يشير كارتر في معرض تقديمه لما يصفه بأجندة من أجل السلام إلى أنه رغم كل الأخبار غير المشجعة يوجد بعض التطورات الإيجابية في المنطقة يجب أخذها في الاعتبار. فقد أعاد القادة العرب على التأكيد على مبادرتهم التي قدموها عام 2002 الخاصة بالسلام مع إسرائيل، وتقوم على الاعتراف الدبلوماسي بإسرائيل وعلاقات اقتصادية طبيعية مقابل قبول إسرائيل لكافة قرارات الأمم المتحدة، وأنه يمكن التوصل إلى أي خلافات أو تعديلات من خلال محادثات مباشرة وجادة على كل المسارات.
ومما مثل دعما للمبادرة، حسب المؤلف، دعم كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة للمبادرة. هذا فضلا عن وصف الزعماء الإسرائيليين العرض العربي بأنه يمثل نقطة يمكن البدء منها. كما حظيت المبادرة عام 2003 كذلك بتأييد كل الدول الإسلامية الخمس وسبعين بما في ذلك إيران التي أيد رئيسها آنذاك محمد خاتمي المبادرة. وقد انعكست هذه المواقف في تأكيد الرئيس عباس على حيوية المبادرة وأنه إذا تم نسفها فإنه لا يعتقد بأن فرصة جيدة للسلام يمكن أن تسنح ما يشير إلى ما تمثله المبادرة كحجر زاوية في أي اتفاق سلام.من هذا الأساس ينطلق المؤلف في عرض ما يراه أجندة متكاملة للسلام في الفصل الأخيرة من كتابه مستعرضا مواقف ورؤى الأطراف المختلفة.
سوريا: يذكر كارتر أنها تعتبر مفتاحا أساسيا للتوصل إلى سلام شامل في المنطقة، رغم رفض الرئيس بوش مساندة محادثات السلام السورية الإسرائيلية بشأن مرتفعات الجولان أو حتى انخراط سوريا في على أساس ثنائي. غير أن كارتر يرى أن المفاوضات السورية الإسرائيلية التي جرت برعاية تركية تعد بمثابة دليل على أن الطرفين راغبين في البحث عن حل لخلافاتهما.
وفي محاولة لتلمس جوانب إيجابية من تحقق السلام على المسار السوري يذكر كارتر أنه حال حدوث ذلك فإن نفوذ السوريين يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على الأوضاع في لبنان. وهنا يؤكد على حيوية التوصل إلى حل بشأن مرتفعات الجولان من أجل السلام الإقليمي، رغم تحفظ الإسرائيليين على أي اتفاق يمكن أن يجعل الحدود الإسرائيلية مع سوريا هشة وعرضة للتهديد.
أسس المسار السوري
ويوضح المؤلف أن المبادئ المتعلقة باتفاق يقوم على انسحاب إسرائيلي معروفة منذ كان يجري مشاورات مع قادة المنطقة منذ أكثر من عشرين عاما مع الرئيس حافظ الأسد وإسحاق شامير. وقد تمثلت الشروط العامة في: قوة متعددة الجنسيات ومنطقة عازلة في الجولان من أجل الحيلولة دون انتهاكات تتعلق بعبور الحدود، فضلا عن وجود نظام للإنذار المبكر وأن بنود السلام الإسرائيلي مع سوريا يجب أن تتوافق مع ما جرى على المسارين المصري والأردني.
وكنتيجة للمفاوضات بين 1994 و2000 فإن الطرفين وافقا على معظم القضايا الرئيسية وأودعا تأكيدات غير موقعة لدى الخارجية الأميركية. وطبقا للوسطاء الأتراك فإن الولايات المتحدة سحبت معارضتها للمفاوضات السورية الإسرائيلية في يونيو عام 2008 رغم استمرار تحفظها عليها. ولعل ذلك ما دفع الرئيس الأسد إلى الإعلان في سبتمبر عن أن المحادثات مع إسرائيل جرى تأجيلها إلى ما بعد وصول قيادة أميركية وإسرائيلية جديدة.
