كان «الآخر» شخصا بعيدا، وغريبا، عن الذهنية الأوروبية حتى الفترة الذي امتزج فيها مع النسيج الاجتماعي للبلدان الاستعمارية حيث بدأت تطرح على نفسها مشكلة «الهوية».
نظرت أوروبا إلى المعسكر الشيوعي على أنه «الخصم» خلال فترة الحرب الباردة. ثم أصبح هذا الخصم هو ما يجسده التحدي الآسيوي وتحدي التطرّف. وتتميز الفترة الجديدة باهتزاز ثقة الغرب، المسيطر حتى فترة قريبة، بنفسه وطرحه تساؤلات جديّة حول المستقبل. ومع نهاية الحرب الباردة تغيّرت الخرائط السياسية إذ زالت يوغسلافيا وانقسمت تشيكوسلوفاكيا إلى دولتين وتوحّدت الألمانيتان في ألمانيا واحدة واستقلت جمهوريات آسيا الوسطى «السوفييتية سابقا». وبرزت بنفس الوقت أهمية كبرى لمعطيات لها علاقة بالمشاعر والانفعالات في تحديد النهج الاستراتيجي لتحرك الدول والأمم. هكذا أصبحت آسيا، وخاصة الصين والهند، مدفوعة ب«ثقافة الأمل» وأوروبا معاقة ب«ثقافة الخوف» وأميركا مأخوذة ب«القلق» والعالم العربي والإسلامي بثقافة «الإحساس بالمهانة». لكن هذه الصيغ كلها تتداخل فيما بينها وهي تتميز بأنها «دورية» ومرتبطة بالسياق الذي ينتجها.
وضع الأوروبيون أحد أهداف استعمارهم في «تمدين» الآخرين من أبناء البلدان التي شملتها إمبراطورياتهم. وتمد «تموينهم» جرى الانتقال إلى الاستفادة منهم. هكذا سقط عدد كبير من أبناء شمال إفريقيا والقارة السوداء في ساحات القتال بأوروبا أو لحسابها أثناء الحرب العالمية الأولى وغيرها من الحروب.
واعتبارا من النصف الأول من القرن العشرين، بل وقبل ذلك، أدّى اختلاط «الآخرين» في النسيج الاجتماعي للبلدان الاستعمارية إلى طرح الأسئلة حول «هويتها». وفي زمن الحرب الباردة أصبح «الآخرون» الذين يمثلون الخصم والعدو بالنسبة لأوروبا والغرب هم القادمون من العالم الشيوعي. باختصار غدا «الشرق» هو نقيض «الغرب».
أمّا في عصر العولمة، أصبح «الآخرون» لا ينتمون إلى ثقافة أخرى فحسب، ولكن ينتمون أيضا إلى عصر آخر. ورؤيتهم للعالم تقوم على مفاهيم ذات طبيعة «قبلية». ولم يعد هؤلاء «الآخرون» يكتفون بذكر ماضي الغرب الزاخر بالحروب وبعدم التسامح العقائدي. في الوقت الذي لم يكن بمستطاعهم حتى فترة قريبة تحقيق أي نجاح دون اتباع النهج الغربي. وكان دفاع «غير الغربيين» عن تقاليدهم مرادفا في أذهان «الغربيين» للتخلّف.
الآخر والعولمة
الصورة تغيّرت تماما، حسب رأي مؤلف هذه الكتاب، ذلك أن تعاظم التحدّي الآسيوي وتهديد المجموعات المتطرفة دفع الغرب إلى طرح أسئلة حقيقية حول هويته. وأصبحت العلاقة مع الآخر في عصر العولمة مركزية إلى درجة إرغام هذا الغرب على إعادة تحديد الإجابات على أسئلة مواطنيه من نوع: من نحن؟ وما هي خصوصيتنا؟ وبماذا نختلف عن الآخرين.
وبالنسبة لأي غربي تعوّد على تفسير العالم اعتمادا على مقولات مثل «نحن» و«هم»، يبدو أنه من الصعوبة أكثر الإجابة على مثل هذه الأسئلة مما هو بالنسبة لصيني أو لهندي تعوّدا على العيش باستمرار في عالمين «متوازيين»، عالمهما والعالم الذي يسيطر عليه الغرب. ومسألة الهوية ليست مطروحة على الصينيين والهنود بينما أن الهوية «مهتزّة» في العالم الغربي رغم وجود ميول واضحة إلى الاعتقاد أن هذا الغرب لا يزال مركز العالم.
ويؤكد المؤلف أن أغلبية أصدقائه الآسيويين أنجزوا دراساتهم في أفضل الجامعات الغربية ويعرفون جيدا الغربيين وثقافتهم والبواعث التي تحركهم بينما يبقى «الجانب الآسيوي» من شخصيتهم مجهولا إلى حد كبير بالنسبة للغربيين. وهناك قلّة قليلة من هؤلاء الغربيين لهم معرفة جيدة بآسيا، ومعرفة محددة غالبا في ميادين اختصاصهم.
بين الذاتية... والموضوعية
يشير مؤلف هذا الكتاب إلى أشكال الاحتجاج التي يبديها أولئك الذين يرون في مفهوم «الانفعالات» إفراطا في الذاتية ورؤية «غير متماسكة» وأداة من الصعب بناء نتائج «صلبة» على أساسها. مثل هذا الموقف يتماشى مع التوجهات «العلمية» التي تبديها الأوساط الأكاديمية، خاصة في ميدان العلاقات الدولية. ثم وبمقدار ما يزداد تعقيد العالم يزداد أيضا الميل نحو تحليل النظام الدولي على أساس المنهج «العلمي» أو «شبه العلمي». ذلك بعيدا عن «المشاعر» التي تثيرها أحداث العالم اليومية مثل حرب العراق.
مثل هذا الموقف وهذا التحليل يفتقران، حسب رأي المؤلف، إلى أخذ معطيات العالم الحقيقي في الحسبان أثناء التحليل. ولا يتردد في التأكيد أن «البعد الذاتي» و«الانفعالات» أمر أساسي من أجل فهم الرهانات الجيو سياسية. ذلك على أساس أن العوالم السياسية والاقتصادية هي في الأساس «بناءات ذاتية» يمكن استخدامها غالبا كأدوات بيد الحكومات. هذا على عكس الخرائط الجغرافية المرسومة بالألوان المختلفة للدلالة على البحار والمحيطات والسهول والوهاد والجبال. لكن حتى هذه الخرائط الجغرافية يمكن أن تتغيّر جذريا بعد أعاصير من نوع «تسونامي». ثم إن الخرائط الجغرافية يمكن أن تخضع لاعتبارات سياسية فالخرائط الإسرائيلية مثلا تطلق على الضفة الغربية تسمية يهودا والسامرة، وقبرص تبدو مقسّمة إلى قبرص تركية وقبرص يونانية في الخرائط التركية وموحّدة على الخرائط اليونانية، وإسرائيل لا وجود لها على الخرائط العربية.
والمعطيات الديموغرافية ومصادر الثروة التي تخضع لضوابط موضوعية، بل وعلمية، يمكن أيضا إخضاعها لغايات سياسية باتجاه التضخيم أو التقليل مثل عدد الأقليات الإثنية والعقائدية في بعض البلدان. والخرائط الجغرافية يمكن أن «تتطور» وتتبدّل أيضا تبعا للحروب والتحالفات. وهناك أمم قد تختفي أو تبرز مثل بولندا التي زالت كدولة مستقلة لفترة تزيد عن قرن من الزمن منذ عام 1795 وحتى عام 1918. وكانت الخرائط «واضحة» فيما يخص النظام الدولي أثناء فترة الحرب الباردة. إن العالم كان مقسّما ما بين 1945 و1989 إلى معسكرين «متجابهين» وما دونهما كان يشكّل بلدان «عدم الانحياز». الملفت للانتباه أنه كانت تتم الدلالة على المعسكر السوفييتي باللون الأحمر وللتحالف الأطلسي باللون الأزرق.
تغير الخرائط السياسية
الخرائط السياسية تغيّرت بعد نهاية الحرب الباردة و«تشوّشت». لقد زالت يوغسلافيا وانهار الاتحاد السوفييتي وانقسمت تشيكوسلوفاكيا، إلى تشيكيا وسلوفاكيا وتوحّدت الألمانيتين، الغربية والشرقية، في ألمانيا واحدة وتبدّلت الخارطة تماما في آسيا الوسطى عبر بروز عدد من الدول السابقة التي كانت تشكل سابقا «جمهوريات» سوفييتية. وانطرحت مشكلة «التلوين».
