يكتسب الحديث، حول السلاح النووي أهمية أخرى مع قرب انتهاء العمل باتفاقية «ستارت 1»، في الخامس من ديسمبر هذا العام. وهي الاتفاقية التي وقعت بين أهم دولتين نوويتين في العالم، الولايات المتحدة وروسيا، عام 1991.

فقد اتفقت هاتان الدولتان، مؤخراً، على خطة عمل تهدف إلى تجديد هذه المعاهدة والتوصل إلى رؤية مشتركة للحد من التسلح، قبل نهاية العام الجاري. وقد جرت الإشارة إلى ذلك في المؤتمر الصحافي الذي عقدته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون مع نظيرها الروسي سيرغي لافروف، في أعقاب اجتماعهما في جنيف مؤخراً، حيث اتفقا على أن التوصل إلى اتفاقية جديدة أمر فائق الأهمية للطرفين.

قلق عالمي

المعضلة الكبيرة التي تواجه العالم، منذ ما يزيد على نصف قرن، هي قدرة عدد قليل من الساسة في عدد محدود من الدول، على تدمير هذا العالم مرات ومرات، بسبب وجود عشرات الآلاف من الرؤوس النووية المعدة للانطلاق والانفجار، وسط عالم حافل بأزمات كثيرة جداً، بعضها خطير إلى الدرجة التي قد يكون فيها مرشحاً ليصبح صاعق التفجير، لهذه الترسانات النووية المخيفة.

لم تتمكن الحركات السياسية والجماهيرية المعادية للتسلح النووي، وبضمنها المنظمات البيئية، في الفترات السابقة، سوى من تحقيق الضئيل جداً من أجندتها الطموحة، التي تطال، فيما تطال عند بعضها، التحريم الكلي لاستخدامات الطاقة النووية.

فعدد الدول النووية قد تزايد منذ تأسست الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1968، التي أخذت على عاتقها العمل على منع انتشار الأسلحة النووية في العالم، وأعدت صيغة اتفاقية وقعتها والتزمت بها معظم دول العالم.

وفي ضوء هذا الفشل، تصاعدت دعوات أخرى، متواضعة إلا أنها واقعية، لجعل بعض مناطق العالم خالية من الأسلحة النووية.

وتركزت هذه الدعوات على منطقة الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج العربي بشكل أكثر خصوصية، بسبب مخزونه النفطي الكبير، ورغبة دوله العربية، القلقة على أمنها، في وضع قواعد صلدة للاستقرار، وبسبب تحفظ الدول العظمى على الدخول في مناقشة الترسانة النووية الإسرائيلية. وقد تضاعف هذا القلق، في العقدين الأخيرين، لسببين هامين:

1 ـ الاختلال الكبير في موازين القوى، في منطقة الخليج العربي، والذي حصل بعد هزيمة القوات العراقية أمام القوات المتحالفة عام 1991، ثم في الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وخروجه من معادلة التوازنات الاستراتيجية في هذه المنطقة، مخلفاً فراغاً كبيراً من الصعب إيجاد من يملؤه.

2 ـ سعي إيران الحثيث لامتلاك التكنولوجيا النووية، وبدؤها العمل في برنامج نووي طموح وواسع، يشمل تخصيب اليورانيوم الطبيعي وجعله صالحاً كوقود انشطاري في المفاعلات النووية، في موقع ناتانز، وقيامها كذلك بإنشاء مجمع لإنتاج الماء الثقيل، في موقع آراك.

وهذان المشروعان، في حالة استكمال مرافقهما، يجعلان من إيران دولة نووية تمتلك كل القدرات للتحول، عند الضرورة أو وقتما تشاء، من اتباع استراتيجية سلمية في استخدام الطاقة النووية، كما هو معلن من قبلها في الوقت الحاضر، إلى اتباع استراتيجية عسكرية تنتج في أطرها الرؤوس النووية، وذلك عن طريق توظيف هذه القدرات.

السلاح النووي

حصلت الولايات المتحدة على السلاح النووي عام 1945، وأعلنت عن امتلاكها له في مسرحين كبيرين شهدهما العالم أجمع، في هيروشيما وناغازاكي، في العام نفسه.

كما حصل الاتحاد السوفييتي، السابق، على هذا السلاح عام 1949، ثم أعقبته كل من بريطانيا وفرنسا وأخيراً الصين.

فأصبح بذلك، جميع الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، أعضاء مؤسسين لما يعرف بالنادي النووي.أما على المستوى التقني، فقد كانت التفاعلات النووية التي صنع السلاح النووي على أسسها، في تلك الحقبة الزمنية، هي التفاعلات الانشطارية للعناصر الثقيلة، اليورانيوم والبلوتونيوم، وتحولها إلى عناصر أخف.

