من العاصفة التي واجهها بسبب كتابه «فلسطين.. سلام لا فصل عنصري» إلى خبراته التي مثلتها تجربة كامب ديفيد يصحب المؤلف قارئه على واقع الحال في صراع الشرق الأوسط محاولا فضح الكثير من الأكاذيب التي يتم الترويج لها وعلى رأسها تلك المتعلقة بحماس على نحو ما عرضنا له في الحلقة السابقة، إلى جانب تقديم صورة متكاملة بشأن خريطة مواقف الأطراف المختلفة وبشكل خاص إسرائيل والفلسطينيين.
هنا يشير كارتر إلى أنه قبل أن يقدم تصوراته بشأن الفرص المتاحة في المنطقة قد يكون من المثير للأمل أن يلخص حالة الاشتباك القائمة في العلاقات بين إسرائيل وفتح وحماس وسوريا ولبنان. يوضح فيقول إنه على الصعيد الجغرافي تشغل المنطقة التي تقع بين لبنان، نهر الأردن، مصر، والبحر المتوسط حوالي 10 آلاف و600 ميل مربع وهى أكبر قليلا من ولاية ميريلاند. وكل الدول التي تعترف بإسرائيل ونظام محكمة العدل الدولية تقبل الحدود القانونية بالمنطقة على أنها تلك التي كانت قائمة قبل يونيو 1967.
يعرض كارتر لتطور مشكلة الاحتلال الإسرائيلي والذي أوصل الصراع إلى ما هو عليه من اشتعال فيذكر أن ذلك تمثل في احتلال الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان وسيناء من قبل القوات الإسرائيلية. وبعد الانسحاب من سيناء فإن إسرائيل أصبحت تسيطر على 77% من فلسطين التاريخية مع الضفة الغربية 22% وغزة أكثر قليلا من 1% ورغم أن إسرائيل أزالت المستوطنات من غزة فإن الوضع الرسمي لكل من غزة والضفة استمر على حاله كأراض محتلة بدون أية سيادة مستقلة، على نحو لم يحل المشاكل الكثيرة التي يواجهها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة.
وفي معرض الإشارة إلى مأساة هذا الوضع يشير كارتر إلى ما نشرته مجلة «الإيكونومست» البريطانية من أن نحو خمسة ملايين فلسطيني يعيشون في فلسطين التاريخية تحت السيطرة الإسرائيلية. وفي الضفة الغربية تبتلع المستوطنات الإسرائيلية والمناطق العسكرية نحو 40% ومن خلال الجدار الأمني أو حائط الفصل العنصري والأسلاك الشائكة ونقاط التفتيش حبست إسرائيل نحو 5 .2 مليون فلسطيني في تجمعات منفصلة. أما بالنسبة للفلسطينيين الذين يعيشون داخل إسرائيل فهم يعانون من التمييز العنصري وتتنامى عزلتهم عن أخوتهم وتمنعهم إسرائيل كمواطنين تابعين لها من السفر إلى غزة أو إلى معظم الدول العربية.
قيود إسرائيلية
هذا إلى جانب أن أبناء عمومتهم أو أقاربهم في الأراضي المحتلة غير قادرين على زيارتهم في ضوء أن إسرائيل تحاول الحفاظ على من تصفهم بالانتحاريين أو الاستشهاديين في الخارج حسب مزاعم قادة إسرائيل التي تصنف كل فلسطيني يدخل إسرائيل باعتباره مشروع إرهابي في محاولة منهم لتبرير القيود التي يفرضونها على الفلسطينيين.
وقد أعرب عدد كبير منهم ـ نحو 62% ـ في استطلاع للرأي عن مخاوفهم بأن إسرائيل قد تقوم بطردهم في المستقبل. فيما أن 250 ألف مقيم فلسطيني في القدس الشرقية والتي ضمتها إسرائيل إليها عام 1967 لديهم تصاريح إقامة إسرائيلية غير أن حركتهم مقيدة فإذا إنتقلوا إلى الضفة الغربية أو سافروا للخارج من أجل العمل، فإنهم بذلك يغامرون بفقدان حقهم تماما في العيش في المدينة التي ولدوا بها. ورغم أن الموقف مختلف إلى حد ما في غزة فأنه ليس أفضل.
وأما على الصعيد اللبناني فقد تم منتصف يوليو تبادل ناجح للأسرى بين إسرائيل وحزب الله وبمقتضاه تم مبادلة 5 أسرى لبنانيين ورفات 157 آخرين مع رفاة جنديين إسرائيليين وهو ما كان بمثابة مؤشر على تحقيق تقدم على هذا المسار.
