في إطار استعراضه لإمكانيات السلام في المنطقة ينتقل بنا المؤلف جيمي كارتر إلى تناول ما يراه تحديات تواجه كلا من إسرائيل والفلسطينيين عليهما مواجهتها إذا أرادا التوصل إلى تسوية نهائية للصراع بينهما. في هذا الصدد يشير المؤلف إلى أن المصالحة بين الجانبين، ما زالت تراوح مكانها وهو ما يفسر بعدم نجاح القادة الفلسطينيين، على عكس ما حدث مع الرئيس السادات والملك حسين، في الحصول على ثقة إسرائيل. وفي الوقت ذاته، ضعف التحالف الحكومي في إسرائيل بشكل يحول بينه وبين اتخاذ خطوات معاكسة لتلك المتصلبة التي تلتزمها الأحزاب الصغيرة. يذكر كارتر أن هذا الوضع يؤدي إلى احتلال الأمن أولوية على السلام، الأمر الذي يرى المخرج منه في قوة قادرة من الفلسطينيين والمجتمع الدولي يمكنها أن تحافظ على النظام في فلسطين وحماية الإسرائيليين من العنف، وهو ما لا شك، حسبما يرى، سيكون له تأثيره في إقناع الرأي العام الإسرائيلي بالقيام بما هو مطلوب من أجل الحلول الوسط للسلام.

على الصعيد الفلسطيني يدعو كارتر الفلسطينيين إلى تعليق الآمال على المجتمع الدولي والدور الذي يمكن أن يقوم به من أجل تمثيل مصالحهم. وفي هذا الخصوص يوضح أن هناك التزامات فعلية قائمة من قبل الأمم المتحدة واللجنة الرباعية والجامعة العربية وسلسلة المفاوضات التي أشرفت عليها الولايات المتحدة. كما يشير كارتر إلى أنه من المحتم كذلك أن تلعب الولايات المتحدة دور الزعامة في مثل هذا الجهد لضمان تنفيذ أية التزامات. ويوضح أن أساس التوافق الدولي في هذا الخصوص هو أن المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني سيعيشان جنبا إلى جنب في سلام.

وهنا تتبدى الرؤية المثالية من قبل المؤلف حيث أن التزامات هذه الجهات المختلفة قائمة منذ سنوات دون ان تشهد مسيرة السلام دفعة إلى الأمام وفي ذات الوقت فإن الدور الذي يعوله على بلاده ما زال متعثرا ولم ينجح في دفع إسرائيل إلى القبول بحسن نية الأسس التي يتحدث عنها. ومن ذلك مثلا أن إشارته إلى سيادة مفهوم حل الدولتين خلال السنوات الأخيرة أمر يواجه حسبما يعترف بنفسه خطر التهديد الآن على وقع فشل محادثات أنابوليس، الأمر الذي يشير إلى أن فريق مركزه (مركز كارتر في رام الله) رصده من واقع متابعته للتطورات هناك. ويستشهد في ذلك بتصريحات لكبير المفاوضين الفلسطينيين أبو علاء (أحمد قريع) ينتقد فيها رفض إسرائيل مقترحات الفلسطينيين بشأن الحدود ( المستقبلية للدولة الفلسطينية) وإشارته إلى مجموعة من القضايا تغطيها قرارات الأمم المتحدة ومعاهدة جنيف واللجنة الرباعية لخريطة الطريق والمشروع العربي للسلام.

يبدو المؤلف من سياق تناوله والإستشهادات التي يقدمها مدركا لصعوبة الحل الذي يتحدث عنه، ولعله ينطلق في ذلك من أنه حال الإقرار باستحالة الحل فإن ذلك قد يقود المنطقة إلى الدمار. وفيما يشير إلى ذلك الرؤية التي يقدمها المؤلف بشأن الاسيتطان. ففي هذا المجال يبرز التساؤل الذي يقدمه أحد عناصر النخبة الفلسطينية من المساندين بقوة لحل الدولتين وهو أين يمكن للدولة الفلسطينية أن تقوم في ظل انتشار المستوطنات على ما هي عليه في الضفة الغربية؟ وحسب هذا التساؤل فـ «إن الإسرائيليين يقعون في القلب منا بالفعل». وينقل كارتر عن الناشطة الفلسطينية حنان عشراوي في لقاء أجراه معها فريق مركز كارتر قولها ان الإسرائيليين يدفعون بالأمور نحو حل الدولة الواحدة حيث تفتقد فيه التجمعات الفلسطينية سواء التواصل السكاني أو الجغرافي.