لم يكتف صانعو السلاح النووي بما أنتجوا، بل قاموا، في ضوء توجيهات قياداتهم السياسية، بالبحث عن سلاح ذي قدرات تدميرية أكبر. وهكذا بدأوا في السعي نحو جعل التفاعلات النووية التي تجري في الشمس ممكنة من الناحية التقنية.

وهذه التفاعلات ذات طبيعة مختلفة، فهي تفاعلات اندماجية تندغم فيها نوى العناصر الخفيفة لتكوين نوى عناصر أثقل، شكلت نظائر الهيدروجين، الديتيريوم والتريتيوم، المواد الأساسية فيها.

وقد نجحت الولايات المتحدة في تفجير أول قنبلة هيدروجينية عام 1952، لتصبح القدرات التدميرية النووية أضعافاً مضاعفة عما كانت عليه في البدايات الأولى للسلاح النووي.

فقد تصل القدرة التدميرية لقنابل من هذا النوع، إلى ما يعادل مليون طن من مادة (تي إن تي) شديدة الانفجار.

وأمام هذه القدرة التدميرية الهائلة، أصبحت قنبلة هيروشيما (ما يقرب من عشرين ألف طن من مادة تي إن تي) مجرد لعبة صغيرة لا تثير الاهتمام.ولم تلبث الدول الأعضاء في النادي النووي، سوى وقت قصير، لتشد الرحال للحاق بالركب الأميركي.

وقد خطت استراتيجيات التدمير خطوة هامة أخرى في هذا المجال، في سبعينات القرن العشرين، فقد دخل سلاح نووي جديد إلى الترسانة التدميرية عرف بالقنبلة النيوترونية، وهي قنبلة هيدروجينية من نوع خاص، صنعت لإبادة الكائنات الحية فقط، والإبقاء على المباني المادية والممتلكات دون أضرار.

فهذه القنبلة تقتل الكائنات الحية بالإشعاعات النيوترونية وإشعاعات غاما، لا بسبب توليدها فارقاً هائلاً في الضغط تنجم عنه عواصف تقتلع المباني.وقد سعت، كما هي العادة، الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، المؤسسون للنادي النووي، إلى امتلاك هذا السلاح «الإنساني» الجديد! الذي يحافظ على المدن ومبانيها.

تطور وسائل الاتصال

وقد صاحب هذا التطور في قدرات السلاح النووي على التدمير، تطور آخر لا يقل أهمية عنه، في وسائل إيصال الرؤوس النووية إلى أهدافها، رغم بعد المسافات.

فقد تطورت قدرات الصواريخ التي تحملها، وتزايد المدى الذي تصل إليه، وتحسنت كذلك كفاءة هذه الصواريخ لتتمكن من حمل عدد من الرؤوس النووية، في وقت واحد إلى أكثر من هدف واحد. وتضاعف عدد الغواصات التي تحمل الرؤوس النووية، والتي تقف على أهبة الاستعداد ليل نهار.كما ارتفع عدد القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى التي تحملها، والتي تحلق في السماء على مدار الساعة. وتطورت أساليب الرصد والمراقبة والإنذار المختلفة، لتتناسب مع الاستراتيجيات النووية هذه.

ويقيناً، تحملت خزائن الدولتين النوويتين الكبيرتين، عبئاً مالياً كبيراً لبناء هذه الترسانات النووية الضخمة، وتلبية ما تحتاجه من لوجستيات بشرية ومادية.فقد تضخمت الميزانيات الدفاعية، ورُصدت أموال طائلة لتغطية الحاجة لإدامة هذه البرامج وتطويرها، على حساب ميزانيات أخرى تمس حاجة الفرد وتسهم في تحسين نمط الحياة، كالتعليم، والخدمات الصحية.

ومنذ أغلق النادي النووي أبوابه في وجه الآخرين، تسللت إليه دول عديدة: جنوب أفريقيا وإسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية، وهناك مرشحون آخرون لعضوية هذا النادي، قد يعلنون عن انتمائهم إليه في أي وقت.

حدث كل هذا دون أن تتمكن القوانين الدولية، رغم صرامتها، من عرقلة برامج هذه الدول ومنعها من التوصل إلى حيازة أسرار هذا السلاح، ومن ثم تصنيعه.وذلك لأن هنالك ما هو أكثر أهمية لدى شعوب العالم، من مجرد الالتزام بهذه القوانين التي شُرعت لتكرس تبعياتهم لمشيئة الدول العظمى التي فرضت نفسها وصياً على إرادات الشعوب، في ظل الأوضاع العالمية المتداعية التي لا تتناسب مع المبادئ الأخلاقية، والتي نشأت في ضوئها المنظمات العالمية ومن بينها الأمم المتحدة.

