يختم المؤلفان كتابهما بتناول مجموعة من الشخصيات التي تركت أثرا بارزا في المنطقة وهى عديدة ومنها اللورد كرومر وجون فيلبي وجون باجوت جلوب ومايلز كوبلاند انتهاء ببول وولفوتز. وفي تناولهما للورد كرومر يشيران إلى أنه لم يكن مجرد شخصية عبرت مسرح أحداث المنطقة وسجلت موجز تجربتها في كتاب تأسيسي صدر في عام 1908 بعنوان «مصر الحديثة». لقد كان الرجل نموذجا احتذاه ونسج على منواله أكثر من شخصية عسكرية أو استكشافية أو مخابراتية.. جاء أصحابها من الغرب ؟ انجلترا ثم أميركا بالذات ؟
وتركوا بصماتهم على مواقع وأحداث شتى في أنحاء الشرق الأوسط (العربي ؟ الإيراني) كان على مؤلفيْ كتابنا أن يعرضا سيرة كل من هذه الشخصيات المؤثرة التي تسامعت بها حوليات تاريخ المنطقة ما بين فيلبي في قلب الجزيرة العربية إلى باجوت جلوب (باشا) في شرقي الأردن إلى كيرميت روزفلت (في إيران) إلى مايلز كوبلاند صاحب كتاب «لعبة الأمم» ثم بول وولفوتز الذي احتلت سيرته الفصل الثاني عشر، آخر فصول هذا الكتاب.. وقد اختار المؤلفان عنوانا طريفا لذلك الفصل وهو: الرجل الذي عرف أكثر من اللازم من كرومر إلى جون بردغر فيلبي الذي ولد عام 1885 بعد عام واحد من انعقاد مؤتمر برلين بعنوانه الشهير في التاريخ التسابق (بمعنى التكالب) على أفريقيا. ويرى المؤلفان في حياة فيلبي شبكة معقدة من التناقضات. لقد تعلم على مستوى راق في جامعة كامبردج.. واعتنق الفكر الاشتراكي المنسوب إلى المدرسة الفابية البريطانية وتنقل بين أحراش الهند إلى فنادق القاهرة إلى أهوار العراق.. وإن كانت شهرته قد ذاعت واتسعت عندما وجد نفسه ? كما يقول كتابنا على ظهر جمل نشيط في طريقه إلى الرياض عاصمة نجد من شبه الجزيرة العربية وكان ذلك في نوفمبر عام 1917 نفس الشهر الذي صدر فيه وعد بلفور المنذر بإقامة كيان صهيوني معاد لكل سكان الشرق الأوسط.
ثم تواصلت أقداره مع تطورات إنشاء الدولة السعودية وشاءت تناقضاته أن يعلن الولاء للعرب من ناحية وأن يكتشفوا أنه كان يتقاضى راتبا سريا بمبلغ ألف جنيه استرليني في الشهر بأسعار العشرينات والثلاثينات من شركات البترول من ناحية أخرى.. ويبلغ التناقض مداه حين يعرض المؤلفان الحياة المزدوجة التي كان يعيشها نجله «كيم» الذي كان مراسلا صحافيا إنجليزيا في بيروت ثم اختفى فجأة ليظهر شيوعيا مخضرما في الاتحاد السوفييتي بعد أن عمل جاسوسا مزدوجا للطرفين.
جاك.. الباشا الإنجليزي
أما جون باغوت غلوب فيظهر بالصور دائما في حلته العسكرية باعتباره قائدا لجيش صغير مقتدر (عنوان الفصل 11 من الكتاب) وهو التشكيل العسكري الذي سجله تاريخ المنطقة باسمه المعروف: الفيلق العربي.
ومرة أخرى تتجسد ظاهرة التناقض.. أو فلنقل تعدد الأبعاد في شخصية هؤلاء الرجال (والنساء أيضا) الذين تداخلت أقدارهم مع مصائر الشرق الأوسط وكانوا في الأغلب الأعم إفرازا للحقبة الإمبريالية التي عاشتها الإمبراطورية بريطانيا العظمى في أوائل القرن العشرين حيث يقول الكتاب (ص 264) : جون باغوت يعرفه العرب باسم «أبو حنيك» (إشارة إلى شدقه الصغير) ويعرفه أصدقاؤه الإنجليز باسم «جاك» ويعرفه الجمهور والساسة باسم «غلوب باشا».. ورغم أن شهرته كانت ذائعة في عقدي الأربعينات والخمسينات إلا أنه أصبح اليوم مجهولا أو يكاد.
شخصية درامية
يستدرك المؤلفان في تفسير أو بالأدق تبرير الفصل الذي كرساه للحديث عن الباشا الإنجليزي.. يطرحان هذا التفسير في 6 أسباب نوجزها كما يلي:
(1) إنه أفضل من يجسد في رأيهما علاقة العسكري المحترف (من الغرب) مع بدو الصحارى (في الشرق الأوسط).