أما سري نسيبة رئيس جامعة القدس فهو مؤيد بشدة لحل الدولتين ولكنه في يوليو 2008 قال: إنني أعرف ان الناس يزعمون أنه سيكون ممكن دائما الوصول إلى حل الدولتين ولكنني لا أعتقد ذلك. وفي ظل غياب اتفاق فلسطيني على شكل الدولة فقد راح يطالب بالإعداد للمرحلة المقبلة. ان المرحلة المقبلة والتي قد يحكمها حل الدولة الواحدة ستعكس صراعا أمام الرأي العام الدولي من أجل حقوق سياسية مساوية لملايين الناخبين الفلسطينيين على نحو مشابه لما حدث في جنوب أفريقيا.

ويذهب كارتر إلى أن حل الدولتين يمثل نوع من المداهنة وأن تحليلا لـ «النيويورك تايمز» في سبتمبر الماضي ذهب إلى تغير الخيارات بين المعتدلين الفلسطينيين باتجاه حل الدولة الواحدة باعتبار ذلك الطريق الوحيد أمام سد طريق السلام. وهذا قد يمثل نوعا من تجاوز للحلم اليهودي الخاص بدولة يهودية خالصة.

مصاعب خيار الدولة الواحدة

فمن خلال خيار الدولة الواحدة فإن الفلسطينيين يمكن أن يمثلوا الأغلبية من المواطنين والناخبين على نحو يقود إما إلى نهاية الدولة اليهودية أو الحرمان من التصويت للمواطنين الفلسطينيين الذين سيعتبرون في هذه الحالة مواطنين من الدرجة الثانية.

ويشير إلى أنه إذا كان القانون يقتضي معاملة متساوية للفلسطينيين، فإن استعراض الوضع بشأن سياسات الاستيطان يكشف الحد الذي وصلت إليه سياسة الاستيلاء على الأراضي والتحكم فيها والتي تعد ملكية خاصة بالفلسطينيين، ومدى التباين في المعاملة بين المستوطنين الإسرائيليين والسكان الفلسطينيين الأصليين.

وحسب كارتر فإن هذا هو السيناريو الذي يخشاه معظم الإسرائيليين، مضيفا أن المستقبل يتوقف على إجابة الناخب الإسرائيلي بشأن ما يريده. وفي تأكيد على رؤيته تلك يشير إلى تصريح لإيهود باراك لـ «الجيروزاليم بوست» يقول فيه أن أي محاولة للمحافظة على المناطق الفلسطينية في إطار الدولة اليهودية يقود بالضرورة إلى إما دولة غير ديمقراطية أو دولة غير يهودية.

حيث انه إذا ما تم السماح للفلسطينيين بالتصويت فإن ذلك سيعني أننا دولة ثنائية القومية، وإذا لم يشتركوا في التصويت فذلك سيعني أننا دولة عنصرية على نحو ما جرى في بلفاست أو البوسنة.

ويؤكد على ذلك فيما يكشف عن إدراك القيادة السياسية في إسرائيل تصريح إيهود أولمرت لصحيفة «ايديعوت أحرونوت» من أن إسرائيل تقترب وخلال سنوات محدودة إلى النقطة التي سيتزايد معها توجه الفلسطينيين نحو التأكيد على أنه لا يوجد مكان لحل الدولتين، وأن كل ما نريده هو حق التصويت.

وفي اليوم الذي يحصلون فيه على مثل هذا الحق فإننا ـ والكلام لأولمرت ـ سنخسر كل شئ. وهو ما أكد عليه اولمرت كذلك بقوله في تصريح لـ «هآرتس»: إذا ما انهار حل الدولتين فإن إسرائيل تواجه صراع على شاكلة جنوب أفريقيا من أجل حصول الفلسطينيين على حق التصويت وقد حذر من وقوف المنظمات اليهودية والتي تشكل قاعدة قوة إسرائيل في الولايات المتحدة ضدها لعدم رغبة هذه المنظمات في مساندة ما قد تراه دولة لا تقوم على الديمقراطية والمساواة لكل مواطنيها.

