يتم تعريف العولمة على أنها النظام الذي أعقب نهاية الحرب الباردة، لكن العولمة تتناظر في أذهان الكثير من الناس مع «أمركة العالم»، على أساس أن الولايات المتحدة غدت هي القوة العظمى الوحيدة في العالم.

مع ذلك يبدو من «التبسيط» الكبير اختزال العولمة إلى الأمركة. فإذا كان النفوذ الثقافي الأميركي حاضرا في كل مكان بالعالم تقريبا، فإن آسيا هي اليوم بصدد التفوق على الغرب في الميدان الاقتصادي. والأزمة المالية العالمية الأخيرة تكشف عن الخلل «البنيوي» في الاقتصاد الأميركي، وما هو أبعد منه في الاقتصاد الغربي عامة. باختصار تشهد هذه المرحلة من العولمة «انتقال» القوة الاقتصادية من الغرب، بقيادة أميركا، إلى آسيا، وخاصة إلى الصين والهند، وتواكب ذلك الانتقال أيضا مع بروز التباين بين الشعارات الديمقراطية التي يرفعها الغرب وبين ممارساته.بالتوازي مع ذلك كله أخذت «الانفعالات» من ثقة بالنفس أو الأمل بالمستقبل أو الخوف أبعادا حقيقية في سلوكيات الدول والأمم، وأصبحت عاملا هاما في تحديد توجهاتها الجيوسياسية.

في عصر العولمة لا بد من أخذ الانفعالات والمشاعر في الحسبان من أجل فهم عالم اليوم المعقّد. هذه هي المقولة التي ينطلق منها مؤلف هذا الكتاب. ذلك على أساس أنها تعكس العولمة ولها تأثيراتها على الواقع الجيوسياسي وعلى الخيارات الجيوسياسية لمختلف الأمم والشعوب.

لكن ماذا تعنيه العولمة أولا؟

إن الكثيرين يجهلون طبيعتها، يقول لنا المؤلف كي يشير مباشرة إلى التعريف الذي قدّمه الأميركي «توماس فريدمان» لها على أنها النظام الدولي الذي أعقب نظام الحرب الباردة. لكن مع فارق أنها ليست «جامدة» مثله.

ويشير المؤلف إلى أن العولمة تعني للكثيرين أيضا «أمركة العالم»، فإذا كان نفوذ الولايات المتحدة قد تعاظم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فإنها غدت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 هي القوة العظمى الوحيدة في العالم. هكذا جرت عملية «الاندماج المتصاعد» للاقتصادات والثقافات حسب الشروط الأميركية. لكن بالمقابل غدت حركة الاحتجاج ضد العولمة مع تعاظم خطورة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية هي بنفس الوقت حركة ضد الرأسمالية مترافقة مع تزايد مشاعر العداء حيال الأميركيين.

معادلة العولمة والأمركة

ويرى المؤلف أنه من التبسيط الكبير معادلة العولمة مع الأمركة، ذلك أنه إذا كان النفوذ الثقافي للولايات المتحدة حاضرا في كل مكان وبأبعاد لا سابق لها، فإن الواقع يشير أيضا إلى أن آسيا هي بصدد تجاوز الغرب على الصعيد الاقتصادي. والأزمة المالية الراهنة، رغم عالميتها، تكشف وتعمّق أشكال الخلل البنيوي للاقتصاد الأميركي وفيما هو أبعد منه للاقتصاد الغربي.

ثم إن أميركا أظهرت قدرا كبيرا من غياب المسؤولية فيما يتعلق بإدارة ديونها. وقادتها سياساتها إلى طريق مسدود سيكون له أثره على الصعيد الجيوسياسي. أما المرحلة الراهنة من العولمة فيجد المؤلف أنها تعكس بلوغ القارة الآسيوية «سن الرشد» بينما ينتقل مركز الثقل الاقتصادي من الغرب نحو الصين والهند.

