بدأت الولايات المتحدة إبان فترة رئاسة رونالد ريغان، في ثمانينات القرن المنصرم، تبنى برنامج حرب النجوم الذي يتلخص في بناء شبكة صاروخية مضادة للصواريخ، تدار بوساطة الأقمار الاصطناعية، لها القدرة على اعتراض أي هجوم صاروخي نووي يشن عليها، عند مسافات بعيدة عن الأرض الأميركية.
ولكن استكمال العمل بهذا المشروع الضخم، ووضعه موضع التنفيذ (الدرع الصاروخية المضاد للصواريخ المزمع نشره في بولندا وفي تشيكيا هو جزء من هذا البرنامج)، ليس بالضرورة مبعث اطمئنان للولايات المتحدة، فذلك لا يلغي إمكانية قيام الطرف الآخر بتطوير منظومة صواريخه النووية، وجعلها قادرة على تضليل الدرع المضاد للصواريخ والتسلل عبره، وبالتالي إبطال فاعلية هذا المشروع الضخم أو إضعاف قدراته، وإعادة التوازن. وعلى أية حال، فما هو معروف أنه ليس لدى الولايات المتحدة منظومة دفاع فعال من هذا القبيل، حتى الآن، وهي إن وجدت، فهي لم تجرب وتختبر أمام قدرات الخصم.فما أنتجته الولايات المتحدة، في هذا المجال، لا يزال بعيداً بمسافات عن الهدف الذي خططت له، مما يجعلها، رغم التفوق التكنولوجي الذي تمتلكه، في وضع غير آمن من هجوم نووي صاروخي، حتى لو كانت الصواريخ المهاجمة غير دقيقة في الوصول إلى أهدافها دقة القنابل الذكية التي بحوزتها.فالسلاح النووي لا يبحث عن هدف صغير لتدميره، فمساحة التدمير هي مدن بكاملها، والخطأ بضعة أمتار في التسديد، حتى لو بلغت هذه الأمتار بضع مئات، لا يجعلها تفشل في تحقيق الغرض من الهجوم.
ربما يخطر على البال، في هذا السياق، سؤال هام قد تكون الإجابة عنه في صالح دعاة اتباع استراتيجية السلم عن طريق الوقوف على حافة الهاوية.السؤال هو: ألم يكن السلاح النووي، وقدراته الهائلة على التدمير، هو الذي منع قيام حرب عالمية ثالثة في المسرح الأوربي، كما حصل في الحربين اللتين سبقتا؟ ألم تكن الخلافات بين الغرب والشرق المتلاصقين في القارة الأوروبية، خلال فترة الحرب الباردة أشد حدة، والهوة بينهما أكثر عمقاً مما كانت عليه داخل هذه القارة، في النصف الأول من القرن العشرين، والتي أدت إلى اندلاع حربين عالميتين؟
وإذا انتقلنا، جغرافياً، إلى قارة أخرى، لنوجه السؤال نفسه: أليس من المتوقع، في ضوء امتلاك كل من الهند وباكستان للسلاح النووي، أن تبقى الخلافات العميقة بينهما راقدة أو صاحية، هادئة أو معربدة، على موائد المفاوضات، فقط، وليس في ساحات حروب طاحنة، كما جرى أكثر من مرة في الماضي؟
الدول النامية والسلاح النووي
خضعت الأسرار الخاصة بكل سلاح جديد، إلى أقصى إجراءات الحماية، وأسدل عليها ستار من السرية التامة، من قبل الجهة المصنعة أو الدولة التي حصلت على امتياز استخدامه، وحُجبت المعلومات المتعلقة بها، ووُضعت العراقيل أمام حيازتها من قبل الآخرين.ولكن ذلك لم يمنع العشرات من دول العالم من الحصول على المعلومات اللازمة والتقنيات الخاصة بهكذا صناعات، سواء عن طريق البحث العلمي، استناداً إلى قدراتها الذاتية، أم عن طريق الاستعانة بأجهزة استخباراتية تعمل على اختراق حواجز المنع بشتى الوسائل، المشروعة وغير المشروعة، وهي كثيرة في العالم.وقد تمكن العديد من دول العالم من صنع المدافع والدبابات والطائرات والصواريخ والبواخر، ومنظومات التسديد والتوجيه، والمنظومات الرادارية، ومنظومات الاتصالات المختلفة، وغير ذلك الكثير.ولم يجعل ذلك المنع، العالم أكثر أمناً، بل ساعد على انتشار بقع الأزمات، وزاد كذلك من ضخامة التداعيات التي قد تنشأ عنها.
