إذا كانت حركة حماس تقدم في الطرح الإسرائيلي والأميركي باعتبارها إحدى العقبات أمام عملية السلام فإن المؤلف وفي سياق محاولته استشراف آفاق وإمكانيات تسوية الصراع يخصص فصلا كاملا من كتابه لتناول موقف الحركة وهل يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي؟

وعلى ذلك يلمس القارئ محاولة كارتر في مسعى للموضوعية وفيما يمثل تعبيرا عن منهجه القائم على محاولة التزام الحياد في التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي الغوص في أبعاد هذا الجانب بما يمكن معه تكوين تصور لا ينتابه الانحياز أو التصيد بشأن الحركة. وفيما يشير إلى طبيعة موقف تل أبيب وواشنطن يذكر كارتر أنهما مارسا ضغوطا مختلفة لجهة إفشال مفاوضات الوحدة الوطنية بين الحركة وفتح. وإدراكا منه لصعوبات الخوض في هذه المنطقة يشير المؤلف إلى أنه فيما كان يعد للقاء مع قادة حماس كان بالغ الحذر بشأن الجدل الذي يمكن أن يحيط بمثل هذه اللقاءات ولكن ما دفعه إلى ذلك هو إدراكه في الوقت ذاته لأهميتها.يقوم الموقف الذي ينطلق منه كارتر على أساس بسيط يتمثل في أن مفاوضات السلام المتواصلة يمكن أن تؤدي إلى نجاح شامل فقط في حال حظي نتاجها بتأييد شامل من الفلسطينيين.

وهنا يذكر أنه رغم صعوبة تحديد وضع حماس مقارنة بالفصائل الفلسطينية الأخرى إلا أن انتخابات يناير 2006 تكشف عن أن 43% من الفلسطينيين عبروا عن تفضيلهم لها. وعلى هذا فإنه إذا عارضت تلك المجموعة التسوية عبر التفاوض خاصة إذا ما لجأت إلى العنف، فإن السلام حينئذ لن يكون ممكنا. وهنا نلمس رغم محاولة المؤلف التزام الموضوعية على ما نذكر تبنيه للتوصيفات الغربية والأميركية بشكل خاص في تصنيف ما تقوم به حماس وهو العنف وليس المقاومة الأمر الذي يمثل مفارقة ذلك أنه رغم إقرار كارتر بأن إسرائيل تمثل قوة احتلال ما يعني أن الأفعال التي تمارس في مواجهتها تعبر عن مقاومة.

محورية موقف حماس

وفي الوقت ذاته يذكر المؤلف في محاولة لتدعيم وجهة نظره أنه إذا ما سمحت بتطور عملية سلمية وتعهدت بالحياد أو موقف إيجابي منها فإنه حينئذ يمكن الحكم عليها من الفلسطينيين بناء على استحقاقاتها. هذا فضلا عن مجموعة المزايا الأخرى التي يمكن ان تتحقق جراء هذا التغير في موقف حماس باعتبار أن وقفا للنار مع إسرائيل يمكن أن يؤدي إلى تراجع حمام الدم ويخفف التوتر ويعزز التطورات السلمية الأخرى.

وفي ضوء حقيقة صعوبة التوصل إلى السلام في الأرض المقدسة بدون انضمام حماس يشير المؤلف إلى جانب من تاريخ الحركة متتبعا نشأتها في محاولة لتقديم فكرة كاملة للقارئ عنها. يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى لقاءاته مع قادة حماس فيذكر أنه جرى الترحيب به بشكل كبير، فيما يعتبره يقدم صورة مغايرة عن الصورة العدائية لقادة حماس التي تجرى محاولة تسويقها في الإعلام الإسرائيلي والأميركي وقد خاض في نقاش مستفيض مع خالد مشعل وقادة آخرين من حماس. ومن مجمل رؤيته بشأن الصراع كله يعرض المؤلف ما يمكن اعتباره مجموعة من الواجبات التي يجب على حماس قبولها من أجل تيسير مهمة السلام في المنطقة.