من جهة، هناك «الأمركة الثقافية» للعالم، ومن جهة أخرى الازدهار الاقتصادي لآسيا الذي يحمل بداخله «بذور» نهاية الاحتكار الطويل الذي مارسه «الموديل» الغربي. ويرى المؤلف أن السيطرة الغربية التي بدأت في نهاية القرن الثامن عشر وتعززت في أواسط القرن التاسع عشر مع انحطاط الصين ثم بلغت أوجها في النصف الأول من القرن العشرين، بدأت بالأفول. إنها الدورة التاريخية لازدهار الإمبراطوريات وسقوطها، كما يقول المؤرخون.

هناك إذن تعددية قطبية في العالم اليوم، لكنها تعددية قطبية قائمة على «عدم التكافؤ» بين القوى الرئيسية وليس فقط على مستوى القوة والنفوذ ولكن أيضا على مستوى النظرة للعالم. فإذا كانت أميركا وأوروبا لا تزالان تنظران إلى القضايا الكونية على ضوء «فكر معياري» قائم على القول بقيم كونية ـ يونيفرسال ـ فإن الصين والهند، بل وروسيا ما بعد الشيوعية، تبدو أقل اهتماما بما ستؤول إليه أمور العالم، وما ينبغي أن يكون عليه، مما هو الاهتمام بمواقعها في لعبة موازين القوى العالمية. بالتالي يتم التأكيد على أن البترول والغاز الروسيين لهما مهمة رئيسية هي إعادة تعزيز مكانة روسيا وشرعيتها في النظام الدولي.

صين ما بعد ماو

كذلك عرفت الصين في فترة ما بعد ماو تسي تونج كيف تتبنّى نهجا يتسم بقدر كبير من الحس العملي. لقد حققت بذلك ازدهارا اقتصاديا هائلا دون الديمقراطية وأيضا دون تطوير دولة القانون. بنفس الوقت فقدت الديمقراطية الكثير من مكانتها في بقية مناطق العالم، الأمر الذي يفسّره المؤلف بسالاستخدام التضخمي» الذي لجأت إليه إدارة جورج دبليو بوش في محاولتها لتبرير الطموحات الجيوسياسية للولايات المتحدة. ولا يتردد في القول أن التباين الكبير بين الشعارات التي ترفعها أغلبية البلدان الغربية، وغير الغربية، وبين ممارساتها، تفسّر إلى حد ما سبب تحوّل القوّة من أميركا نحو آسيا.

في مثل هذا السياق سيكون «الموديل الغربي» هو الضحية الأولى للتضافر بين فقدان الديمقراطيات بنموذجها الحضاري وبين تعزز سلوكيات الأنظمة الاستبدادية عبر الجمع بين النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي.

إن التحلّي بالديمقراطية وحدها لا يمكن أن يعوّض الانحسار الاقتصادي. والغرب الذي كان الجميع يعترفون بستفوّق قيمه» منذ أقل من عشرين سنة عند انهيار جدار برلين في 9 نوفمبر من عام 1989، لم يتوصّل إلى إخفاء واقع التلكؤ الاقتصادي الذي عرفته بعض بلدانه الرئيسية، وفي مقدمتها ألمانيا بعد إعادة توحيدها.

أمام مثل هذا الواقع، يرى المؤلف أنه قد يمكن تفسير عدم قدرة الغرب الاعتماد اليوم على «قيمه» ولا على «اقتصاده»، بعودة لعب «الانفعالات» و«المشاعر» لدور جيوسياسي. فهذا الغرب يتصرف على قاعدة الإحساس بالمرارة والرغبة في حماية عالمه «المفتوح» ضد من يرى بهم «قوى معاديةس. فلماذا أصبح العالم المعولم أرضا خصبة لازدهار الانفعالات؟

الإجابة الأولى التي يقدمها المؤلف على هذا السؤال تعيد ذلك إلى كون أن «العولمة تخلق غياب الأمن وتساعد على بروز مسألة الهوية». وفي العالم الذي لا حدود له والذي يعرف حالة من التبدّل المستمر تتعاظم أسئلة من نوع: من نحن؟ ومن أنا؟ ذلك أن الهوية لها علاقة وطيدة مع الثقة. هذه الثقة ـ أو غيابها ـ يتم التعبير عنها بواسطة الانفعالات والمشاعر مثل الأمل أو الخنوع أو الخوف.

