أكد الكاتب الصحافي الشهير في صحيفة « نيويوركر» الأميركية واسعة الانتشار سيمور هيرش،على أن هناك اختلاف جذري في إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إدارة سلفه بوش، معربا عن اعتقاده بان الرئيس اوباما يرتكب خطأ فادحاً في أفغانستان وباكستان، حيث أن هذه الحرب لا يمكن كسبها بالحرب والقصف والقوة المفرطة.
وأعرب هيرش في لقائه الخاص مع البيان على هامش ملتقى الإعلام العربي في دورته الثامنة التي عقدت في دبي عن قلقه الشديد على أوضاع الفلسطينيين بقدر قلقه على أوضاع العراقيين.
واعتبر هيرش الذي يعتبر أول صحافي استقصائي يتعامل مع قضايا كبرى من نوع مجزرة ماي لاي في فيتنام مروراً بفضيحة كندي وقضية السلاح النووي الإسرائيلي وصولا إلى فضيحة سجن أبو غريب العراقي، أن تنظيم القاعدة هو منتج أميركي صرف.
وهيرش صاحب القصة الخبرية التي تفيد بأن مكتب نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني هو الذي يقف وراء الكثير من عمليات الاغتيال في الكثير من دول العالم وهو المسؤول عن مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وذلك بالتعاون أو معرفة، على أقل تقدير، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، أكد في المسالة الإيرانية أن الرئيس أحمدي نجاد لا يتمتع بالقوة الكافية في بلاده كما نعتقد، معتبرا أن الحرس الثوري هو الذي يسيطر على برنامج الصواريخ، ولو كان هنالك برنامج للتسلح، مشددا في ختام حواره مع البيان على قدرة دول الخليج الحفاظ على التوازن في المنطقة.
وفيما يلي نص الحوار:
أخطر قرارات الرئيس باراك أوباما هو إبعاد جماعات الضغط «اللوبيات» عن البيت الأبيض، هل هي خطوة تؤشر إلى تغيير قوانين اللعبة في مواقع صنع القرار الأميركي أم أنها فصل جديد أشد خطورة في مباراة استعراض القوى بين البيت الأبيض والكونغرس الذي يعتبر قاعدة صلبة للوبيات؟
قوى الضغط حاضرة دائما في كافة الميادين في الولايات المتحدة. وأنا أدرك أن المقصود هنا هو ال«لوبي» الإسرائيلي، لكن هناك جماعات ضغط أخرى متعددة مثل جماعة الضغط الهندية وغيرها.
تلك الجماعات مارست تأثيرا كبيرا على إدارة بوش وحصلت على قرارات وتشريعات معينة تصب في مصلحتها. ويمكن القول بشكل صريح إن المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة لم يستحسن ما قامت به إسرائيل من قصف غزة وقتل الناس هناك. في البداية أبدى اليهود بعض التأييد لإسرائيل، لكن ذلك التأييد سرعان ما تلاشى عندما ظهرت الصورة بشكل واضح بعد أيام قليلة على الحرب وذلك ليس غريبا، ذلك أنه حتى داخل إسرائيل كان هناك من يقف ضد ذلك القصف.
أوباما لغة الجديدة
يبدو أن السياسة الأميركية لم تختلف كثيراً بعد مجيء أوباما، وذلك لأن المؤسسات هي التي تحكم في الولايات المتحدة؟
هذا غير صحيح، فإدارة أوباما تختلف جذرياً عن إدارة بوش وخصوصاً فيما يتعلق باللغة الجديدة التي يستخدمها الرئيس ألأميركي. وبالتالي، فإننا نقف أمام خطاب جديد ومغاير، حتى إن عملية استخدام المصطلحات بدأت تختلف، فبينما كان دارجا استخدام مصطلح «محور الشر» عند الحديث عن إيران، أصبح يستخدم عوضا عنه مصطلح أو تعبير جمهورية إيران الاسلامية.
وذلك يعود، في المقام الأول، إلى أن أوباما يفهم العالم الإسلامي لأنه أمضى جزءاً لا بأس به من حياته في أندونيسيا عندما كان شاباً، وذلك على عكس الرؤساء الأميركيين الآخرين، الذين لم يفهموا العالمين العربي والإسلامي أو أنهم فهموه بصورة سطحيةً. بوش لم يكن لديه حب للاطلاع وما كان يملك رغبة في معرفة الآخر بينما أوباما على العكس منه، فضلا عن أن الأخير أكثر ذكاءً وحساسية وثقافة من بوش.
