه لصورة أميركا في العالم ومن مساس بمصالحها. ويذهب في نفس الاتجاه معتقل غوانتانامو وممارسة «السجن الوقائي» وأبو غريب.

وضمن هذا السياق أصبح من المشروع أن يطرح الأميركيون على أنفسهم أسئلة من نوع «أين ذهبت رسالتنا الكونية»؟ و«لماذا وصلت الأمور بنا إلى هنا»؟

الصفحات: 267

الكتاب: جيو سياسة الانفعال

تأليف: دومنيك مويزي

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: فلاماريون ـ باريس ـ نوفمبر 2008