عبور الأسواق والحدود

قد يمكن تعريف العولمة على أنها تكامل النشاطات الاقتصادية من خلال الأسواق وعبر الحدود. أما القوى القائدة فيها فتتمثل في التبدلات التكنولوجية والسياسية، بالمعنى الواسع للكلمة، والتي تقلّص نفقات النقل وتشجّع ازدياد الثقة بالأسواق. لكن هناك «حرية انتقال» مختلف الانفعالات، الإيجابية منها مثل الطموح والتعبير عن الذات، والسلبية خاصة تلك التي تؤدي إلى الضغينة بين الأمم والمجموعات الدينية أو الاثنية. هكذا غدا الإرهاب هو الوجه المأساوي والقاتم للعولمة.

هنا يفتح المؤلف قوسين ليشير بوضوح إلى أنه لا يريد القول أن الإرهاب هو نتيجة مباشرة للعولمة. ذلك أن الإرهابيين اجتازوا دائما الحدود لتنفيذ عملياتهم، وتاريخ أوروبا في القرن التاسع عشر شاهد على ذلك. لكن الجديد يكمن اليوم في النتائج التي ترتبت على ثورة النقل والاتصالات وكان لها آثارها على إستراتيجيات الإرهابيين و«تكتيكاتهم». فهذه التكنولوجيات الجديدة خلقت عالما «لم يكن فيه عدد قليل من البشر قادرين على إلحاق الأذى بهذا القدر الكبير من الناس»، كما ينقل المؤلف ما قاله ذات يوم رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشرشل.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أنه منذ اللحظة التي فقد فيها الغرب سيطرته على وسائل الإعلام، أصبح يتم تقديم الأحداث والنزاعات من وجهات نظر مختلفة. هكذا عندما قامت إسرائيل بغزو جنوب لبنان عام 2006 قدّمت قناتا الجزيرة و«سي.بي.اس» التلفزيونيتان «حربين مختلفتين».

بالتالي أصبح بمقدور أي شخص ليس فقط متابعة «الأحداث» مباشرة وبصورة مستمرة ولكن أيضا متابعة «انفعالات» متباينة يجري الكشف عنها «مباشرة» أمام جمهور المشاهدين. وفي الوقت الذي وصلت فيه المسلسلات التلفزيونية الأميركية إلى أقصى الأماكن النائية في العالم حيث يشاهدها مئات الملايين من البشر، أدرك الفقراء بنفس الوقت الطريقة التي يعيش فيها الأثرياء. هكذا لم يكن مجرّد صدفة أن يحاول كثيرون من الفقراء المغامرة بحياتهم في سعيهم للوصول إلى «فردوس» الأغنياء.

أما الذين بقوا في بلدانهم فقد تعاظم لديهم الإحساس بالضغينة حيال أولئك الذين يتجاهلونهم في بلدان الوفرة. وإذا كان بمقدور هؤلاء الأغنياء الاستمرار بتجاهل المآسي التي يعرفها العالم فإن ذلك يكون بمثابة «اختيار عليهم أن يتحملوا المخاطر المترتبة عليه». ذلك أن «عدم الفعل هو فعل أيضا»، كما ينقل المؤلف عن الفيلسوف جان بول سارتر. ذلك بمعنى أن عدم التدخل اليوم من أجل تخفيف آلام العالم، يعني المساهمة فيها.

الغرب أكثر هشاشة

ويرى المؤلف أن العولمة قد خلقت أجواء ل«المقارنة» مما جعل الغرب يبدو أكثر هشاشة. ويشير في معرض المقارنة مع فترة الحرب الباردة إلى أن مصدر التهديد كان يتمثل في خطر الإبادة النووية ولكنه لم يكن مرئيا عمليا بحيث أنه لم يكن يثير الكثير من الانفعالات، بل وكان «مطمئنا» في ظل سلام «توازن الرعب» و«التدمير المتبادل المؤكّد».