لبنان: لقد ورثت الحكومة اللبنانية حالة عدم الاستقرار وتأثيرات الحرب الإسرائيلية اللبنانية خلال يوليو 2006 على نحو جعل من هذه الدولة المضطربة عاملا إيجابيا في السلام الإقليمي. غير أن حالة من الهدوء النسبي سادت البلاد منذ تولي رئيس جديد السلطة هناك وهو ميشيل سليمان والذي انتخب في مايو 2008، في ظل وضع تراجع معه النفوذ السياسي السوري، مما يوفر الأمل بأن انتخابات 2009 فرصة لتحقيق السلام الداخلي الذي طال انتظاره وهو ما يعني أن فرصة السلام مع إسرائيل قائمة إذا ما جرى إحلال السلام مع الفلسطينيين.
من بين العوامل الإيجابية الأخرى حسب رؤية كارتر اتفاق يوليو 2008 بين إسرائيل وحزب الله من أجل إطلاق الدفعة الأخيرة من أسرى الحزب في إسرائيل وتبادل رفات القتلى من الجانبين.
ويتطرق إلى قضية مزارع شبعا التي يذكر أنها تمثل جوهر النزاع بين لبنان وإسرائيل في الفترة الحالية رغم ضآلة مساحتها وأهميتها الإستراتيجية حيث تطل على مرتفعات الجولان السورية وتسيطر على المرور على الطرق إلى مواقع إسرائيلية. ويشير كارتر إلى أنه بغض النظر عن الجدل الحاصل بشأن تبعية مزارع شبعا هل هي لسوريا أم للبنان، فإنه في ضوء إقرار الأولى بأنها أرض لبنانية فإن هذا يعني أن إسرائيل يجب أن ترحل عنها دون تأخير. مقابل تعهد حزب الله بعدم استخدام المنطقة في الاعتداء على إسرائيل.
حدود الدور المصري
مصر: يشير كارتر إلى أن قادة مصر يشعرون بحالة من الرضا عن وضعهم في المنطقة في ظل تمتعهم بالفوائد التي جنوها من معاهدة السلام مع إسرائيل والمساعدة المالية الأميركية. ويضيف أن مصر تلعب الآن دورا محدودا وإن كان مفيدا كوسيط في إطار النزاع الفلسطيني الداخلي بين الفصائل الفلسطينية وكذلك بين حماس وإسرائيل في مجال تبادل الأسري وفي مجال إدارة الحدود الجنوبية مع غزة، ورعاية اتفاق وقف النار بين الجانبين. ويبدو المصريون حريصين على تأكيد عدم مسؤوليتهم عن إدارة الأمور في غزة وعدم السماح بأي قلاقل تقع من جانبهم.
فلسطين: يشير كارتر بالنسبة لهذا الجانب الذي يعد أساس الصراع العربي الإسرائيلي إلى أنه في مناسبات عامة عديدة وبالنسبة له شخصيا، فإن قادة حماس عرضوا قبول أي اتفاق سلام يتم التوصل إليه عبر المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية إذا ما جرى الموافقة عليه عبر استفتاء عام من قبل الفلسطينيين، أو من قبل حكومة منتخبة حرة. ورغم أن حماس تفضل اتفاقا لوقف النار أكثر شمولية مع إسرائيل يشمل الضفة الغربية فإن الاتفاق قاصر على غزة ساهم في الحد من العنف بوقف الهجمات بالصواريخ على إسرائيل والهجمات الانتقامية على غزة من قبل هذه الأخيرة.
