يكتسب هذا الكتاب أهميته من الدور الذي لعبه المؤلف جيمي كارتر خلال توليه مهام الرئاسة في البيت الأبيض بالولايات المتحدة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، حيث نجح في جمع قيادات مصر وإسرائيل على نحو أسهم في التوصل إلى أول اتفاقيات لتسوية الصراع وهي اتفاقية كامب ديفيد والتي كانت بمثابة المدشن الحقيقي لسلسلة من التسويات على المسارين الأردني والفلسطيني كان لها تأثيرها في تغيير طبيعة الصراع. فضلا عن ذلك فإن المؤلف لم يكتف بما اعتبر ـ من قبل جهات عديدة ـ نجاحاً خلال فترة رئاسته وإنما واصل اهتمامه بالصراع الأمر الذي يبدو واضحاً في إنشائه مركزاً للأبحاث واصل من خلاله دراسته لكافة أبعاد القضية، إلى جانب معرفته بكل القادة الفاعلين تقريباً في المنطقة على النحو الذي يجعله يقدم رؤية أقرب إلى المنطق بشأن مسار الصراع في المنطقة.

وإذا كان كارتر لم يكد يرتاح من العاصفة التي أثارها كتابه السابق حول فلسطين.. سلام وليس فصلا عنصريا الذي أغضب إسرائيل ومؤيديها فإنه يستغل فرصة وصول رئيس جديد إلى البيت الأبيض ليقدم ما يراه ملامح خطة عريضة لتحقيق السلام تتمتع وفق رؤيته بإمكانية التنفيذ على أرض الواقع. من عنوان الكتاب نبدأ فنشير إلى أنه نظراً لطوله بشكل قد لا يكون مستساغاً لقارئ العربية فقد فضلنا ترجمته على النحو المشار إليه السلام في الأرض المقدسة.. خطة قابلة للتطبيق ما يشكل جوهر رؤية المؤلف في إمكانية تحقيق السلام على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي من خلال التوفيق بين مجموعة الجهود والمبادرات التي قدمت على هذا الصعيد بالشكل الذي يحاول معه استخلاص ملامح خطة يرى أنها قد تكون مقبولة من أطراف الصراع المختلفة.

وفي معرض شرحه لمهمته من خلال الكتاب يذكر المؤلف أنه من خلال مؤلفه الذي نعرض له يقدم كتابا آخر عن الشرق الأوسط في ضوء حقيقة أن هناك رئيسا جديدا ؟ باراك ـأوباما - يتولى مقاليد الأمور في الولايات المتحدة ويواجه فرصة رئيسية ـ فضلاً عن المسؤولية ـ لقيادة الجهود المبذولة من أجل التوصل إلى وضع حد للصراع بين إسرائيل وجيرانها العرب، مؤكدا على حيوية تلك الفرصة بأن وقتها الآن وسط ظروف عديدة تقول إن تحقيق السلام بات أمرا ممكنا.

دور أميركي محوري ... ويشير المؤلف في معرض توضيحه لفكرته أن الطريق الطبيعي لحل النزاعات في صندوق يجب أن يكون عبر الزعماء السياسيين في إسرائيل وسوريا ولبنان بمساعدة لا بد منها من قبل مصر وبعض الأقطار العربية الأخرى والمجتمع الدولي. ومع ذلك فإنه على مدى الخمسين عاما الماضية فإنه جرى الاعتراف بالولايات المتحدة كمحاور رئيسي يمكن لها أن تقدم الدليل والتشجيع والمساندة لأولئك الذين يريدون الوصول إلى أرضية مشتركة. ولسوء الحظ، فإن معظم القادة في واشنطن لم يتسموا بالفعالية في مساعدة الأطراف المختصة على الوصول إلى سلام فيما بينهم. فيما جعلوا من الصعب على أطراف أخرى وسطاء مثل أوروبا والشرق الأقصى والأمم المتحدة التدخل والتوسط من أجل حل النزاع.

ويؤكد كارتر على أن الجهود التي تبذل من أجل السلام يجب ألا يتم النظر إليها على أنها أمر ميئوس منه، مشيرا إلى أن خمس الحاصلين على جائزة نوبل للسلام هم قادة من المنطقة من 1979 وفي عام 1993 ومنهم زعيم مصري وثلاثة إسرائيليين وآخر فلسطيني. غير أن الحقيقة المرة أو غير السارة حسبما يشير كارتر تتمثل في أنه لا يوجد تقدم ملموس خلال العقد الماضي والنصف رغم الجهود البارزة خلال الأعوام الأخيرة لحكم كلينتون وجورج بوش.

غير أن الغوص في فصول الكتاب واستعراض رؤى المؤلف يجعلنا نلمس مسحة مثالية قد تكون بعيدة عن أرض الواقع وإن كان يحكمها تصور كارتر بأن ما نجح في تحقيقه هو خلال رئاسته تجربة يمكن أن تتكرر رغم اختلاف الظروف والأشخاص.