قائمة من المطالب

وتتضمن هذه القائمة ما يلي:

* أن تقبل أي اتفاق سلام يتم التفاوض عليه بين قادة منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل على أن يتم ذلك بمقتضى بموافقة فلسطينية سواء من خلال استفتاء أو من خلال حكومة ديمقراطية منتخبة.

* أن تقبل وقفا للنار يتعلق بغزة حيث تصر الحركة على أن يشمل مثل هذا الوقف كذلك الضفة الغربية.

* أن تحقق تقدما في مسألة مبادلة الأسرى مع على الأقل خطاب من الجندي شاليط لأسرته.

* أن تتعاون مع مصر وإسرائيل فيما يتعلق بشروط فتح المعابر لغزة.

* أن تقبل الاقتراح الخاص بقوة أمن مهنية غير حزبية في غزة والترتيب ذاته بالنسبة لحكومة فلسطينية مؤقتة حيث يمكن للانتخابات أن تجرى.

* أن تلتقي مع نائب وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي يشاي.

هنا يقدم تفاصيل القضية المتعلقة بمفاوضات إطلاق شاليط وهو عرض يبدو من خلاله أن هناك إخلالا إسرائيليا ببنوده وفق الرواية التي يقدمها كارتر. يقول كارتر إنه عرف أن واحدا من بين الرغبات الملحة في إسرائيل هو إطلاق سراح الجندي شاليط. وقد جرى إخبارنا من قبل حماس بأن إسرائيل عرضت في الأصل أن تطلق سراح 11 ألفاً و600 أسير فلسطيني مقابل ذلك. وقد أرسلت حماس قائمة بالـ 450 الأولين ولكن نحو 70 منهم تمت الموافقة عليهم.

وجرى مناقشة طريق بديل لكسر الجمود من خلال إطلاق سراح الـ 70 إلى جانب 41 من أعضاء السلطة التشريعية التابعين لحماس و10 من الضباط في الضفة الغربية ونحو 500 امرأة وطفل في مقابل شاليط. وقد اقترح كارتر كذلك بأنه بعد الاتفاق يتم تسليم شاليط إلى مصر في انتظار التبادل النهائي، الأمر الذي لم يتم تسويته حتى الآن في ضوء الخلاف الحاصل بين الطرفين حول أعداد ونوعية الأسرى الذين سيفرج عنهم.

لا فائدة من عزل حماس

من هذه النقطة ينقلنا المؤلف إلى بعض الجوانب المتعلقة بتعاطي حماس مع المفاوضات ورؤيتها لمسيرة هذه العملية فيذكر أن قادة حماس غالبا ما يقاطعون مع طرح أسئلة وأن مشعل أعطاه موقفا ذا مؤشرات إيجابية بشأن القضايا محل النقاش وأجاب بحذر بشأن القضايا الأخرى.

المهم أن كارتر تلقى إجابات تفصيلية من حماس إثر عودته إلى القدس للقاء قادة إسرائيل بشأن الأفكار التي قدمها وعلى أساس ذلك أعد تقريرا ألقاه أمام اجتماع مجلس العلاقات الخارجية الإسرائيلي وفيه راح يبدي تفهمه للأسباب التي تقف وراء إحجام إسرائيل عن الخوض في قبول حماس مضيفا أنه رغم ذلك فإنه من المؤكد أن السلام لن يكون شاملا ودائما ما لم يتم التوصل إلى طريقة من أجل التأكد من أن حماس لن تقوض العملية السلمية.

وراح كارتر يؤكد على أن خطة إسرائيل القاضية بالعزل والضغط على حماس واضطهاد السكان في غزة لن تحقق أهدافا ذات مغزى. وأنها فقط تعزز دورة العنف وأن استطلاعات الرأي تشير إلى أنها ربما هي التي تزيد من شعبية حماس فيما بين الفلسطينيين. وأضاف كارتر أن البعض رأى أن لقاءه معهم أضاف قدرا من الشرعية عليهم.