كان نجاح الولايات المتحدة في التوصل إلى صناعة أول سلاح نووي، مشروع مانهاتن، عام 1945، أشبه برحلة طويلة نحو المجهول، تقوم بها سفينة من طراز خاص، ربابنتها يمتلكون ألمع العقول التي أنجبها الغرب الأوروبي والأميركي، شاركهم في مهمة القيادة ربابنة آخرون من طرازهم، هاجروا من دول أوروبا الشرقية.وكانت أهداف تلك الرحلة متناغمة مع قدرات المؤسسات العلمية والتقنية المتوافرة آنذاك، ومنسجمة مع إرادة الغرب السياسية في هزيمة قوات المحور، الذي تشكل من ألمانيا وإيطاليا واليابان، للسيطرة على العالم.
أما الآن فإن التكنولوجيا النووية التي أوجدها أولئك الرواد، قد أصبح عمرها يقرب من السبعين عاماً، وهي لم تعد، بمقياس العصر، متطورة، لذلك من السهل الحصول على الكثير من المعلومات عنها في المكتبات العامة، فالوثائق الخاصة بها لم تعد من المصنفات السرية.
فحين تعمد بعض الدول النامية، في الوقت الحاضر، إلى تنفيذ مشروع نووي، تخصيب اليورانيوم مثلاً، فذلك لا يعتبر فتحاً علمياً تفتخر به أجهزتها الإعلامية أمام شعوبها، بل هو لا يزيد، في أفضل الحالات، عن اقتباسات لأفكار وأساليب وطرائق ابتدعها آخرون في حقبة زمنية ماضية.
وهذه الدول، إذ تخطط لصناعة سلاح نووي، تتناسى ما يترتب على ذلك من أخطار تتعرض لها، وأضرار قد تنال منها.فمشروع كهذا يعرض أمنها لخطر أكبر من الخطر الذي يدفعها للحصول عليه، من جهة، كما أنه لا يوفر لها قدرات دفاعية إضافية أمام دولة كبرى، من جهة أخرى.
هذا إضافة إلى جانب آخر على قدر كبير من الأهمية، وهو أن هذه الدولة تجد نفسها، في سعيها هذا، قد أثارت الشكوك لدى دول الجوار، وأصبحت العلاقات التي تربطها معها حساسة للغاية، تطغى عليها هواجس القلق وعدم الاطمئنان، مما ينجم عنه، بكل تأكيد، تراجع في مستوى العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية.
السلاح النووي، لدى بلد صغير، لا يمنحه قدرة ردع ترغم دولة كبرى على النكوص عن تنفيذ سياساتها إزاءه، فحصول كوريا الشمالية على القنبلة النووية لا يعصمها من غزو أميركي، لو أرادت الولايات المتحدة غزوها.بل إن الأمر أبعد من ذلك بكثير، فالسلاح النووي، لدى إحدى الدول العظمى، مثل بريطانيا أو فرنسا، لا يعتبر سلاح ردع أمام قوة أخرى كبرى مثل روسيا.
العقيدة النووية
وفق العقيدة النووية التي صيغت لدى الشرق والغرب واعتمدت طيلة عقود الحرب الباردة، يعتبر السلاح النووي وسيلة ردع، تنافس طرفا الصراع، في تلك الفترة، للحصول على أعداد متقاربة من الرؤوس النووية، وأعداد متقاربة من وسائل إطلاقها، سواء بوساطة الصواريخ العابرة للقارات، أو بوساطة الغواصات النووية، أو بوساطة القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى.ووفق هذه العقيدة، فإن السلاح النووي يعتبر سلاحا دفاعيا أمام طرف آخر يمتلكه، على الرغم من أن الاستخدام الوحيد له في التاريخ، كان استخداما هجومياً.
إلا أن الحقبة التي تلت حقبة الحرب الباردة، قد شهدت بدايات تغير هام وخطير في هذه العقيدة، لدى القوتين النوويتين الرئيسيتين في العالم، الولايات المتحدة وروسيا.