(2)؟ إنه كان مشاركا خلال أيام وجوده بالعراق في ترويع أبناء قبائل الرافدين ومحاولته إخضاعهم بواسطة غارات الطائرات.
(3) إنه استخدم الفيلق الذي كان يقوده في شرق الأردن لدعم مقاومة بريطانيا لثورة رشيد عالي الكيلاني في بغداد عام 1941.
(4) إنه استطاع أن يقود هذا الفيلق في حرب 1948 إلى حيث احتلال القدس الشرقية.
(5) إنه يكاد يجسد شخصية درامية تتصارع فيها نوازع الولاء بين مصالح وطنه الإنجليزي الأول وبين وجوده في خدمة الأسرة الحاكمة بالأردن.
(6) العامل الأخير تلخصه بكلمات مؤلفي الكتاب (ص 265) على النحو التالي: كان قرار طرده المباغت على يد الملك حسين في 1/ 3/ 1956 من العوامل التي مهدت لنشوب أزمة السويس (تأميم القناة وحرب العدوان الثلاثي) وهي الأزمة التي أنهت الهيمنة البريطانية في شرقي البحر الأبيض المتوسط.
حقبة ما بعد الحرب الثانية
ابتداء من الفصل العاشر يتحول بنا الكتاب من مراحل ما بعد الحرب العالمية الأولى ونتائجها إلى الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وامتدت حتى أواخر القرن العشرين.. وهي المرحلة التي شهدت تأكيد دور أميركا بوصفها القوة الأساسية التي خرجت بزهو الانتصار على محور النازي ؟ الفاشي ؟ الياباني في الحرب الأخيرة وتسلمت من ثم مقاليد الهيمنة على مقاليد العالم، لا من خلال الاحتكام المستمر إلى السلاح والسطوة الإمبريالية على نحو ما فعلت بريطانيا أو فرنسا في أزمنة خلت، ولكن بفضل استخدام أميركا للقوى الناعمة الثقافية .. الفنية.. التقنية بالدرجة الأولى.
الحقبة الجديدة التي يعرض لها الكتاب تبدأ من حيث الزمن في عام ,1951. وتتجلى على مسرح كان ملتهبا في الشرق الأوسط اسمه إيران.. وبالتحديد البرلمان الإيراني في طهران حيث صدر القرار بتأميم شركة النفط الانجلو- إيرانية عقب رفض لندن تعديل الشروط (المجحفة في رأي طهران) للامتياز السابق توقيعه عام 1933. وكانت القوة المحركة لهذه البادرة الإيرانية هي حكومة الدكتور محمد مصدق. يومها نشطت لندن إلى إسقاط هذه الحكومة الوطنية.
كيم روزفلت في طهران
وعندما نجح تشرشل البريطاني في التفاهم مع الجنرال إيزنهاور الذي كان قد نجح للتو في انتخابات الرئاسة الأميركية على المشاركة في حل «المسألة الإيرانية» أصبح المجال مفتوحا للمخابرات الأميركية.. ورجلها في طهران كيرميت روزفلت ? «الأميركي الهادئ» كما يصفه الفصل العاشر من هذا الكتاب.. كان «كيم» هو الذي دبر انقلابا ضد الدكتور مصدق.. وهو الذي هيأ الجنرال زاهيدي لقيادة الجيش لصالح الشاه.. وهو الذي موّل تنظيم المظاهرات التي رددت في شوارع طهران عبارة «شاه بيروز آست» معلنة بالفارسية انتصار الشاه.
كان كيم وقتها في السابعة والثلاثين.. شارك في الحرب العالمية الثانية ثم التحق بجهاز المخابرات الأميركي الوليد وقتها.. واستهواه التخصص في منطقة الشرق الأوسط.. بل اتخذ لنفسه مقرا في قاهرة أواخر الأربعينات وفواتح الخمسينات وكأنما كان يستعد لعمليته الكبرى في إيران التي حملت اسم «أجاكس» وصنعت له شهرة بغير حدود في بلاده وفي انجلترا على وجه الخصوص. عن هذه الشهرة والثقة البريطانية يحكي كتابنا (ص 345) ما يلي:
في سنة 1956 زار كيرميت روزفلت لندن. وتوجهت إليه المخابرات البريطانية تحدوها آمال في إقناعه بالمشاركة في عملية جديدة تحمل اسم «انفاسن» ومعناها «عملية فك الحزام أو فك الارتباط» وكان هدف العملية محددا وهو: اغتيال جمال عبد الناصر في القاهرة
يضيف كتابنا قائلا: لكن روزفلت أحجم بحصافة وكياسة عن هذه المشاركة.. وبعدها أصبحت الخطة في خبر كان.