ويشير كارتر إلى أنه يوجد مساندة كبيرة لحكومة فلسطينية موحدة كما وضح من استطلاع الرأي الذي أجرى في الضفة وغزة سبتمبر 2008، والذي كشف عن أن نحو 87% من الفلسطينيين يريدون استقالة الحكومة الحالية من أجل إحلالها بحكومة وحدة وطنية، الأمر الذي يعد مطلبا حيويا وخطوة أولية نحو محادثات سلام شاملة. ويؤكد المؤلف على أنه في حال غياب حكومة فلسطينية موحدة فإنه يوجد زعيم معتدل يتمتع بالقبول الدولي هو محمود عباس المعترف به من قبل الغالبية من الفلسطينيين كرئيس يمثل قضيتهم في مفاوضات السلام مع إسرائيل.
ويوضح كارتر أنه ربما إذا ما تم إطلاق سراح مروان البرغوثي من الاعتقال من قبل إسرائيل فإنه قد يكون الزعيم الأكثر مقبولة من قبل مختلف الأطراف الفلسطينية والأكثر فعالية في محادثات السلام مع إسرائيل. ويوضح أنه يوجد مساع ضعيفة من أجل رأب الصدع بين فتح وحماس غير أن العداء المشترك بين الجانبين والمعارضة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل تحولان دون نجاح مثل هذه المساعي.
غموض الموقف الإسرائيلي
إسرائيل: هنا يذكر كارتر أن الفرضية القائمة على أن السلام الحقيقي والأمن مقابل إعادة الأراضي للفلسطينيين أمر يعد مقبولا من قبل الأغلبية المؤثرة في إسرائيل ولكن ليس بالنسبة للأقلية من القادة المحافظين الذين لسوء الحظ ـ حسب تعبير كارتر ـ يلقون المساندة من قبل القادة اليهود الأميركيين ذوي الصوت العالي.
ويضيف إن القرار العام الذي يجب اتخاذه سواء كان الهدف الفعلي في الأرض المقدسة هو حل الدولتين كما جرى تقديمه على أنه التزام رسمي من قبل إسرائيل والولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن أي تحركات خطيرة محتملة نحو حل الدولة الواحدة يجب أن تنتهي، بما يعزز فرص إمكانية إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة تتمتع بالتواصل الجغرافي بين أراضيها وقابلة للحياة.
يقول كارتر: إنني معتاد على الجدل الحاد والأفعال المتطرفة بالغة العنف في الشرق الأوسط التي يتم ارتكابها ضد المدنيين الأبرياء وأتفهم الخوف السائد بين الكثير من الإسرائيليين المتعلق بالتهديدات التي ما زالت موجودة ضد أمنهم بل وحتى وجودهم كدولة.
ويضيف أنه لسوء الحظ فإن مستويات كبيرة من العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين تواصلت مع إطلاق طرف هجمات وقيام الطرف الآخر بالرد. وكما هو متوقع فإن كلا الطرفين يشيران إلى أنهما إنما يردان على هجمات تعرضا لها.
وقف العنف
غير أنه يوضح أنه يوجد دليل دامغ بأن وقف العنف أمر غير ميئوس منه عندما تسود الرؤية الخاصة بالسلام، وإن كان يؤكد على صعوبة استئصاله كلية، انطلاقا من رؤيته بأنه يوجد أعمال عنف محدودة خلال مختلف الأوقات بما فيها تلك التي يتم فيها إرساء السلام. ويستشهد في ذلك بأنه خلال فترة اتفاقيات كامب ديفيد وتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية كان هناك عنف، وكذا خلال مؤتمر مدريد وخلال أوسلو وفيما بعد خلال الانتخابات الفلسطينية في 1996 و2005 و2006.
ويوضح أنه يعرف من خلال خبرته الشخصية أن تأثير حكومته محدود ولكن لا يوجد أمل من أجل الانسجام والاستقرار الإقليمي ما لم تلعب الولايات المتحدة دورها الزعامي من خلال تقديم مقترحات بناءة تتضمن المكونات الأساسية ومنها قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وخريطة الطريق الخاصة باللجنة الرباعية واتفاق أوسلو ومبادرة السلام العربية التي تم تبنيها من قبل الدول الإسلامية واتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة جنيف. وفي وقت ما أو آخر، فإن كلا من إسرائيل والفلسطينيين قبلوا هذه الشروط الأساسية المماثلة.