إنّ الصورة مختلفة اليوم إذ جرت «خصخصة العنف» وغدا من زاوية بعده الإرهابي يثير مشاعر الإحساس بعدم الأمن وبالهشاشة وبالخوف. وغدا السؤال الذي يتردد على أذهان الغربيين هو: ما هو العالم الذي سوف نورّثه لأطفالنا؟ وسؤال آخر: ألن يؤدي تضافر التزايد السكاني الكبير ـ حوالي 9 مليار نسمة في أفق عام 2050 ـ مع ندرة موارد الطاقة والسلع الغذائية إلى تعاظم التوترات في العالم إلى الحد الأقصى، بل وإلى حروب من أجل البقاء؟

وتتمثل إحدى الأفكار الرئيسية التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب بالقول أنه إذا كان القرن العشرون هو قرن أميركيا وقرن الإيديولوجيات فإن مؤشرات كثيرة تدعو إلى الاعتقاد أن القرن الحادي والعشرين سوف يكون قرن آسيا وقرن الهويات. ثم إن مثل هذا الانزلاق بالتوازي من الإيديولوجيا إلى مسألة الهوية ومن الغرب نحو الشرق يعطي أهمية أكبر للانفعالات والمشاعر وأكثر من أي وقت مضى فيما يخص رؤية العالم.

رأى القرن العشرون العالم عبر أنماط ـ موديلات- سياسية متعارضة فيما بينها من اشتراكية ورأسمالية وفاشية. لكن مسألة الهوية تحل اليوم محل الإيديولوجيا. فالتأكيد على الهوية في عصر العولمة الكونية أصبح رهانا جوهريا. ويترتب على هذا أن يصبح للانفعالات دورا حاسما في تحديد النظرة إلى الآخر.

خارطة الانفعالات

وبغية ترجمة هذا الدور على الصعيد الجيوسياسي يقيم المؤلف نوعا من «خارطة الانفعالات» على شاكلة خرائط مصادر الثروة والمصالح. ومن المعروف أن سلوك الأمم والإمبراطوريات كان محكوما على الصعيد الجيوسياسي بموقعها الجغرافي. فالقوة البحرية البريطانية مثلا كان لها سلوك مغاير عن روسيا، القوّة البرية.

لكن الجغرافيا فقدت اليوم في عصر التكنولوجيات دورها الحاسم. ويؤكد البعض أن النزاعات بين الأمم تجد تفسيرها في الصراع بين نماذج ثقافية وحضارية، أو ما يُعرف بسصدام الحضارات». مؤلف هذا الكتاب له تحفظاته الكبيرة على أطروحات «هنتنغتون» ويرى أنه «خلط» بين مفاهيم الثقافة ومفاهيم السياسة. فالديمقراطيون ليسوا في الغرب وحده. ثم ليس هناك ما يوحي بوجود أقل مؤشر على وجود تحالف بين آسيا والعالم الإسلامي ضد الغرب، كما يشير السيد هنتنغتون.

ويرى المؤلف أنه في الوقت الذي قبلت فيه الصين والهند، القوتان الصاعدتان، العالم كما هو دون أن تتصرفا ك«قوتين ثوريتين غير مسؤولتين وخطيرتين»، فإن أميركا ـ بوش وروسيا ـ بوتين، ميدفيديف، أظهرتا طبيعة «ثورية»، ليس فقط على أساس عوامل إمبريالية وإيديولوجية مثل السابق، وإنما على خلفية إحساس روسيا باستعادة الثقة بالنفس وإحساس أميركا بتفوقها العسكري كقوة عظمى ذات قيم ديمقراطية متميزة. ويصل المؤلف في هذا النهج من التحليل إلى القول أنه عندما قبلت أميركا الأوضاع في الشرق الأوسط عبر غزوها للعراق، وغيّرت روسيا المعطيات في القوقاز لتأكيد «موقعها الإمبريالي»، فإنهما تتشابهان أكثر بكثير من الاعتقاد السائد.

إن المؤلف وعبر التركيز على دراسة دور الانفعالات والمشاعر من خوف وثقة بالنفس وإحساس بالقوة وأمل وخنوع، يصل إلى نتيجة مفادها أن واقعا جيوسياسيا جديدا يرتسم في العالم ويلخصه بالجملة التالية: «غدت العلاقة مع الآخر، في عصر العولمة، جوهرية أكثر من أي يوم مضى».

الصفحات: 267

الكتاب: جيو سياسة الانفعال

تأليف: دومنيك مويزي

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: فلاماريون ـ باريس ـ نوفمبر 2008