فالمنظمة الدولية، لم تعد قادرة على أداء مهامها بحيادية منذ ارتهنت الولايات المتحدة إرادتها، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة.

والعالم قد يكون مقبلاً على مواجهة أوضاع أقل استقراراً، بسبب استمرار تكريس سياسات التعالي وسياسات الوصاية على مصالح الشعوب، وبسبب بقاء الخلل في النظام العالمي الحالي الذي يعتبر مسؤولاً، إلى حد بعيد، عن معظم الرزايا في عالمنا.

ومع أفول القرن العشرين، وبدافع من قلقها لحصول الهند على السلاح النووي، كانت باكستان آخر الدول التي أعلنت عن حيازتها لهذا السلاح عام 1998، وهو الإعلان الذي جعل الإدارة الأميركية، في عهد الرئيس كلينتون، تفرض بعض العقوبات عليها أسوة بالعقوبات التي فرضتها على الهند التي سبقتها في الانتماء إلى النادي النووي.

إلا أن عدم جدوى العقوبات التي فرضت، من جهة، وحاجة الولايات المتحدة إلى علاقاتها مع هاتين الدولتين في تحقيق أجندة تتعلق بمصالحها الاستراتيجية، من جهة أخرى، دفعت الإدارة الأميركية، فيما بعد، إلى التغاضي عنهما، خاصة وأن لدى الولايات المتحدة وحلفائها، القناعة التامة بأن هذا السلاح، لدى هاتين الدولتين، قد وجد ليهدد بعضهما البعض وليس الآخرين.

هذا إضافة إلى أن إشغال الصين بوجود تهديد نووي، على حدودها الجنوبية مع الهند، قد يكون مدعاة حبور لقادة الولايات المتحدة، لأنه ينسجم مع استراتيجيتها لاحتواء الصين.

السلاح النووي..استراتيجيات القوة وصناعة النظام العالمي

على الرغم مما للاقتصاد من أهمية كبيرة في تعزيز قوة دولة ما، ودعم نفوذها، وإضفاء الهيبة عليها، إقليمياً أو دولياً، إلا أن امتلاك وسائل التدمير الشامل، وعلى رأسها الأسلحة النووية، أصبح منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، العامل الأول والأساسي، في رسم معالم القوة وتحديد ملامح النظام العالمي ووضع سماته المميزة، وذلك لأن في امتلاك بلد ما لهذا النوع من السلاح، تكمن المخاطر الحقيقية التي قد يتعرض لها البلد نفسه، والمخاطر التي تتعرض لها بلدان أخرى، جراء وجود هذا السلاح.

ويكمن خلف ذلك، أيضاً، ما لهذا البلد أو ذاك من القدرات على فرض النفوذ وممارسة الهيمنة والابتزاز، إقليمياً أو دولياً.

وليس من الغريب أن تكون المحادثات، حول هذا النوع من السلاح، بين أكبر قوتين نوويتين، هي الأكثر تعقيداً وحساسية، والأكثر إثارة للتشكيك بحقيقة النوايا، والأكثر أهمية على المستوى العالمي، طيلة العقود الماضية.

ومما يضاعف من أهمية هذا الموضوع ويجعله مادة تستوجب المناقشة، على مختلف المستويات، هو التغير الهام الذي طرأ على العقيدة النووية التي اعتمدتها الدول التي تمتلك هذا النوع من السلاح، مما يجعل أهميته لا تقتصر عليها فقط، بل أصبحت تهم، كذلك، معظم الدول الأخرى، بدرجات متفاوتة.

كما أن من مبررات الخوض فيه، أن الإدارة الأميركية الجديدة تدعو إلى عالم خالٍ من السلاح النووي، كما ورد على لسان الرئيس الأميركي باراك أوباما في إحدى الكلمات التي وجهها من العاصمة التشيكية، خلال جولته الأخيرة في أوروبا.

وهي دعوة تنعش الآمال البشرية في التخلص من كوابيس هذه الأسلحة، أو التخفيف من كآبة الظلال التي ترسمها الرؤوس النووية، والصواريخ بعيدة المدى، القادرة على حملها إلى مدن أخرى بعيدة، لتطفئ فيها شموع الحياة، وتزرع الأرض بجثامين أهلها الذين لا خطأ ولا خطيئة لديهم.

د.محمد عاكف جمال

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae