في رحلة تناوله لمسيرته مع الصراع العربي الإسرائيلي ومحاولة التوصل إلى تسوية له يبدأ كارتر بالإشارة إلى النهج التدريجي الذي اتبعه وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر قبل تولي المؤلف نفسه الرئاسة ويشير في معرض التعليق عليه إلى أن رؤيته كانت تقوم على أن مثل هذا النهج غير سليم وأنه قد يترك النزاع بلا حل أو حتى إنهاء التهديد الذي تواجهه إسرائيل، وهو ما كان من وجهة نظر كارتر يؤكد حيوية الحاجة إلى حل شامل ذلك الحل الذي ينهي الصراع تماما.

ومن المتابعة إلى أرض الواقع يذكر كارتر أنه حاول تطبيق رؤيته تلك لدى توليه مهمته في البيت الأبيض وهنا يذكر انه كان من المعروف بالنسبة لطاقم إدارته أن الصراع العربي الإسرائيلي كان سيحتل رأس أجندته مع قيامه بممارسة مهامه في البيت الأبيض. وفي ضوء خصوصية وضع كارتر فقد تكون روايته والجديد الذي يقدمه بشأن ما دار خلال تلك الفترة بمثابة ضوء جديد يمكن أن يعزز جهود الرئيس الجديد باراك أوباما في أن يحذو حذوه في هذا الصدد. يخصص المؤلف فصلا كاملا لتناول هذه التجربة فيذكر في معرض البدايات أن الرئيس السادات زاره بعد نحو شهر من زيارة لإسحق رابين حاملا معه ما بدا له انفراجة بشأن قضية السلام. وتعد رواية كارتر هنا بالغة الأهمية رغم ما قد يرد عليها من تحفظات في ضوء أنها تمثل تأكيدا للكثير من الروايات التي قدمت من قبل بشأن ما دار خلال كامب ديفيد وأثار الكثير من الانتقادات بشأن إدارة مصر لعملية المفاوضات.

المهم هنا أن كارتر يذكر أنه خلال لقاء جمع بينه وبين السادات في البيت الأبيض استعرضا كل قضايا الصراع بدءا من فكرة مناطق منزوعة السلاح في سيناء وإنتهاءا بوضع القدس كمدينة ذات إدارة مشتركة. ويذكر كارتر إلى أنه ذهب بالسادات بعيدا في مجال ما يراه من أهداف ومن ذلك اعترافه الدبلوماسي بإسرائيل وتبادل السفراء وأخيرا فإنه ـ السادات ـ وافق على أن هذه الأهداف يمكن أن تتحقق بعد نحو خمس سنوات من السلام.

خوض الأخطار لأجل السلام

وراح الرئيس المصري بناء على ذلك يحثه على قيام الولايات المتحدة بالضغط من أجل السلام الأمر الذي كان موقف كارتر معه تقديم وعد بخوض أية أخطار سياسية قد تكون ضرورية من أجل التوصل إلى تسوية سياسية.

لقد كان ذلك اليوم، حسبما يشير المؤلف وحسبما أخبر به زوجته روزالين، أسعد يوم له كرئيس، غير أن ما خيب آمال كارتر هو التطور السياسي الداخلي في إسرائيل والخاص بتولي مناحم بيغين ذي الاتجاهات السياسية المتطرفة رئاسة الوزراء هناك، والذي كان مطلوبا كإرهابي من قبل البريطانيين. ورغم أن التطور المماثل حاليا والمتمثل في تولي بنيامين نتانياهو الحكم من المفترض ان يكون له نفس التأثير، إلا أنه يبدو أن المؤلف يتصور إمكان تكرار ما حدث خلال كامب ديفيد وعلى يد زعيم إسرائيلي متشدد كذلك.

غير أن ما كان له تأثير موازن على رؤى كارتر حسبما يذكر ما لمسه من سيادة توجه لدى الإسرائيليين بالرغبة في السلام حسبما أشارت استطلاعات الرأي آنذاك، وهو ما جعله يتخلى عن اليأس وعلى هذا راح يعرض على بيغين لدى لقائه به تصوراته بشأن السلام الشامل بشكل يتوافق مع القرار 242 وحدود مفتوحة وتجارة حرة مع انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة وحدود آمنة وكيان فلسطيني.

كان تصوره أن إسرائيل يجب أن تنسحب إلى حدود ما قبل 67 وقد لمس كارتر ـ حسب روايته - موافقة بيغين على كل ما طرحه، وإن كان تحفظ على فكرة وجود كيان للفلسطينيين. وراح كارتر يؤكد ـ حسبما يذكر في الكتاب ?عدم شرعية المستوطنات وكونها عقبة في طريق السلام، الأمر الذي لم يلق إجابة من قبل بيغين. في الوقت ذاته الذي واصل معه الاستيطان في الضفة الغربية لدى عودته.