الرئيس أوباما يرتكب خطأ فادحاً في أفغانستان، ذلك أن هذه الحرب لا يمكن كسبها بالحرب والقصف والقوة المفرطة، ولن يجدي إرسال 21 ألف جندي إلى أفغانستان بينما عززت طالبان قواتها بنحو 17 ألف مقاتل آخرين، وبذلك، فإن أوباما يقع في الفخ نفسه الذي وقع فيه بوش وهذا يعني أنه في طريقه إلى الجحيم، وهو الأمر نفسه الذي يحدث في باكستان حالياً. أما بخصوص العراق، فقال هيرش إن العراق على حافة حرب عرقية جديدة.
لغاية اللحظة لم يظهر للعيان أية خطوة من جانب إدارة أوباما باتجاه تحريك عملية السلام في الشرق الأوسط باستثناء تسريبات إسرائيلية عن ضغوط أميركية لتعديل مبادرة السلام لجهة إلغاء حق عودة اللاجئين للفسلطينيين؟ هل تعتقد أن رؤية بوش « حل الدولتين» هي رؤية أوباما أيضا؟
تعلمان أني لست متخصصاً أو خبيراً بهذا الشأن.
نحن نسألك عن رأيك كمراقب؟
في هذه الحالة أقول إن أوباما قام بتثقيف نفسه بدرجة كافية تمكنه من فهم أبعاد القضية الفلسطينية على حقيقتها. وأنا أرى أنه يوليها قدراً كبيراً من الأهمية. لكنني قلق على أوضاع الفلسطينيين بقدر ما أنا قلق على أوضاع العراقيين أيضا.
قلق حول العراق
ما الذي يقلقك بشأن العراقيين؟
مصدر قلقي يأتي من أن العراقيين دخلوا مرحلة خطيرة من التقوقع حول انتماءاتهم الطائفية والمذهبية، بين سنة وشيعة، وغيرها. وأنا قلق من حزب البعث واحتمال عودته إلى الحكم، لأن هناك مليون منتم لهذا الحزب في الماضي القريب وربما تأتي هذه الخشية من تردي الأوضاع الحالية وعدم تمكن القادة الجدد من حكم العراق وإدارة دفة الدولة.
هناك عدد كبير من المهجرين العراقيين الذين يقدر عددهم بالملايين وهم موزعون بين سوريا والأردن ومصر ودول أخرى وينتظرون العودة إلى وطنهم في أقرب وقت ممكن. الطامة الكبرى تكمن في أن أحدا لم يعد يتحدث عن المصالحة الوطنية بين العراقيين، التي كان الحديث عنها جارياً في عهد إدارة بوش. هناك حكومة شيعية ومعارضة سنية وهناك الأكراد كذلك. والسياسة العراقية تقف على الحدود الخطرة لهذا الخضم من الجذابات.
ما مدى صحة ما يقال عن وقوفك الدائم إلى جانب السياسة السورية؟
«يضحك». ما كتبته عن سوريا أكدت فيه أن الرئيس بشار الأسد طور أدواته السياسية وأصبح قائدا أفضل يتمتع بثقة أكبر. ولا ننسى أن هذا الرجل سمح للكثير من المهجرين العراقيين بأن يعيشوا في بلده. أعتقد أن الأميركيين أساؤوا تقدير سياستهم تجاه سوريا، كما أعتقد أنه من الأفضل جذب سوريا إلى محادثات السلام في المنطقة.
وأن الأسد لديه الاستعداد الكامل لقيادة عملية السلام. إنه يرغب في الحديث مع الإسرائيليين بينما يبدو قادرا على التفاهم مع الإيرانيين. ولا يزال بشار الأسد مهتماً بالمفاوضات رغم أن إسرائيل «تفعل كل شيء ممكن لتقويض احتمالات السلام». وفي هذا السياق، يرى الرئيس الشاب أنه من الضروري قيام الولايات المتحدة بدور بارز وفعال في عملية السلام في الشرق الأوسط.