الأمر الذي صادف تطورا آخر سلبيا تمثل في إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت اعتزامه الاستقالة من منصبه إثر اختيار حزب كاديما رئيسا جديدا للحزب وهو ما تواكب مع إعلانه ورايس والرئيس محمود عباس أنه من غير المحتمل تحقيق أي تقدم جوهري على مسار السلام.
وقد واصل الوزير المصري عمر سليمان لعب دور هام في إدارة عملية تبادل الأسرى بما في ذلك مساعي الإفراج عن شاليط والمساعدة على تأمين الالتزام بوقف إطلاق النار في غزة ومده إلى ما بعد تاريخ انتهائه في ديسمبر، الأمر الذي لم يتحقق حيث كانت وقائع العدوان الإسرائيلي على غزة.
السلام في طريق مسدود
يضيف كارتر أنه لسوء الحظ فإنه في يوليو 2008 أعلنت رايس وأولمرت ان التزاماتهما السابقة بشأن إطار الشامل للسلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية لن يتحقق قبل نهاية فترة رئاسة بوش الابن الثانية في البيت الأبيض، وبدلا من ذلك فإنه قد يكون هناك بيان يتضمن المبادئ العامة المتعلقة بالحدود وبعض القضايا الأخرى.
ويضيف المؤلف إن السلام بين إسرائيل والفلسطينيين وصل إلى طريق مسدود ولا يوجد قادة على كلا الجانبين لديهم القوة السياسية والقدرة على القيام بالخطوات الصعبة المطلوبة من أجل التوصل إلى القرارات الضرورية والحلول الوسط.
هنا وفي عودة إلى الوراء يذكرنا كارتر بما قام به القادة الذين حصلوا على نوبل بدءا من السادات ومناحم بيغين مرورا بإسحاق رابين وياسر عرفات، وبيريز. بل يضم كارتر ما قام به كذلك شارون من إجلاء المستوطنين من غزة.
في مواجهة ذلك تحدث الرئيس عباس تحدث بشكل متواصل وقوي عن الحقوق الفلسطينية مؤكدا معارضته المستوطنات، والحائط الأمني (العنصري) ونقاط التفتيش وحجب الأموال التي تم جمعها لصالح الفلسطينيين والقيود العامة على السفر وحق الطلبة في الدراسة بالخارج. في انتقاد لموقف بلاده يقول أن الولايات المتحدة في مواجهة كل هذه التطورات التزمت الصمت والتسامح بشكل ساهم في تقويض سلطة الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وقد تخلى أولمرت عن رئاسته لحزب كاديما في سبتمبر وجرى اختيار تسيبي ليفني وزير الخارجية بدلا منه لتحل محله وعجزت عن تشكيل حكومة تحالف الأمر الذي انتهى بإجراء انتخابات في فبراير 2009.
غير أنه رغم الظروف الصعبة السابقة التي يعرض لها كارتر يذكر أن السلام اكتسب دفعة أواخر سبتمبر 2008 عندما أعلن أولمرت خلال أسابيعه الأخيرة في الحكم: إننا يجب أن نصل إلى اتفاقية مع الفلسطينيين، بمقتضاها يمكن لنا أن ننسحب من معظم الأراضي، إذا لم يكن كل الأراضي. مع الإشارة إلى فكرة تبادل الأراضي بين الطرفين.
وقد أكد أولمرت فيما يعتبره كارتر توجه إيجابي أن من يريد إحكام قبضته على كامل أرض القدس يجب عليه أن يأتي بنحو 270 ألف فلسطيني داخل أسوار إسرائيل ذات السيادة. وهذا أمر لن يحدث وغير عملي، الأمر الذي يفرض اتخاذ قرار في هذا الشأن.
كما دعا أولمرت إلى أن تكون إسرائيل مستعدة من أجل التخلي عن الجولان السورية بما قد يدفع هذه الأخيرة إلى تغيير طبيعة علاقاتها مع حزب الله وإيران.
تقويض السلام
وفيما بدا حسن استقبال على الصعيد الفلسطيني لهذه التصريحات يشير المؤلف إلى رد فعل الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي راح يؤكد أن تصريحات أولمرت تعد رصيدا لصالح السلام في المنطقة والتي على أساسها يمكن التوصل إلى اتفاق سلام شامل.
ولكن هل سارت الأمور وفق ما أعلن أولمرت أو ما يشتهي كارتر؟ هنا يشير المؤلف إلى أنه على الرغم من إعلان أولمرت المتأخر بشأن إرساء أساس للسلام مع عباس فإن الحقائق على الأرض واصلت تقويض عملية السلام التي تقوم على أساس حل الدولتين.
ومما يشير إليه المؤلف في هذا الصدد تقرير لجماعة السلام الآن أشارت فيه إلى أنه على مدار العام الماضي تم مضاعفة النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية في انتهاك واضح للوعود التي قدمتها أنابوليس والالتزامات الأميركية بدعم خطة السلام.