رعاية أميركية سوفيتية

في تلك الأثناء كانت الجهود تبذل لعقد مؤتمر جنيف برعاية أميركية سوفيتية الأمر الذي يذكر كارتر أنه يخيف الإسرائيليين لخشيتهم من تحيز الاتحاد السوفيتي لسوريا وبقية الدول العربية الأخرى فيما كان السادات يشعر بالعزلة عن موسكو.

هنا وفيما قد يبدو محاولة لنسب الفضل له يقول كارتر أنه في ظل بعض الأوضاع غير المواتية في المنطقة دعا السادات إلى تبني مبادرة جريئة وهو ما كان بإعلانه الاستعداد للذهاب إلى القدس، رغم أن الروايات العديدة التي قدمت في تفسير إقدام السادات على المبادرة لا تشير إلى أي دور أميركي أو دور شخصي للرئيس آنذاك وهو كارتر. غير أن كارتر يذكر أن السادات استجاب له بالفعل في نوفمبر 1977 بإعلانه الاستعداد السفر إلى إسرائيل من أجل السلام الأمر الذي كان له تداعياته المعروفة على المستوى العربي والدولي.

يقول كارتر أنه بعد نحو أسبوع أو أثنين من الزيارة بدا أن النتيجة المباشرة لها هي نعي مؤتمر جنيف للسلام. لقد بدا بيغين الذي التقى السادات في الإسماعيلية راضيا عن تطورات الأحداث، فيما بدا السادات قلقا من أن يكون الفشل هو مصير مساعي السلام الذي بدأه خاصة في ضوء إصرار بيغين على احتفاظ إسرائيل بالمستوطنات في سيناء.

يبدو كارتر متحفظا بشأن سلوك بيغن الذي رآه يقوض مساعي السلام حيث أنه راح يشن غارات على لبنان ويؤكد في الوقت ذاته على توسيع النشاط الاستيطاني في الأراضي المحتلة وهو ما رد عليه السادات بسحب كل الزائرين المصريين من إسرائيل. فكانت دعوة الرئيس الأميركي للسادات إلى زيارته في كامب ديفيد بنية صياغة مبادرة أميركية وتنحية مؤتمر جنيف جانبا والعمل على الترتيب لسلام بين مصر وإسرائيل. ورغم إشارة كارتر إلى مخاوف مستشاريه من الفشل، إلا أنه يؤكد أنه قرر أن يأخذ الأمر على عاتقه مهما كانت النتائج دون الخوف من المخاطر.

مأزق السلام واحتمالات الانهيار

من رواية كارتر يبدو لنا المأزق الذي كان السادات يشعر به حيث يذكر أنه لدى وصول الرئيس المصري أطلعه على خطاب كان ينوي إلقاءه في نادي الصحافة يعلن فيه عدم الاستمرار في مبادرته إزاء الردود الإسرائيلية السلبية عليها، غير أنه أقنعه بالعدول عن ذلك. ويبدو أن الموقف الإسرائيلي لم يكن يلق حنق السادات فقط وإنما كارتر كذلك وعلى ذلك قرر أن يتخذ موقفا حاسما أو بتعبيره أن «يصطاد أو يقطع الطعم» خلال زيارة كان مقررا لبيغين وديان القيام بها.

وعلى ذلك أعد ورقة متكاملة من ست نقاط تتضمن الانسحاب السياسي والعسكري من أي جزء من الضفة الغربية، وقف بناء أي مستوطنات جديدة أو توسيع القائمة، سحب المستوطنين الإسرائيليين من سيناء بمصر أو تركها تحت حماية الأمم المتحدة، الاعتراف بقرار الأمم المتحدة 242 وتطبيقه على غزة والضفة، منح الفلسطينيين سلطة حقيقية أو أن يكون لهم الحق في تقرير مستقبلهم، ومناقشة قضية اللاجئين. وفيما راح ديان يدحض هذه المقترحات فإن بيغين التزم الصمت.

يوضح كارتر أنه في تلك المرحلة كان على استعداد أن ينسحب من مواصلة الجهد لإقرار السلام في المنطقة تماما وأنه عرض مقترحاته على القيادات اليهودية الأميركية ولاقت استحسانها. وفيما يشير إلى رغبة كارتر في الموازنة في مواقفه إزاء قوة اللوبي الصهيوني دعا بيغين للتباحث وأعد خطابا لإلقائه تضمن الإعلان عن تشكيل لجنة تنشئ نصبا تذكاريا لضحايا ما يوصف بالمحرقة أو «الهولوكوست». من الغرائب التي يذكرها كارتر أن بعض قيادات الكونجرس الفاعلة ومساندين آخرين أقوياء لإسرائيل نصحوه بالابتعاد عن الانخراط بشكل كامل في صراع الشرق الأوسط وأن عدم الإصغاء لذلك قد يصيب الحزب الديمقراطي والإدارة بالضرر.