فأي لون مثلا ينبغي أن يُعطى لروسيا؟ وهل يتم اعتبارها جزءاً من أوروبا، كما يمكن أن يُرجّح ثقافيا أو في آسيا إذا جرى اعتماد مقولة «الاستبداد الشرقي» بما في ذلك الروسي؟ ثم ما هي المعايير التي ينبغي تبنّيها في تحديد الدول الديمقراطية؟ وهل الأمر يخضع فقط لإجراء الانتخابات بشكل منتظم وهذا يستدعي وضع بلد مثل إيران بين هذه الدول؟ ثم هل ينبغي وضع أوروبا والصين في نفس الفئة على ضوء «المعيار العلماني» بينما تلتقي الولايات المتحدة والهند والعالم الإسلامي في خانة «الكتلة الروحانية»؟ في هذه الحالات كلها تبدو العوامل «الموضوعية» مشبعة بقدر كبير من «الذاتية».
ويبقى من الصعوبة بمكان رسم «خارطة للانفعالات»، وتحديدا بسبب تباين دلالاتها، فبأي لون مثلا سوف يتم التعبير عن الأمل أو الخوف أو الخنوع. ثم أن اللون الأسود مثلا يدل على الحزن والحداد في بعض البلدان بينما أن الأبيض هو لونهما في بلدان أخرى.
خارطة الانفعالات
وهناك صعوبة كبيرة أخرى أمام إمكانية رسم «خارطة للانفعالات» وتتمثل في كون أن «الجغرافيا» نفسها تفقد من قيمتها نسبيا في زمن العولمة. وأصبح الكثير يرون فيها خيارا ل«موديل» التنمية أكثر مما هي تابعة للموقع الجغرافي. الأمثلة التي يضربها المؤلف عديدة، وفي مقدمتها إسرائيل الموجودة «جغرافيا» في الشرق الأوسط. لكن انتماءها هو بالأحرى إلى أوروبا وتتمنّى الانتماء «اقتصاديا» لدورة الازدهار الآسيوي.
ويروي المؤلف حادثة مدرّسة إسرائيلية ذات أصل ألماني كانا يسيران معا في برلين أثناء فترة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فما كان منها سوى أن أخرجت من محفظة يدها جواز سفر ألماني وقالت له: «جواز السفر هذا هو تأمين حياة بالنسبة لي». ويشير بهذا الصدد أن عدد الإسرائيليين الذين تركوا إسرائيل للعيش في ألمانيا قد تضاعف منذ عام 2006 ليصل إلى 4000 شخص. ويضيف أنه بصورة أعم بدأت تنطرح بالنسبة لإسرائيل مشكلة «هجرة العقول».
مثل هذا النموذج من «الانزلاق الديموغرافي» عرف نسبا أكبر في لبنان وفي العراق بسبب الحرب حيث غادر أكثر من أربعة ملايين عراقي بلادهم خاصة باتجاه سوريا والعراق. وظاهرة «التحرّك الديموغرافي» لها أيضا طبيعة «انفعالية». ذلك أن الشرق الأوسط، كما يرى المؤلف، لا يقوم بـ «تصدير» السكان ولكن أيضا «الانفعالات» والمشاعر. ويشير إلى أن السنوات الـ 15 الأخيرة شهدت زيادة كبيرة في «تعريب» الحركات السياسية ذات الإيديولوجية الإسلامية في آسيا. هذا إلى جانب تعزز دور هذه الحركات في بلدانها.
تجنب التعميمات والتبسيط
ويركّز المؤلف في تحليلاته على القول إنه لا ينبغي أبدا رؤية العالم عبر هذا المؤشّر وحده، إذ ليس من الحكمة اختزال التعقيد المأساوي للعالم إلى مجرّد «تعميمات مُبالغ بها» و«إجابات تبسيطية». ثم هناك تداخل الأحاسيس والانفعالات من خوف وأمل وخنوع حسب القارات والمناطق والبلدان، وأيضا وخاصة حسب الحقب. بتعبير آخر يوجد في أوروبا مثلا «جيوب» من آسيا إلى جانب «جيوب» من الشرق الأوسط، وتأثير بعضها «سلبي» بينما تأثير البعض الآخر «سلبي».