ومن الواضح إن اهتماما كبيرا يجب أن يتم إبلاؤه للمخاوف الخاصة التي تنتاب كل طرف، ولكن يوجد الآن فرصة ذهبية بتحقيق نوع من الانسجام عبر مفاوضات تقوم على النوايا الحسنة من الطرفين. ومن أجل الحفاظ على ديمومة أي اتفاق يتم التوصل إليه يرى كارتر أنه يجب أن يثبت أنه يحقق الفائدة لطرفيه، معتبرا أن العوامل الحيوية في ذلك تتمثل في السلام والأمن والتي إذا ما تم إقامتهما في الأرض المقدسة فإن ذلك سيخفف من حدة التوتر والتهديد الذي يمثله العنف.
ويضيف أن التسوية على الصعيد العربي الإسرائيلي قد تلقي بتأثيرها بالنسبة للملف النووي الإيراني على نحو قد يقنع قادة طهران بالتخلي عن طموحهم الخاص وخططهم الانتحارية.
وبالإضافة إلى مساندة تسوية قضية النزاع على الجولان، فإن الولايات المتحدة يمكنها أن تبدأ جهد سلام شامل بين إسرائيل والفلسطينيين ولكن هذا يمكن أن يحدث فقط إذا ما أراد الرئيس التعاطي مع هذه القضية المعقدة وبالغة الحساسية بشجاعة ومبكرا في فترة حكمه الأولى. ويوضح أن الخطوة الأكثر صعوبة هنا تحديد وإقرار الحلول الصعبة التي يجب القيام بها من قبل الإسرائيليين والفلسطينيين وحينئذ استخدام الإقناع والإغراءات من أجل التوصل إلى الأهداف المقبولة بمساندة شاملة للأعضاء الآخرين ممثلين في أعضاء الرباعية والدول العربية.
عناصر الاتفاق النهائي
يحدد كارتر العناصر الأساسية التي يجب أن يتضمنها أي اتفاق في هذا الخصوص:
أ ـ دولة فلسطينية منزوعة السلاح على أن تحل قوات مشتركة دولية محل القوات الإسرائيلية من أجل الحيلولة دون وقوع أعمال عنف ضد أي من الطرفين ومن أجل مواجهة أي عمليات عسكرية وضمان السماح بحرية التحركات السلمية.
ب ـ القبول المشترك لتعديل حدود 1967 بشكل يسمح بمقايضة بعض الأراضي بشكل يسمح لأعداد من الإسرائيليين الاحتفاظ بمنازلهم في وحول القدس، مع الانسحاب من كل المستعمرات الأخرى في الضفة الغربية.
ج ـ الإدارة المشتركة للقدس، والتي ستصبح عاصمة لكلتا الدولتين، مع حقوق خاصة لليهود والمسلمين في الوصول إلى المواقع المقدسة وإدارة مشتركة للمناطق الأخرى في المدينة القديمة.
د ـ حق الفلسطينيين في العودة إلى الضفة الغربية وغزة وتعويض أولئك الذين يقدمون الدليل على كونهم من أراضي 48.
هـ ـ التزام منفصل وقوي بالمصالحة الفلسطينية والوحدة بين غزة والضفة الغربية مع توفير المتطلبات بأن الدولتين إسرائيل وفلسطين تعترفان بالحق المشترك في العيش جنبا إلى جنب في سلام.
و ـ تحديد وقت معين ومحدود يمكن من خلاله إتمام التوصل إلى هذه الأهداف أو على الأقل تقدير التقدم الذي يتم إنجازه والصعوبات التي تبقى ربما بحلول سبتمبر 2009.
الصفحات: 228
الكتاب: السلام الممكن في الارض المقدسة
تأليف: جيمي كارتر
عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق
الناشر: سيمون اند شوستر