اهتمام خاص بالصراع

وتكشف لنا قراءة الكتاب عن المحورية التي احتلها الصراع في عقل مؤلفه منذ مراحل مبكرة من عمره حتى قبل توليه مهام الرئاسة في الولايات المتحدة في ضوء التربية الدينية التي نشأ عليها وجعلت للأرض المقدسة مكانة خاصة في تفكيره.

وفي إطار الإقرار بالطبيعة الخاصة التي تحكم القرار الأميركي تجاه الصراع العربي الإسرائيلي منذ نشأته حتى الآن لا يمكن إنكار الدور المتوازن الذي حاول كارتر لعبه بغض النظر عن مدى نجاحه التام في هذا الدور منظورا إليه من زاوية عربية، غير أن الميزة في الرجل أنه رغم سنوات العمر التي مرت به ورغم المواقف الصعبة التي يواجهها نتيجة ثباته على رؤيته، إلا أنه ما زال مصرا على مواصلة طرح ما يراه ضرورياً من أجل تحقيق تسوية في صراع يرى ضرورة وحيوية التوصل إليه.

من المقدمة والصفحات الأولى لكتابه يبدو شعور المرارة لدى المؤلف على الحملة الشرسة التي يواجهها لمحاولته تقديم رؤية تتسم بقدر من الموضوعية بشأن النزاع، فيما يشير إلى أن اليهود يسعون إلى السيطرة على العقل الأميركي بالكامل دون أن يتركوا فرصة ولو محدودة للخروج عن مساندة إسرائيل بالكامل، وهو ما تجلى بوضوح في الهجوم البشع الذي ناله إثر تأليفه كتابه الذي أشرنا إليه في المقدمة وقدمنا له مراجعة سابقة على صفحات «البيان».. بعنوان «فلسطين سلام لا فصل عنصري».

يحاول المؤلف من البداية التأكيد على أهليته لخوض موضوعه فيذكر في معرض تناوله للأساس الذي ينطلق منه بشأن إمكانية تحقيق السلام العربي الإسرائيلي أنه على مدى ثلاثة عقود، انصب تركيزه الرئيسي على مستوى اهتماماته الشخصية، ونشاطه السياسي تمحور حول المساعدة في الوصول إلى نهاية للصراع فيما بين إسرائيل وجيرانها.

فكرئيس للولايات المتحدة ومركز كارتر ـ يذكر المؤلف ـ أنه أتيحت له الفرصة لكي يدرس القضايا المعقدة والمتداخلة وأن يتشاور مع القادة من مختلف المشارب في المنطقة الذين انغمسوا في هذه القضايا ويمكن أن يكون لهم دور محوري في التوصل إلى الهدف النهائي.

وهو في هذا الشأن يشير إلى أنه تلقى من خلال تلك التجربة مجموعة من الدروس المستفادة والتي يأمل من خلالها في أن يساعد القارئ على تفهم الموقف الحالي بشكل أكثر وضوحاً. ورغم ذلك فإن هذه الخبرة لم تشفع له لدى البعض إثر مجرد انتقاده إسرائيل.

مذكرة تفسيرية بمواجهة العاصفة

وفيما يبدو مذكرة تفسيرية للظروف التي صدر فيها كتابه الذي أثار كما أشرنا غضباً إسرائيلياً ويهودياً عليه، يقول المؤلف إنه عندما أنهى هذا الكتاب في صيف 2006 لم يكن هناك محادثات سلام على مدى أكثر من خمس سنوات، بالإضافة إلى ذلك لم يكن هناك نقاش في الولايات المتحدة بشأن القضايا الأساسية التي ينبغي مناقشتها، وسط اهتمام محدود بالقضية.

ويضيف أنه وآخرين في مركز كارتر راقبوا ثلاثة انتخابات في الأراضي المحتلة وتمكنوا بناء على ذلك من تحقيق معرفة وثيقة بحال المواطنين في الضفة الغربية وغزة والقضايا التي تشكل محور حياتهم. وأنه كان يريد منبرا جيدا لتقديم وجهات نظره وقد شعر بأن شرحها من خلال الكتاب يمكن أن يحقق هذا الهدف على المستوى الأميركي.

ويوضح كارتر أنه كان يعرف من واقع خبرته إلى أي مدى تصل صعوبة مساندة أي تحليل سياسي موضوعي في الولايات المتحدة بشأن هذا الموضوع المهم بشكل أساسي بسبب قلة من المرشحين السياسيين أو المسؤولين والتي ستوجه اللوم لأي انتقاد للسياسات الحالية للحكومة الإسرائيلية. ويضيف أنه خلال زيارته للمنطقة وجد أن المراسلين الصحفيين الغربيين على اطلاع كبير بتطورات الوضع في المنطقة وأنهم يشاركونه الكثير من قلقه وقد شعر بمسؤولية شخصية بوصف الموقف، بأفضل شكل يمكنه للشعب الأميركي ووسائل الإعلام وأعضاء الكونجرس.

يقول كارتر: لقد أردت أن أثير نقاشا وربما بعض الاهتمام من خلال إعادة إحياء السلام الذي يحتضر، وكان هذا هو الهدف الأساسي من كتابه.

بالنسبة لمعظم الأميركيين ـ يقول المؤلف ـ كان كتابه الأول الذي يطلع من خلاله القراء الأميركيين على وجهات النظر الخاصة بطرفي النزاع بشأن القضايا المعقدة للنزاع بما في ذلك نقد نادر للسياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.

ويعتبر كارتر أنه فقط من خلال شرح التصورات المختلفة على الجانبين يمكن رؤية أن الاختلافات في المواقف يمكن حلها وتحقيق السلام، مشيراً إلى أن توصيف «العنصرية» الذي ورد في عنوان الكتاب، استغرق منه الكثير من الوقت للتوصل إليه باعتباره أفضل توصيف لما كان يجري وصف السياسات الإسرائيلية به.

ويوضح أنه جرى استخدام المصطلح بشكل أكثر حدة من قبل آخرين أكثر مما استخدمه هو في كتابه. وقد وصل الأمر إلى حد إدانة العنوان من قبل أعضاء بالكونجرس. وخلال مئات اللقاءات والكثير من الخطب التي ألقاها يشير كارتر إلى أنه كان يثار التساؤل والانتقاد لعنوانه غير أن ما أثار دهشته وأزعجه هو اتهامه من قبل البعض بمعادي السامية، الكذاب، الرجل الذي أصابه الخرف، المنتحل لآراء آخرين العنصري، غير العارف بقضايا المنطقة المساند للإرهاب.

غدر الأصدقاء

ويذكر المؤلف أن تلك الاتهامات جرى إعلانها في لقاءات عامة وعلى صفحات كاملة في الصحف في شكل إعلانات، الأمر الذي ألم المؤلف بشكل كبير نظراً لأن بعض الإعلانات التي هاجمته كانت من قبل أصدقاء يهود ومنظمات كانت مساندة له عندما كان رئيسا وفي السنوات التي أعقبت ذلك.

وفي محاولة لاستعادة الماضي ؟ يقول كارتر ؟ أدركت أن استخدام كلمة عنصرية خلال المناقشات أثارت حساسية الكثيرين من المساندين لإسرائيل في أميركا بشأن معادلة إسرائيل مع النظام العنصري في جنوب أفريقيا.

ويشير إلى أنه قد يكون من بين أسباب الحملة عليه الانطباع الذي خلفته فترة رئاسته من شكوك بشأن التزامه تجاه إسرائيل. لقد كان كارتر في معرض دفاعه عن موقفه لا يجد أمامه سوى دعوة كل من ينتقده إلى زيارة فلسطين والتحقق بنفسه من صدق ما ذكره في كتابه بشأن فلسطين وهو ما تحقق بالفعل من خلال الزيارات التي نظمتها جماعات مسيحية إلى بيت لحم ومناطق فلسطينية أخرى داخل الأراضي الفلسطينية حيث جرى إدراك الآثار المدمرة للاحتلال على حياة الفلسطينيين المسيحيين.

ويعزي كارتر نفسه بأنه رغم ما واجهه من انتقادات تركت آثارها السلبية عليه إلا أنه يعتبر أن كتابه السابق نجح في إثارة حالة من الحوار بشأن فلسطين والأوضاع فيها وهو ما مثل الهدف الرئيسي من كتابه.

من هذا المدخل الذي يضعنا في قلب الموقف الحرج الذي يواجهه كارتر بسبب كتابه السابق يصحبنا في جولة على تفاصيل الصراع من خلال الدور الذي لعبه في كامب ديفيد والصعوبات التي أحاطت بالنجاح ومتابعته للصراع خلال الفترات التي تلت رئاسته، حيث لم يفتر اهتمامه بالصراع، وعلى وقع هذه الخلفية سنلمس ويلمس القارئ معنا ما قد يبدو تراجعا من المؤلف في بعض رؤاه أو محاولة التزام أكبر قدر من الحذر في التعاطي بشأن القضايا المطروحة بشكل لا يثير في وجهه عاصفة أخرى غير مرغوب بها.

المؤلف في سطور

ولد في بلينز بولاية جورجيا الأميركية في أسرة تتسم بالوازع الديني وتولى مهام الحكم في البيت الأبيض باعتباره الرئيس التاسع والثلاثين للولايات المتحدة. وقد أسس هو وزوجته مركز كارتر وهو منظمة غير ربحية تستهدف الحيلولة دون تطور النزاعات والعمل على تعزيز الحرية والديمقراطية وتحسين الأوضاع الصحية حول العالم. وقد ألف كارتر العديد من الكتب منها كتاب فلسطين سلام لا فصل عنصري كما حصل على جائزة نوبل للسلام عام 2002.

الصفحات: 228

الكتاب: السلام في الارض المقدسة

عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرازق

الناشر: سيمون اند شوستر