شهدت العقود الثلاثة الأخيرة انتقال «ثقافة الأمل» من أوروبا والغرب نحو آسيا، وخاصة إلى الصين والهند. وقد استطاعت الصين أن تستعيد أمجاد «إمبراطورية الوسط» التي تعود إلى القرن الثامن عشر، وعرفت الهند كيف تصيغ رؤية للمستقبل تضعها على طريق التقدم. هذان البلدان يملك كل منهما 350 مليون نسمة من القوى الحية التي ستكون لها كلمتها في تحديد شكل النظام الاقتصادي العالمي، بل والنظام الإستراتيجي أيضا. و (الحداثة) لم تعد مفهوما ملازما للغرب ولكم أصبح لآسيا كلمتها في عالم الحداثة وما بعد الحداثة.

القادة الصينيون على قناعة أن الزمن يلعب لصالحهم وأن نفوذهم يتعزز على حساب النفوذ الغربي. ولذلك يقيمون سياساتهم وتحالفاتهم، مثل «معاهدة شنغهاي»، في منظور مستقبلي. والصين مسكونة بقناعة أنها مركز العالم وبدأت تدرك دورها كقوة كبرى على المسرح الدولي. وإذا كانت الصين والهند تمثلان قوتين صاعدتين على قاعدة الثقة بالنفس وقوة «ثقافة الأمل» فإن اليابان، تشكل «استثناء» آسيويا حيث إنها تشترك مع أوروبا، القريبة منها، بثقافة الخوف بعد سنوات الازدهار والأمل في ستينات وسبعينات القرن الماضي. تاريخ 17-18 نوفمبر 2007 نقلت صحيفة «الفايننشيال تايمز» عن «كسيباو دينج» العامل الصيني المتواجد في انغولا بإفريقيا قوله: «إذا قدّمنا أفضل ما عندنا واشتغلنا كثيرا مهما كان العمل شاقا فإن المستقبل سيكون جميلا. إنني قدمت إلى هنا كي أبني مجتمعا جديدا. الناس بحاجة إلى منازل. إنني أكسب المال، لكن إذا كنا هنا فليس من أجل المال وحده.

فمنذ ثلاثين سنة كانت الصين مثل أنغولا اليوم. كان الوضع بائسا لكنه أجمل بكثير الآن». هذا العامل الصيني يجسد، حسب رأي مؤلف هذا الكتاب، الأمل بمعناه العملي في حضارة الصين الحديثة. لكن ما هو الدرس الذي يمكن استخراجه من واقع انتقال «الأمل» من الغرب إلى الشرق، ومن عالم تسود فيه المسيحية إلى عالم علماني عموما في حالة الصين أو لم يعد فيه البعد الروحاني يمثل عقبة أمام النمو الاقتصادي مثل حالة الهند؟ كان الأمل «العملي» موجودا في الغرب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكان يمثّل، كما في الصين والهند اليوم، التحرر الاقتصادي والاجتماعي. بل يتم التأكيد أن عددا كبيرا من الآسيويين يرون اليوم أن المطلوب ليس اللحاق بالغرب فحسب، ولكن لديهم القناعة أنهم قد توصلوا «ضمنيا» إلى تحقيق ذلك.

الأمل الآسيوي

لم يكن حي «بودونج» بأبراجه الشاهقة اليوم في شنغهاي سوى مجرد حقول ممتدة قبل عام 1990. هذا الإنجاز العمراني الكبير يشكل برهانا «ظاهرا للعيان» على الحداثة والثقة بالنفس والتفاؤل.

وكان المهندسون المعماريون، الصينيون بأغلبيتهم باستثناء بعض الغربيين، قد أخذوا «الضوء الأخضر» من النظام السياسي «المغلق» مع شعار واحد يقول: «كونوا خلاّقين، تجرؤوا، كونوا كبارا وحداثيين».

وكانت النتيجة هي إنجازات تجمع بين الحداثة الآسيوية والغربية، وتقدم الدليل الساطع على أن مفهوم الحداثة هذا لم يعد محصورا بالغرب، وأن «مدرسة جديدة للحداثة» قد قامت في آسيا ولم يقتصر الأمر على ميدان الفن المعماري ولكن طال مختلف مجالات الإبداع الأخرى الفنية والثقافية ووصولا إلى مجال «الموضة».

حيث برزت أسماء مبدعين في تصميم الملابس، وخاصة من اليابان والصين والهند. ثم إن الأمور تتطور بحيث يمكن لأوروبا أن تبدو بمثابة «متحف» بنظر الآسيويين. لكن بالمقابل يتساءل المؤلف: هل يمكن لآسيا أن تفقد شخصيتها في عصر العولمة؟

العملاقان الآسيويان قادمان

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى تعبير «الصند»، الذي اخترعه السياسي الهندي «جيرام راميش» للدلالة إلى العملاقين الآسيويين، الصين والهند.

وبعد أن يشير المؤلف إلى التباين في الوزن الاقتصادي للبلدين، يركّز على القول إن كلا منهما يمتلك على «قوّى حية» بحوالي 350 مليون نسمة، أي أن هناك 700 مليون شخص هم بصدد تغيير النظام الاقتصادي، وحتى الإستراتيجي، العالمي. لكن المهمّة لن تكون سهلة إذا عرفنا أنهم «يقطرون» وراءهم مئات الملايين من البشر الذين لا يزالون يعيشون في أحضان الفقر.

والصين والهند تعرفان منذ سنوات طويلة نموا اقتصاديا يقارب 10 بالمائة كل سنة. ويمثلان، كل منهما، حضارة تختلف عن الأخرى، لكن الحضارتين تمتلكان من الثقة بالنفس ما يكفي لانفتاحهما على العالم ووضع الآخرين أمام امتحان ثقافتهما ويفتح المؤلف هنا قوسين كي يشير إلى أن «الثقة بالنفس» لا تزال ذات طبيعة انتقائية، ولم تشمل جميع الميادين.

فالساسة الصينيون مثلا لا يزالون «أسرى» لتوجهين متناقضين. فمن جهة يتمسّكون بالشيوعية ومن جهة أخرى بالمسار الاقتصادي الرأسمالي. الحرية السياسية والديمقراطية لا تزالان غائبتين في الصين.

ولا تزال النزعة القومية متأججة حيث يؤكد الجميع على ضرورة «عدم السماح لأحد بإضعاف الإمبراطورية». لكن هذا لا يمنع واقع أن عملية استقصاء للرأي العام قام بها معهد أميركي مستقل أثبتت أن الصينيين يمثّلون «الشعب الأكثر تفاؤلا في العالم».

ويبقى من التبسيط الكبير، كما يقول المؤلف، وصف آسيا أنها «قارة الأمل»، مع التذكير أن «آسيا» هي «مفهوم غربي» أساسا. والآسيويون لا يعبّرون عن أنفسهم عفويا أنهم «آسيويون» بينما لا يتردد الأوروبيون في الإعلان عن انتمائهم للقارة القديمة. ثم إن «ثقافة الأمل» لا تشمل آسيا كلها فبلاد مثل اليابان «سبقتها» بينما لا تزال بلدان مثل الباكستان والفلبين «دونها».

الصين... العائدة

عندما يتم الحديث عن آسيا ك(قارة الأمل) يتوجه التفكير مباشرة نحو الصين والهند رغم ما فيهما من نقاط ضعف «كبيرة». لكن يقال دائما «هاهي الصين تعود». وذلك كإشارة إلى حقبة ازدهار سابقة.

ويشير المؤلف في هذا الإطار إلى معرض عرفته مدينة لندن عام 2005 تحت عنوان «الصين العائدة» وحيث تتوسط المعرض لوحة تعود إلى القرن الثامن عشر ويبدو فيها رتلا من السفراء الأوروبيين وهم ينحنون أمام إمبراطور الصين ويدفعون له الجزية.

الترجمة التي يجدها المؤلف تقول بوضوح: «أنتم أيضا ؟ أي الأوروبيين- سوف تدفعون لنا قريبا الأتاوة». وحكام الصين اليوم هو ورثة «إمبراطورية الوسط» السابقة.

ويرى المؤلف أن أفضل طريقة لفهم «النفسية» الصينية هي المقارنة بين حضارة الصين والحضارة المصرية القديمة التي كانت أحد أهم وأشهر وأقدم حضارات العالم عبر التاريخ الإنساني كله. الفرق هو أن الحضارة المصرية القديمة قد زالت أما الحضارة الصينية فلا تزال باقية، وهذا مصدر إبداع وإشكاليات بنفس الوقت.

الصين هي أكثر بلدان العالم سكانا منذ آلاف السنين. وكان ذلك دائما مصدر قلق لدى قادتها من حدوث فوضى اقتصادية واجتماعية. هكذا جرى خلق نظام يخضع فيه الأفراد دائما إلى «منطق المجموعة».

وإذا كان قد أطلق على الصين اسم «إمبراطورية الوسط» فهذا لا يعود إلى موقعها الجغرافي فقط ولكن على خلفية قناعتها أنها «مركز ثقل العالم». لذلك، وعلى عكس روسيا مثلا، لم تكن تجد نفسها أبدا بحاجة إلى التوسع كي تؤمّن بقائها. والتنافس بين الصين والهند واليابان لم يكن أبدا محددا لمنظور المستقبل مثلما هو الحال بين القوى الاستعمارية والأوروبية والغربية عامة.

وإذا كانت الصين مدركة لنقاط ضعفها فإنها تبقى على قناعة أن الزمن يلعب لصالحها. ويشير المؤلف إلى أن القادة الصينيين على قناعة أن رد فعل إدارة جورج دبليو بوش على تفجيرات 11 سبتمبر 2001 لم تضعف النفوذ الأميركي فحسب، ولكنها زادت من التشكيك بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تنادي بها أميركا، وبالتالي زادت من وزن الصين.

وهناك مؤشرات عديدة على أن الصين بدأت تدرك مدى دورها كقوة كبرى على المسرح العالمي. ولكن القادة الصينيين يبرهنون على قدر كبير من الذكاء والهدوء، كما فعلوا أثناء عودة «هونج كونج» إلى الوطن الأم في منتصف عقد التسعينات الماضي ثم أثناء معالجة الأزمة النووية مع كوريا الشمالية.

وعملت الصين على إقامة مجموعة «معاهدة شنغهاي» مع روسيا وقزخستان وقرغيزستان وطجقستان واوزبكستان، من أجل إيجاد «وزن مقابل» للنفوذ الغربي في آسيا الوسطى. وينقل المؤلف عن زبيغينو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، قوله: «لا شك أن الصين هي بصدد أن تخلق بهدوء وبكثير من النجاح منطقة مزدهرة بالتشارك مع غيرها في شرق آسيا».

بكل الحالات تجري التغيرات السياسية ببطء كبير في الصين. وهي ثمرة عوامل داخلية، خاصة دور الطبقة الوسطى، وليس بسبب ضغوط خارجية.

وفي المحصلة إذا كانت أميركا قد تبقى هي القوة الفاعلة الرئيسية في أوروبا والشرق الأوسط، فإن الصين هي بصدد أن تصبح في شرق آسيا ما كانت عليه بريطانيا بالنسبة لأوروبا في القرن التاسع عشر، أي عامل التوازن الكبير. ومن الواضح أن بلدانا أخرى في المنطقة تحاول الحد من نفوذ الصين، وعلى رأسها اليابان.

الاستثناء الياباني

إذا كانت ثقة الصين بنفسها قائمة إلى حد كبير على أساس ماضيها، وثقة الهند على رؤيتها للمستقبل وعلى أنها أمّة فتية فيها 700 مليون نسمة تقل أعمارهم عن 25 سنة من أصل ال1,1 مليار هم مجموع السكان، فإن اليابان هي أيضا «قاطرة اقتصادية كبرى» في المنطقة. ويتم اعتبارها بمثابة «الاستثناء الكبير» بين الأمم الآسيوية. كانت اليابان قد شرعت بصنع «معجزتها الاقتصادية» منذ أواسط سنوات السبعينات الماضية.