ويوضح كارتر أنه على مدى الثلاثين عاما الماضية، لم يكن هناك شك في أن المناقشات الخاصة والعامة في إطار الأرض المقدسة وعالميا بأن مصادرة الأرض وبناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية يجري النظر إليه على أنه واحد من أكبر العقبات الأساسية أمام السلام وأنه على هذا الأساس كان هناك تدفق في الإدانات من قبل الزعماء السياسيين.
وخلال زيارة للقدس في منتصف يونيو 2008 راحت وزيرة الخارجية الأميركية تعلن قلقها من أنه في الوقت الذي نحتاج فيه إلى بناء الثقة بين الأطراف، فإن بناء المستوطنات والنشاط الاستيطاني يمكن أن يلحق الأذى أو يضر بعملية التفاوض.
وفي ضوء أن الرئيس بوش لم يتطرق إلى هذه القضية في الخطاب الذي ألقاه في الكنيست فإن الإسرائيليين لم يتجاهلوا فقط موقف رايس، ولكن أعلنوا كذلك عن خطط لبناء نحو ثلاثمائة بيت جديد في الضفة الغربية وعن الاعتزام التخطيط لبناء أربعين ألف منزل آخر خلال العقد المقبل.
إدانة دولية للاستيطان
وفي تتابع سريع لتناول هذا الجانب تحدث عدد من القادة الأجانب عن الأثر السلبي للمستوطنات وبعد أسبوع من الإعلان الإسرائيلي وجه الرئيس الفرنسي ساركوزي خطابا إلى الكنيست أعلن خلاله أنه لا يمكن أن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط ما لم تنقل إسرائيل سيادتها على أجزاء من القدس إلى الفلسطينيين وتوقف الاستيطان في الضفة الغربية. وفي الوقت ذاته أكد على أمن إسرائيل ومعارضة فرنسا القوية لأن تصبح إيران دولة نووية.
كما طالب رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون في أول رحلة له إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية إسرائيل بوقف المستوطنات ووعد بتوفير مساعدات مالية من أجل تحسين أوضاع الاقتصاد الفلسطيني. وفي أغسطس 2008 قامت رايس بزيارة أخرى للشرق الأوسط وراحت تدين بشكل خاص مواصلة إسرائيل خططها الاستيطانية حول الخليل ووادي الأردن وبيت لحم وبيت إل، ونابلس والقدس الشرقية.
ثم يتطرق كارتر إلى قضية إيران فيذكر أن معظم الإسرائيليين والأميركيين يعتقدون أن التهديد الأكبر على أمن إسرائيل هو احتمال امتلاك إيران سلاح نووي وصواريخ ذات قدرة على الوصول إلى القدس وتل أبيب.
وقد عززت التهديدات اللفظية غير المسؤولة من القيادة الإيرانية هذه المشكلة. كما أن الإرهاب يعتبر كذلك حسب كارتر أحد مصادر التهديد الأساسية لإسرائيل وأوجد حالة من الشك في عقول وأذهان الإسرائيليين بشأن رغبة أقرب جيرانهم العيش معهم في سلم.
وقد أضعفت هذه التهديدات القادة الإسرائيليين المعتدلين الذين ربما على استعداد للتفاوض مع الفلسطينيين من أجل التوصل إلى تفاهمات عامة بشأن السلام.
وإن كانت رؤية كارتر هنا تتسم بعدم الوضوح حيث أن حالة الإرهاب التي يتحدث عنها ـ حال الاتفاق على التوصيف الذي يقدمه ـ تعد رد فعل على الاحتلال يمكن أن تزول بزواله وهو الأمر الذي يؤكده فيما بعد بصيغة أخرى.
وهنا يقول: لا يوجد شك في ان اتفاق سلام في الأرض المقدسة ينتهي إلى وجود دولة فلسطينية قابلة للحياة والبقاء يمكن أن يكون عامل رئيسي في إزاحة سبب رئيسي من أسباب الإرهاب في المنطقة.
المؤلف في سطور
ولد في بلينز بولاية جورجيا الأميركية في أسرة تتسم بالوازع الديني وتولى مهام الحكم في البيت الأبيض باعتباره الرئيس التاسع والثلاثين للولايات المتحدة. وقد أسس هو وزوجته مركز كارتر وهو منظمة غير ربحية تستهدف الحيلولة دون تطور النزاعات والعمل على تعزيز الحرية والديمقراطية وتحسين الأوضاع الصحية حول العالم.
وقد ألف كارتر العديد من الكتب منها كتاب فلسطين سلام لا فصل عنصري كما حصل على جائزة نوبل للسلام عام 2002.
الصفحات: 228
عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق
الناشر: سيمون اند سشوستر