العقيدة الأميركية
حين كان الاتحاد السوفييتي ينحدر نحو التحلل، مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين، لم يكن بإمكان أحد التنبؤ، بدرجة كبيرة من اليقين، بما ستواجهه الاستراتيجية النووية للولايات المتحدة في المرحلة القادمة؟ وأية تحديات سوف تواجه؟ وأية استجابات سوف تلقى؟ إلا أن الرئيس الأميركي جورج بوش (الأب)، قد بادر في اتخاذ خطوة وقائية في هذا الصدد.
ففي مبادرته الرئاسية عام 1990، أبعد شبح القنابل النووية التكتيكية، التي كثر الحديث عنها في فترة الثمانينات من القرن المنصرم، كخيار تكتيكي في ساحة حرب محدودة يمكن اللجوء إليه، دون الانزلاق إلى مغامرة خوض حرب نووية على نطاق واسع، ووضعها خارج الخارطة الأمنية للولايات المتحدة، وذلك لتلافي حدوث فوضى نووية على المستوى العملياتي.
إلا أن الفترة اللاحقة شهدت مجموعة من المواقف المتناقضة، اقترفتها الإدارة الأميركية بشكل واضح للعيان.فعلى سبيل المثال، وافقت إدارة الرئيس كلينتون، ومن بعده إدارة جورج بوش (الابن)، على تبني مبدأ الحوار مع روسيا لتخفيض الترسانة النووية التي تمتلكانها.إلا أنهما، وفي الوقت نفسه، سعتا إلى تجزئة الطروحات بهذا الشأن بإهمالهما اتفاقية الحد من الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية.
فقد سمحتا لبرنامج الصواريخ المضادة للصواريخ بالمضي قدماً، مما أضعف الثقة بجدية الولايات المتحدة في خفض مستوى القدرة الهجومية لديها، مما مهد الطريق نحو سباق تسلح جديد، غير معلن، كما كان الحال إبان حقبة الحرب الباردة.
وإضافة إلى ذلك، فقد أدى هذا الوضع الذي أكتنفه الغموض، إلى دفع الصين إلى تكثيف برنامجها لتحديث ترسانتها الحربية.
وقد عمقت إدارة الرئيس كلينتون التناقض في طروحاتها، حين أكدت أن الترسانة النووية الأميركية، لن تستخدم لمهاجمة أية دولة لا تمتلك سلاحاً نووياً، ولا لمهاجمة أية دولة تنتمي إلى اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية. ولكنها، في الوقت نفسه، أبقت خيار استخدامها مفتوحاً، حتى في الأماكن الخالية من السلاح النووي، في حالة تعرض الولايات المتحدة لهجوم تستخدم فيه الأسلحة الكيماوية أو الجرثومية.
أما على المستوى العملياتي، فقد تبنت وزارة الدفاع الأميركية، منذ الفترة الرئاسية الثانية للرئيس الأميركي كلينتون، عقيدة جديدة لاستخدام الأسلحة النووية.
فاللجوء إلى الاستخدام الميداني لهذه الأسلحة، والمباشرة بتدمير ترسانات العدو من الأسلحة النووية والبيولوجية والكيمياوية، قد وضع في إطار مرن للغاية، لا يتطلب وجود الدليل المادي أو النية الحقيقية لضرب المصالح الأميركية، وإنما الشك في ذلك من خلال قراءة مسارات الأحداث.
الردع في الاستخدام
وهذا، في الحقيقة، تطور خطير في استراتيجية الولايات المتحدة النووية، ونقطة تحول هامة جداً في مفهوم الردع، حيث بدأت الولايات المتحدة ترى أن الردع يكمن في استخدام السلاح النووي، وليس في حيازته.
ويأتي هذا التطور بعد سنوات من انتهاء الحرب الباردة، لينسجم مع الصياغة الجديدة لمفهوم الأمن القومي الأميركي، وهو الإصرار على البقاء قوة عظمى وحيدة في العالم، وتحجيم دور الآخرين وإجهاض طموحاتهم وبرامجهم.
والولايات المتحدة، في تبني اتجاه كهذا، ترمي بكل ما توافق عليه العالم حول استخدام الأسلحة النووية، منذ بداية الحرب الباردة، إلى سلة المهملات، فقد كانت حيازة السلاح النووي رادعاً لقيام الحرب أكثر مما هي أحد أخطار نشوئها.
وقد استفادت إدارة الرئيس جورج بوش (الابن) من هذا الخيار، وقامت بتوسيع آفاقه بعد المراجعة التي أجرتها إدارته على استراتيجيتها النووية، بُعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.واعتبرت استخدام السلاح النووي مبرراً في الحروب الاستباقية لمواجهة تهديد محتمل، نووي أو كيمياوي أو جرثومي، من دول أخرى.
لذلك فإدارة كلينتون الديمقراطية لا تختلف كثيراً، من حيث الجوهر، عن إدارة بوش الجمهورية، في رؤيتها لوجود أسباب وجيهة جديدة تبقي السلاح النووي حيوياً لأمن الولايات المتحدة.هذا في الوقت الذي تصر فيه هاتان الإدارتان، على رؤية بقية دول العالم خالية من السلاح النووي، وبمعنى آخر خالية من قدرات التهديد لأمنها القومي.
إلا أن ما تميزت به إدارة الرئيس جورج بوش (الابن)، عن إدارة كلينتون التي سبقتها، هو رغبتها في الحصول على سلاح نووي تكتيكي، من نوع خاص، ذي قدرة تفجيرية منخفضة، إلا أن له القابلية على الاختراق إلى أعماق بعيدة تحت سطح الأرض.
هذا على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تصل في الماضي، ومن المشكوك فيه في الحاضر، إلى المستوى الذي يمكنها من الناحية الاستخبارية، من التعرف بدقة على مكان وعمق المواقع أو المخازن، المتحركة والثابتة والمخفية بعناية أو المدفونة تحت أعماق كبيرة، التي يمكن أن يستهدفها هذا السلاح.
السلاح النووي..استراتيجيات القوة وصناعة النظام العالمي
على الرغم مما للاقتصاد من أهمية كبيرة في تعزيز قوة دولة ما، ودعم نفوذها، وإضفاء الهيبة عليها، إقليمياً أو دولياً، إلا أن امتلاك وسائل التدمير الشامل، وعلى رأسها الأسلحة النووية، أصبح منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، العامل الأول والأساسي، في رسم معالم القوة وتحديد ملامح النظام العالمي ووضع سماته المميزة.
وذلك لأن في امتلاك بلد ما لهذا النوع من السلاح، تكمن المخاطر الحقيقية التي قد يتعرض لها البلد نفسه، والمخاطر التي تتعرض لها بلدان أخرى، جراء وجود هذا السلاح.ويكمن خلف ذلك، أيضاً، ما لهذا البلد أو ذاك من القدرات على فرض النفوذ وممارسة الهيمنة والابتزاز، إقليمياً أو دولياً.
وليس من الغريب أن تكون المحادثات، حول هذا النوع من السلاح، بين أكبر قوتين نوويتين، هي الأكثر تعقيداً وحساسية، والأكثر إثارة للتشكيك بحقيقة النوايا، والأكثر أهمية على المستوى العالمي، طيلة العقود الماضية.
وقد تناول الجزء الأول من هذه الدراسة، مبادرة الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما من اجل عالم خال من الأسلحة النووية، وتزايد القلق العربي والعالمي من انتشار هذه الأسلحة، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط.وفي ما يلي الجزء الثاني.
ففي استراتيجيات الحروب، تشكل الضربة الأولى للطرف المهاجم، وحجم الرد المتوقع عليها من قبل الخصم، أهمية كبيرة في اتخاذ القرارات الخطيرة والحاسمة لبدء الحرب، أو الانكفاء عن اتخاذها.
ففي سياق موضوعنا، أوصلت استراتيجية الرعب النووي، الحاصلين على هذا السلاح، إلى القناعة التامة بعدم جدوى استخدامه.فالردع الذي يمتلكه أحد الأطراف، وهو القدرة على امتصاص الضربة الأولى والرد عليها بضربة مماثلة أو أكثر شدة، يلغي ميزة التفوق التي قد يحصل عليها الطرف الآخر الذي يقوم بتوجيه الضربة الأولى.
وهو بالتالي لا يعطي ميزة للسلاح النووي إلا في حالة واحدة، وهي امتلاك الطرف المهاجم القدرات على منع الطرف الآخر من استخدام سلاحه النووي، أي امتلاك القدرة على تعطيل قدرة الردع لديه.
محمد عاكف جمال
كاتب عراقي