وبلد مثل استونيا الذي دخل منذ فترة وجيزة في حالة كساد اقتصادي «رسميا» بينما كانت حتى عام 2007 أحد أكثر البلدان دينامية في أوروبا مع زيادة في النمو الاقتصادي تصل إلى 10 بالمائة سنويا، أي ما يقارب المعدّل الذي حققته البلدان الآسيوية الصاعدة. وبهذا المعنى كانت استونيا، الواقعة في شمال أوروبا، تنتمي إلى «ثقافة الأمل»، حسب تصنيفات المؤلف، السائدة في آسيا، وليس إلى «ثقافة الخوف» السائدة في أوروبا. ثم إن أجواء التفاؤل السائدة في كندا بشمال القارة الأميركية وما يرافق ذلك من تقدم على المستويين الاقتصادي والاجتماعي يجعلها أقرب إلى مشاعر «الأمل» لدى بلدان آسيا المزدهرة مما هو إلى مشاعر «القلق» التي تسود لدى «جارتها» القوية، أي الولايات المتحدة الأميركية.
لكن في آسيا أيضا هناك ما يخالف مقولة «ثقافة الأمل»، ذلك أن نسبة الفقراء فيها هي من بين الأكثر ارتفاعا في العالم. وظاهرة العنف منتشرة في آسيا وأفغانستان ليست سوى أحد أكثر بؤره اشتعالا». ويشير المؤلف إلى أن مفاهيم جغرافية مثل تلك التي تحدد آسيا وأوروبا والشرق الأوسط إنما هي بجزء كبير منها توليفات مصطنعة. وآسيا هي نفسها «اختراع» غربي.
واليابانيون لا ينظرون إلى أنفسهم كآسيويين، لكن إذا كانوا يستطيعون تقليد الغرب بكل شيء فإنهم ربما لا يزالون يمثّلون الثقافة الأكثر «استعصاءً» على ذهنية الغرب. ويمكن للهند أن تمثل «منطقة وسيطة» بين أوروبا والصين وبين البوذية والإسلام. أما الصين فتعتبر نفسها مركز حضارة قائمة بذاتها ـ هذا إذا لم يكن الحضارة بالمعنى المطلق- وليس كجزء من مجموع أكبر.
الانتساب الجغرافي
والشرق الأوسط يمتد، حسب التعريف الأشمل، من المغرب إلى الباكستان وأفغانستان، لكنه يمثّل واقعا «مقسّما». وإذا كانت تركيا آسيوية من حيث جغرافيتها فإن أغلبية الأوروبيين ينظرون إلى نخبها على أنها مسلمة آسيوية بينما تنظر هذه النخب إلى نفسها بأغلبيتها، على أنها أوروبية وتريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. والطريقة التي ينظر فيها البعض إلى أنفسهم لا تمثل الواقع حقيقة. وإذا شاركت إسرائيل في المباريات الأوروبية لكرة القدم أو كرة السلّة، فهذا لا يعني أن أغلبية الأوروبيين يرون في هذا خطوة أولى لاندماجها داخل الاتحاد الأوروبي.
في المحصلة يؤكد المؤلف على وجود «انفعالات» سائدة حسب مجموعة من المعايير مما يسمح برسم نوع من «الخارطة» على صعيد العالم. هذا مع التأكيد على أن هذه الانفعالات هي، مثل الفصول، دورية ومرهونة بالثقافة أو بالأحداث التي خدمت كسياق لازدهارها. ويمكنها أن تكون نتاج عوامل موضوعية أو ذاتية.
كذلك يمكن للدور الذي تلعبه «الانفعالات» في السياق الراهن أن يجعل الصين والهند أكثر مقاومة للأزمة المالية الراهنة من أوروبا. وانتخاب باراك اوباما رئيسا لأميركا قد يخلق دورة من الانفعالات الإيجابية في بلاده وما تتم ترجمته بطريقة رؤية الأميركيين لأنفسهم ولبقية العالم.
اضاءة
يروي المؤلف حادثة مدرّسة إسرائيلية ذات أصل ألماني كانا يسيران معا في برلين أثناء فترة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فما كان منها سوى أن أخرجت من محفظة يدها جواز سفر ألماني وقالت له: «جواز السفر هذا هو تأمين حياة بالنسبة لي». ويشير بهذا الصدد أن عدد الإسرائيليين الذين تركوا إسرائيل للعيش في ألمانيا قد تضاعف منذ عام 2006 ليصل إلى 4000 شخص. ويضيف أنه بصورة أعم بدأت تنطرح بالنسبة لإسرائيل مشكلة «هجرة العقول».
الصفحات: 267
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: فلاماريون ـ باريس ـ نوفمبر 2008