وكانت الألعاب الأولمبية التي نظّمتها طوكيو عام 1964 مناسبة للاحتفال بالنهوض الياباني بعد أقل من 20 سنة من نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمتها الكبرى وقبل 40 سنة من الألعاب الأولمبية في بكين خلال صيف 2008.

الملفت للانتباه أنه لا يتم النظر إلى اليابان أنها حقيقة آسيوية، على عكس الصين والهند. وهي بنفس الوقت الدليل على أن الحداثة والغرب ليسا متلازمين. بالمقابل يؤكد المؤلف أن «التاريخ وآثار جراح الماضي» تمثل الأسباب الأساسية لـ «الطلاق» القائم بين اليابان وبقية آسيا. ثم إن اليابان اختارت الديمقراطية كنظام سياسي فرضه الأميركيون بعد الحرب العالمية الثانية ثم تبنّاه اليابانيون.

لكن المؤلف يرى أن الاستثناء الرئيسي الياباني يكمن في عدم الاشتراك بسثقافة الأمل» السائدة في آسيا، خاصة في الصين والهند. ذلك أنه بالإضافة إلى «خوف» اليابانيين «الفطري» من الطبيعة والهزّات الأرضية، هناك الخوف الذي ساد منذ 20 سنة تقريبا منذ الأزمة الكبيرة في قطاع البناء.

واستمرّت تلك الأزمة البنيوية حتى وصول «يواشي كوازومي» إلى رئاسة الحكومة، بل لم تخرج منها اليابان تماما حتى الآن وحيث يسود الإحساس أن البلاد لا تعرف إلى أين تمضي.

قيود تواجه اليابان

وتدرك اليابان بمرارة أن الهند أصبحت الشريك الدبلوماسي المتميز للولايات المتحدة في آسيا وأن الصين أصبحت الشريك الاقتصادي الرئيسي. هذه التبدلات ترى فيها اليابان تضاؤلا لنفوذها الدولي بالقياس إلى سنوات التسعينات حيث كانت البلد الآسيوي الوحيد الذي يتمتع بوجود حقيقي على المسرح الدولي.

ولليابان أسباب أخرى تجعلها تشك بنفسها وتلتحق بمعسكر «ثقافة الخوف» السائدة في أوروبا. وعلى رأس هذه الأسباب شيخوخة سكانها، إذ أن اليابان هي بصدد أن تحتل المرتبة الأولى في العالم على هذا الصعيد، ونسبة الانتحار فيها بين الشباب هي من بين الأكثر ارتفاعا في العالم أيضا.

وكان اليابانيون أنفسهم يقولون عن نظامهم السياسي خلال العقدين الأخيرين ؟ باستثناء سنوات كوازومي- أنه يجمع «نقائص» المكسيك وإيطاليا، أي الجمود وعدم الفعالية. وتشترك اليابان مع أوروبا إلى حد كبير في نقاط القوة والضعف وخاصة في «القلق» و«الانغلاق على الذات».

ومن المعروف أن اليابان هي أقرب عامة على الصعيد الدبلوماسي إلى الغرب من بقية جيرانها الآسيويين. واليابان ليست قوة نووية وليست عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي، وهذا يزيد من تعاظم إحساسها بالتقهقر أمام صعود الصين والهند.

على خلفية هذه الأسباب كلها تجتاح اليابان اليوم موجة من مشاعر القلق عندما تفكّر بالمستقبل. والأمل الذي كان يسود فيها خلال سنوات الستينات والسبعينات تراجع كي يتقدم «الخوف». وهكذا تجد «ثقافة الأمل» نفسها دائما في مواجهة التحديات، وعلى قدرة مواجهتها تتحدد مسيرات المستقبل، تقدما أو انكفاءً.

الصفحات: 267

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: فلاماريون ـ باريس ـ نوفمبر 2008