فكان قراره بإرسال وزير الخارجية فانس ونائبه مونديل للمنطقة فيما كان السادات يحاول أن يصلح مع القادة العرب ما أفسدته المبادرة. وفيما هو يناقش هذه الأوضاع مع زوجته في كامب ديفيد كانت فكرتها بدعوة السادات وبيغين إلى هذا المكان المنعزل من أجل نقاشات تتم في أجواء صداقة بشأن كل قضايا واحتمالات السلام. وهو الأمر الذي لم يلق ترحيب مستشاري كارتر باعتبار أنه ليس هناك فرصة للنجاح، وإن لم يقدم أحد في الوقت ذاته فكرة بديلة.

وعلى الفور بدأت الجهود السرية للترتيب لمثل هذا اللقاء حيث سلم فانس للسادات وبيغن الدعوة شخصيا وكان رد الطرفين إيجابيا وفي 8 أغسطس 1978 جرى الإعلان بشكل متزامن عن خطط هذا الاجتماع وقدم كارتر عرضا ملخصا أمام قادة الكونجرس والرؤساء السابقين فورد ونيكسون وكانت ردود الفعل تتسم بالحذر الإيجابي. فيما كان طاقم البيت الأبيض في وضع حرج وحساس من قراره الحاسم بعزل المشاركين واستبعاد وسائل الإعلام خلال المناقشات والتي قد تستغرق فترة غير محددة.

مرونة السادات

وعن انطباعاته بشأن المحادثات يذكر كارتر أن السادات كان يبدو على استعداد لقبول أي شيء تقريبا يوصي به كارتر، وبشكل خاص الانسحاب الإسرائيلي من سيناء وعلى القدر ذاته من الأهمية ما يتعلق بالحقوق الفلسطينية. وفيما كان يبدو السادات يتصدر الوفد المصري وصاحب الرأي فيه، فإن بيجين كان يبدو ممانعا لتقديم تنازلات أكثر من أي إسرائيلي آخر في الوفد، مفضلا اقتصار محادثات السلام على مبادئ عامة على أن يتم ترحيل البت في القضايا المعقدة فيما بعد إطلاع أعضاء مجلس الوزراء عليها.

وأثبتت تجربة المفاوضات في كامب ديفيد عدم توافق السادات وبيغين سويا وعلى ذلك كان قرار كارتر بعد ثلاثة أيام من بدئها فصلهما تماما على نحو قضى معه الأيام العشرة الباقية في الذهاب من قائد إلى آخر من أجل حل الخلافات وتعديل كلمة كلمة في مبادرته مع كل تقدم يحدث في المفاوضات.

جاء ذلك بعد أن أشرفت المفاوضات على الفشل في ضوء قسم بيغين بعدم رحيل أي مستوطن من سيناء، ومطالبة السادات بعدم بقاء أي مستوطن ومع الإعداد لرحيل الوفود المشاركة في المفاوضات جاء أهارون باراك أحد المفاوضين الرئيسيين والمقرب لبيغين ويحظى بثقته حيث طرح فكرة ترك أمر وضع سيناء للتصويت عليه من الكنيست. كان ذلك بمثابة مفتاح النجاح ـ حسب رواية كارتر ـ للمؤتمر.

حيث بدا أن عقبة كؤود قد زالت أمام المفاوضات فتسارعت الخطى على هذا الطريق فكان تأكيد إسرائيل التزامها الخطي بقرار الأمم المتحدة رقم 242 وكذلك سحب وجودها السياسي والعسكري من الضفة الغربية وغزة ومنح الفلسطينيين الحكم الذاتي الكامل ووصل الأمر إلى حد تأكيد بيغين على إضافة «الكامل» للحكم الذاتي للفلسطينيين .

ووافق الطرفان على مقترحات كارتر بشأن إطار السلام بين مصر وإسرائيل. ولم يتأخر الكنيست في الموافقة على اتفاقات كامب ديفيد بأغلبية 85 مقابل 15 . وتم استكمال ما جرى بمعاهدة سلام شاملة بين مصر وإسرائيل بمعاهدة في أبريل 1979 واتخاذ خطوات السلام الفعلي بين مصر وإسرائيل من تبادل للسفراء والاعتراف الدبلوماسي وسحب القوات الإسرائيلية من سيناء. وقد ساد الالتزام بالاتفاقيات واحترامها على مدى العقود الثلاثة الماضية حيث لم ينتهكها أي من الطرفين وإن لم تتحقق البنود المتعلقة بحقوق الفلسطينيين الذين رفض قادتهم المشاركة في المفاوضات الخاصة بها.

يشير كارتر إلى أنه خلال العام الأخير من فترة إدارته انغمس في القضية الخاصة بالرهائن الأميركيين في إيران بشكل حال بينه وبين بذل مزيد من الجهد في متابعة تطبيق اتفاقات كامب ديفيد كما يجب، ولكنه كان ما زال يحاول قدر جهده مساندة اتفاقات السلام التي جرى التفاوض بشأنها.

الصفحات: 228

الكتاب: السلام الممكن في الارض المقدسة

تأليف: جيمي كارتر

عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق

الناشر: سيمون اند شوستر