وهو الأمر الذي ينفيه كارتر محتكما إلى الانتخابات التي فازت فيها حماس قائلا: ولكن الحقيقة أن شرعيتهم تحققت أقرت أغلبية الفلسطينيين التصويت لهم في انتخابات 2006 وأن إسرائيل تعرف أن حماس فازت بأغلبية المقاعد البرلمانية. وحسبما يذكر فإن استطلاعا أخيرا للرأي بين المواطنين الإسرائيليين يشير إلى أنهم عبروا عن مساندتهم القوية ـ نحو 64% ـ لإجراء محادثات مباشرة مع حماس إزاء دورها المحوري الذي لا يمكن تجاهله إذا ما كانت هناك نوايا جادة لتحقيق السلام.

وحدة وتماسك

وراح كارتر يقدم ما يمكن أن يعتبر تلخيصا لموقف حماس من خلال اللقاءات التي أجراها معهم والتي تعكسها النقاط السابق الإشارة إليها وقبولهم لأغلب ما ورد فيها باستثناء رفض الحركة لقاء إيلي يشاي باعتبار أن ذلك قد يكون بمثابة اعتراف رسمي بالحكومة الإسرائيلية.

يذكر كارتر أنه من تجربته تعلم أنه يمكن تقدير قادة حماس والشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت سلطتها. فرغم الآثار المدمرة على الاقتصاد في غزة الناجمة عن الحصار وكذلك القيود المفروضة على الحكومة يوجد تماسك وتضامن فيما بين أعضاء الحركة سواء في لبنان أو الضفة أو الأماكن الأخرى.

وإذا كانت الأحكام الأخرى بشأن مواقف حماس تصدر عن أناس لم يتعاملوا معهم بشكل مباشر، فإن رؤية كارتر تستحق التوقف عندها في ضوء أنها تمت من خلال لقاءات مباشرة مع قادة الحركة ولا تنم في الوقت ذاته عن هدف يسود الشك بشأنه. وهنا يشير كارتر إلى تزايد آماله بتحقيق السلام إثر لقاءاته مع قادة حماس.

حيث يذكر أنه جراء التعامل مع خالد مشعل وقادة حماس الآخرين وافق آخرين انطباعهم بأن تغييرا حقيقيا على طريق التحقق خاصة في ضوء الأخذ في الاعتبار رغبة الجماعة أن يعيش الفلسطينيون في سلام. ويذكر كارتر أنه مع إدراك قادة حماس أن عباس يعترف بإسرائيل ويرغب في التفاوض معها على السلام فقد أكدوا له أنهم يقبلون قيادة عباس لمنظمة التحرير الفلسطينية وكذلك كرئيس للسلطة الفلسطينية ومتحدث باسم كل الفلسطينيين.

وإن كانت حماس رغم ذلك ترى أن السلطة تستمد شرعيتها فقط من المساندة الصادرة من القدس وواشنطن وأنه ليس لديها شرعية شعبية في ضوء أن الحكومة المؤقتة التي يرأسها فياض أقيمت على أساس الأمر الواقع وليس من خلال انتخابات حرة. ومن خلال لقاءاته اطلع كارتر على نية الحركة إجراء محادثات غير مشروطة مع فتح تقوم على أساس الاتفاق الذي تم التوصل إليه من قبل في مكة مع إيلاء المزيد من الاهتمام بالجانب الخاص بالقوات الأمنية مع قبول بدعم أطراف محايدة في هذا المجال وبشكل خاص من أطراف عربية وعلى رأسهم مصر.