هل يمكن الحديث عن انجازات حققتها الإدارة ألأميركية السابقة في حربها على ما تسميه الإرهاب؟
كما تعلمون، فإن إدارة بوش حاولت التصدي لتنظيم «القاعدة» ومحاربته، لكنها لم تتمكن من فهم مسألة معقدة لغاية تتعلق بالمصادر التي تستمد القاعدة قوتها منها، مثلما عجزت عن إدراك الأبعاد الحقيقية لاتساع رقعة انتشاره.
«القاعدة» منتج أميركي
هل تؤمن حقاً بوجود «القاعدة»؟
لا، أعتقد أن «القاعدة» عبارة عن منتج أميركي لا أكثر ولا أقل. وتعاطف العالم العربي والإسلامي مع أسامة بن لادن وأنصاره يأتي من الايمان بالديانة الإسلامية ليس إ.كيف تتصور الولايات المتحدة عدوها؟
كما قلت سابقا، فإن الأميركيين أخطؤوا في فيتنام والعراق وللأسف الشديد أننا لم نتعلم من دروس الماضي. نحن في أمريكا نتمتع بقدرات هائلة على «هتلرة» الآخرين. لقد كان لدينا في كل مرحلة هتلر معين تتم عملية تناسخه حسب الطلب حتى أن عدد أعدائنا بلغ العشرات منذ ظهور هتلر الحقيقي. خروتشيف، ماو، وستالين طبعا، وكذلك القذافي كان هتلر بالنسبة لنا لبعض الوقت، والآن لدينا هذا الشخص أحمدي نجاد. وحقيقة الأمر أن الرجل لا يتمتع بالقوة الكافية في بلاده كما يحلو لنا أن نعتقد ذلك، فالحرس الثوري لديه سيطرة مباشرة على برنامج الصواريخ، ولو كان هنالك برنامج للتسلح، فسيكون الحرس الثوري هو الجهة التي تديره. وليس أحمدي نجاد.
الولايات المتحدة لا تفكر بإعادة بناء العراق
هل تفكر الولايات المتحدة بإعادة تأهيل العراق من جديد وإصلاح ما دمرته آلتها العسكرية؟
هذه المسألة معقدة للغاية ولا أعتقد أن الولايات المتحدة تفكر بإعادة بناء العراق، مع أن الجميع يتذكر كولن باول حين قال إذا أنكسر شيء يجب إصلاحه. لكن بوش خدع العالم كله من أجل تحطيم العراق.
وهل تعتقد أن أوباما قادر على حلّ المشكلات التي تواجه العراق؟
لا أعتقد ذلك، لأن لأوباما مشاغل عديدة وخاصة فيما يتعلق بالأزمة الاقتصادية، التي من شأنها أن تشل تفكيره بإعادة بناء العراق وغير ذلك، فضلا عن وجود ما يُسمى دول الجوار مثل سوريا وإيران وما ينتج عن ذلك من مشاكل. والعراقيون لا يحبون الإيرانيين لأنهم يتدخلون في شؤونهم الداخلية. وكل ذلك مصدر قلق واضطراب.
الخليج والتحديات
هل تعتقد أن دول الخليج قادرة على مواجهة التحديات في المنطقة؟
أعتقد أن دول الخليج بمقدورها الحفاظ على التوازن في المنطقة، وأن لها علاقات تجارية ومصالح مشتركة مهمة جدا مع الإيرانيين. ولا أعتقد أن هذه الدول، التي تتسم سياستها بالاعتدال والتوازن، تسعى إلى خلق المشاكل مع إيران. وربما إيران هي التي تسعى إلى اختراق هذه الدول، لكن الولايات المتحدة تسعى إلى تهدئة التوترات في المنطقة بهذا الشأن.
كما قلت الإدارة الأميركية اقترفت الكثير من الأخطاء، هل يمكن أن يأتي اليوم الذي تُحاسب رموزها على تلك الأخطاء الكبيرة؟
إن استمرار الحرب في كل من العراق وأفغانستان وتأثيرات الأزمة الاقتصادية لا يتيح الفرصة للتفكير بمحاسبة بوش وإدارته في اللحظة الراهنة.
حوار-باسل أبو حمدة و شاكر نوري