صراع داخلي إسرائيلي

ويشير كارتر إلى أنه في داخل إسرائيل ذاتها يوجد صراع جوهري بين قوتين سياسيتين رئيسيتين: أولئك الذين يتمنون الحفاظ على نقاء اليهودية وآخرين الذين يتمنون زيادة سكان الدولة اليهودية عبر الأرض المقدسة.

إن الأرثوذكس الذين تعد مساندتهم السياسية حيوية لتشكيل التحالف الحكومي في الكنيست يسيطرون على نظام المحاكم، مع سلطات على نظام الزواج والطلاق وهم يفرضون قيود مشددة على من يستطيع أن يصبح يهوديا فيما أنه توجد تيارات يهودية ترحب بتحول وتشجيع المستوطنين في الأرض المقدسة بشكل يرحل الفترة التي سيصبح فيها غير اليهود الذين يعيشون بين نهر الأردن والبحر المتوسط أكثرية عددية.

ويشير كارتر إلى أن بعض المتطرفين سيفضلون حرمان العرب الإسرائيليين من المساواة في حق التصويت أو استبعادهم على نحو لا يجعلهم يشكلون أغلبية ولذلك فإن تزايد السكان العرب عبر تكاثر المواليد أصبح يتم موازاته من خلال تدفق الهجرة اليهودية.

ويتم موازنة تضاؤل أرقام المهاجرين من الولايات المتحدة وأوروبا عبر زيادة أولئك القادمين من الاتحاد السوفييتي الذين يفدون إلى إسرائيل وقد احتفظوا بلغتهم الأصلية وعاداتهم ويتجهون للتصويت باعتبارهم كتلة منفصلة.

ورغم هذا الطرح من قبل كارتر والذي يتناول قضية بالغة الإشكالية إلا أنه يقدم في سياق عرضه ما يشير إلى سير إسرائيل على طريق تقويض أي كيان فلسطيني محتمل بمساعدة أميركية حيث أن أنشطة الاستيطان التي تمت خلال العقود الأخيرة سواء في القدس الشرقية أو الضفة الغربية، حسبما يذكر، تمت بموافقة القادة السياسيين الأميركيين، وهى أنشطة تستهدف إقامة حقيقة دائمة على الأرض، قوضت من الآمال بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة ذات سيادة وتتمتع بالتواصل الجغرافي بين الضفة الغربية وغزة تكون عاصمتها القدس الشرقية.

ليس ذلك فقط بل إن المؤلف في سياق استعراضه للعقبات التي تفرض نفسها على طريق السلام يشير إلى ما يصفه بسوابق على تقييد حق الفلسطينيين في التصويت خاصة أولئك الذين في القدس الأمر الذي يؤكده اعتقال لجنة الانتخابات المركزية التي راحت تعمل على تحديث قوائم الناخبين في القدس الشرقية.

ويذكر كارتر أن هناك هدفين أساسيين لإسرائيل أولهما عسكري والآخر سياسي ويتمثلان في الحيلولة دون أي تهديد للمواطنين الإسرائيليين أو الدولة وكذا تأمين القدرة الإسرائيلية على الدفاع من ناحية.

ومن ناحية ثانية تأمين القبول الدولي والإقليمي كعضو في المجتمع الدولي. ويذكر أن إسرائيل لديها جيش قوي وحديث ومدرب جيدا ومتفوق مقارنة بكل جيرانها خاصة منذ خروج مصر من الصراع منذ نحو 30 عاما مضت كمنافس حقيقي لها، ورغم ذلك فإن صغر مساحتها جعلها عرضة للتهديد والهجمات من قبل جيرانها حسبما يذكر المؤلف، وإن كانت هذه الرؤية غير دقيقة تماما حيث ان العكس هو الصحيح في ضوء حقيقة أن إسرائيل هي التي تمثل تهديدا لجيرانها.

وإذا كانت إسرائيل لها علاقات دبلوماسية مع كافة دول المجتمع الدولي باستثناء 34 دولة فإن اثنتين من جيرانها هما سوريا ولبنان يعتبرون أنفسهم في حالة حرب معها.

مشكلة الشقاق الفلسطيني

على الصعيد الفلسطيني يشير المؤلف إلى صعوبة الوضع الذي يعيشه ففي مقابل تلك العقبات التي تصادفها القضية الفلسطينية مع السياسات الإسرائيلية، فإن الشقاق الفلسطيني يكاد يهدد مستقبل الفلسطينيين أنفسهم، وهو ما ينعكس في انه رغم انتخابات 1996 و2006 من أجل تشكيل سلطة فلسطينية موحدة لتقوم بإدارة الأوضاع في الأراضي المحتلة، إلا أنه يوجد على أرض الواقع «حماس» في غزة ورئيس منتخب مع حكومة مؤقتة لم يقرها البرلمان في الضفة الغربية، وتمارس مهاما في ظل حصار وتحت سيطرة سياسية وعسكرية إسرائيلية.

وقد أخفقت الجهود التي مارستها السعودية ودول أخرى من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية بين الفصيلين الفلسطينيين نظرا لعدم تلبية حماس الشروط المفروضة عليها دوليا وخاصة شروط الرباعية.

غير أن المؤلف يشير إلى أنه فيما بين الزعماء العرب وقادة فتح وحماس توجد رغبة قوية في المصالحة بين الفصيلين وقناعة بأنه بدون مثل هذا التوجه، لن يتم تحقيق أي تقدم تجاه السلام مع إسرائيل.

ويذكر أن هناك هدفين يجب وضعهما في الاعتبار.. الأول جرى تحديده من قبل الفلسطينيين على كلا الجانبين: وجود قوة ملائمة في الضفة وغزة لحفظ النظام والحيلولة دون العنف ووجود حكومة تسيير أعمال يمكن لها تنظيم انتخابات رئاسية وعامة.

ويضيف أنه من غير المرجح أن يقبل الفلسطينيون أي اتفاق نهائي لا يتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأرض المحتلة ومن غير المرجح أن تقبل إسرائيل أي ترتيبات تسمح بوقوع هجمات عليها من الدولة الفلسطينية.

قوة حفظ سلام دولية

ويشير إلى أنه تقريبا من المؤكد ان المطلبين يمكن أن يتم التلاقي معهما فقط من خلال قوة حفظ سلام دولية يتم مساندتها بقوة من قبل الولايات المتحدة سواء في بدايتها أو في التزاماتها.

ومع الوحدة الفلسطينية فإن مثل هذه القوة يمكن لها أن تحقق أو تلبي حاجة غزة والضفة. كما أن مثل هذه القوة الدولية تتطلب تفويضا واضحا وقدرة على منع أي هجمات ضد إسرائيل والمواطنين الإسرائيليين.

كما أن إسرائيل في المقابل يجب أن تقدم ضمانة بعدم التدخل في الشؤون الفلسطينية وقد يكون من الأفضل، حسبما يذهب المؤلف أن يتم إقرار هذا النموذج من قبل الدول العربية والناتو والأمم المتحدة.

أما الخطوة الأخرى الأكثر عملية على طريق السلام التي يقترحها كارتر فتتمثل في تشكيل حكومة انتقالية غير حزبية مقبولة من كل من فتح وحماس يمكن أن تشرف على إجراء الانتخابات وأن تقبل حماس الشروط الأساسية للجنة الرباعية قبل أن يتمكن مرشحوها من المشاركة في الحكومة.

إضاءة

يشير كارتر إلى أنه في داخل إسرائيل ذاتها يوجد صراع جوهري بين قوتين سياسيتين رئيسيتين: أولئك الذين يتمنون الحفاظ على نقاء اليهودية وآخرين الذين يتمنون زيادة سكان الدولة اليهودية عبر الأرض المقدسة.

إن الأرثوذكس الذين تعد مساندتهم السياسية حيوية لتشكيل التحالف الحكومي في الكنيست يسيطرون على نظام المحاكم، مع سلطات على نظام الزواج والطلاق وهم يفرضون قيود مشددة على من يستطيع أن يصبح يهوديا فيما أنه توجد تيارات يهودية ترحب بتحول وتشجيع المستوطنين في الأرض المقدسة بشكل يرحل الفترة التي سيصبح فيها غير اليهود الذين يعيشون بين نهر الأردن والبحر المتوسط أكثرية عددية.

الصفحات: 228

عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق

الناشر: سيمون اند شوستر