ووفق رواية ورؤية كارتر فإن المصدر الأساسي للنزاع بين الفلسطينيين بالنسبة للوضع في غزة يتعلق بالقوة الأمنية. وكان الطرفان، فتح وحماس، اتفقا على القبول من حيث المبدأ بفكرة قوة موحدة محترفة بدلا من ميلشيات تقوم على أساس حزبي. ويقر قادة حماس كذلك، حسب المؤلف، بحاجتهم لمساعدة يقبلونها ممثلة في خبراء عسكريين ومستشارين من دول عربية صديقة يتفق الطرفان بشأنها ومع ذلك فهم حاليا يرفضون قوة متعددة الجنسيات للحفاظ على السلام في غزة. والنتيجة المحورية التي يعمل كارتر على تأكيدها هي أن كلا المعتدلين والمتشددين في حماس، سواء في غزة أم في سوريا أكدوا أن الحركة موحدة على خلفية هدفين المصالحة مع فتح ووقف شامل للنار مع إسرائيل في الضفة الغربية وغزة.

قبول مقيد للشروط

وفي مقابل الشروط المختلفة التي يقدمها العديد من قادة المجتمع الدولي من حماس الالتزام بها ومنها الاعتراف بإسرائيل وكذا كل الاتفاقيات السابقة إلى جانب نبذ العنف، يشير كارتر إلى أن إجابة حماس تتمثل في أنها ستعترف بحق إسرائيل في الوجود في إطار حدود 1967 ولكن الاعتراف الدبلوماسي يمكن أن يكون مشتركا بين إسرائيل والدولة الفلسطينية ذات السيادة.

وأما بالنسبة للاتفاقيات السابقة فإن رفضهم لها يقوم على أساس أنها تمت فيما تواصل إسرائيل احتلالها لفلسطين. وإن كانت القضية الأكبر التي قد تثار اليوم هو وماذا عن رفض نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد الاعتراف بما توصلت إليه القيادات الإسرائيلية السابقة من اتفاقات وخاصة بالنسبة لحل الدولتين الذي يصر على إنكاره وعدم تطبيقه. وبالنسبة للعنف توافق حماس، وفق المؤلف، على اتفاقية طويلة الأمد قد تصل لخمسين سنة لوقف النار بين إسرائيل والدولة الفلسطينية دون أن تنكر رسميا حقها في مقاومة إسرائيل إلى أن تتخلى هذه الأخيرة عن احتلال فلسطين.

وفيما يشير إلى انغماسه في هم السلام يشير كارتر إلى أنه ناقش مع حماس تغيير نهج المقاومة إلى آخر لا يقوم على العنف مؤكدا حيوية المقاومة السلمية، وقد وصل في هذا الطرح إلى حد تقديم وثائق وشرائط فيديو بشأن الخبرة الناجحة للمهاتما غاندي ومارتن لوثر كينج وآخرين.

غير أنه يقدم في الوقت ذاته رد حماس والذي يمكن التماس قدر من المنطقية فيه وهو أن الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن أن ينتهي عبر مثل تلك الوسائل وهو الأمر الذي تؤكد عليه تجربة إسرائيل خلال الفترة التي اتسمت بالمقاومة غير العنيفة في الأيام الأولى للانتفاضة الأولى. ورغم ذلك لا يبدي المؤلف يأسا من تغير المواقف وخاصة بالنسبة لحماس.

مشيرا إلى أنه من الجوانب ذات الدلالة المقارنة بين مواقف حماس اليوم ومواقف منظمة التحرير في السابق. فقد كانت المنظمة ترفض حق إسرائيل في الوجود والعيش في سلام وكان ذلك الموقف الرسمي للمنظمة قبل تغيير ميثاقها حيث تم بعد ذلك بنحو خمس سنوات التوصل إلى اتفاق أوسلو. ويتوقع كارتر أن تسلك حماس النهج ذاته انسجاما مع متطلب التوصل إلى اتفاق سلام في المستقبل، معتبرا أن ذلك أمرا ليس مستحيل التحقق.

الصفحات: 228

الكتاب: السلام في الارض المقدسة

تأليف: جيمي كارتر

عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق

الناشر: سيمون اند سشوستر