لعبة الأمم ومصداقية الكتابات
عن مايلز كوبلاند.. ينشر المؤلفان فصلا كبيرا تحت عنوان يمكن ترجمته كالتالي: تلميذ الشعوذة أو المشعوذ المتدرب. وفي كل حال.. فهذا الفصل يفتح ستار أحداثه على الرباعي الذي تعوّد رواد السان جورج في النصف الثاني من الخمسينات أن يروه معا.. والرباعي يتألف من سام بريور مراسل النيويورك تايمز وزوجته الحسناء اليانور.. وكيم فيلبي الصحافي البريطاني وأخيرا مايلز كوبلاند الذي عاش من قبل في دمشق والقاهرة قبل أن يستقر في بيروت. كان يجمع بينهم لقاء البار في الفندق الفخيم.. ولكن كان الأهم أن الرابط الأساسي هو صلة كل منهم بشكل أو بآخر مع أجهزة الاستخبارات في كل من لندن وواشنطن. فأما سام فقد طلق امرأته.. وأما زوجته اليانور فقد اختارت أن تتزوج «صديقه» كيم. أما كيم نفسه فقد فوجئ العالم كله باختفائه ثم ظهوره في موسكو السوفييتية بعد أن اتضح أنه كان عميلا مزدوجا لكل من مخابرات بريطانيا والكي جي بي الشيوعي..
بقي مايلز كوبلاند الذي ذاعت شهرته بعد صدور كتابه بعنوان «لعبة الأمم». وعن سيرة الرجل يحرص المؤلفان على إبراز الجوانب المعتمة منها.. وأولها عدم تحديد سنوات ميلاده وثانيا عدم وضوح مؤهلاته الدراسية التي اقتصرت على شهادة الثانوية الصناعية في عام 1931. أو ربما في عام 1932 كما يخمن المؤلفان (ص 352). بعدها يحار المؤلفان في متابعة تطوره المهني ما بين التحاقه بالحرس الوطني في أميركا أو بسلك المخابرات في بريطانيا أو نشاطه في دمشق حيث يصور كوبلاند نفسه على أنه القوة المحركة لأحداث سوريا في أواخر الأربعينات وإن كان المؤكد أنه أصدر قاموسا بالمصطلحات العامية عند العرب.
والمؤكد أيضا أن كان له دور ما.. أيا كان حجمه في انقلاب حسني الزعيم عام 1949. وأنه كان على صلة ببعض الضباط الأحرار من مساعدي وسكرتيري عبد الناصر بعد ثورة يوليو 1952. وأنه اختير لتسليم أحد هؤلاء المساعدين هدية مالية لعبد الناصر من الرئيس الأميركي إيزنهاور بمبلغ 3 ملايين دولار.. وهو ما أثار ضيق الزعيم المصري الشاب (ص 373) الذي أوشك على رفض الهدية وردها.. ولكنه ارتأى استخدامها في تشييد برج القاهرة المعروف حاليا. عن كتاب لعبة الأمم يوضح المؤلفان (ص 379) أن ما من سبيل لتوثيق مدى المصداقية التاريخية لمثل هذه النوعية من الكتابات لأن عالم التجسس أقرب إلى برية متعددة المرايا لا يرتع فيها سوى خيال الروائيين والمسرحيين ومخرجي الأفلام.. ولا يوجد مثال أبلغ على ذلك من حياة وأعمال مايلز كوبلاند نفسه.
سلسلة من الأخطاء
أخيرا يصل الكتاب إلى بول وولفوتز.. الأكاديمي الأميركي الحاصل على دكتوراه في الرياضيات.. وبوصفه من غلاة المحافظين الجدد فقد كان النائب رقم واحد لوزير الدفاع رامسفيلد الذي أسند إليه دور مهندس غزو العراق. هنالك استخدام وولفوتز عقليته الحسابية ليؤكد أن عملية الغزو لن تتكلف شيئا بل سيتكفل بترول العراق بمصاريف السيطرة على العراق خاصة وأن أهله سوف يستقبلون الغزاة الأميركان بالترحيب والرياحين وبديهي أن هذا كله لم يحدث.. فالشعوب العريقة ترفض مخططات الغزو والاحتلال مهما كانت الشعارات. والذي حدث هو أن اضطروا إلى نقل وولفوتز من الحربية إلى البنك الدولي حيث اضطر هو شخصيا إلى الاستقالة بسبب معارضة موظفيه لسلوكياته التي جمعت بين الانحراف الخلقي وبين المحسوبية الوظيفية.. الأمر الذي يدفعنا إلى تصوّر أن الرجل الذي يعرف أكثر من اللازم (عنوان الفصل الأخير من الكتاب) فشل شخصيا في أن يضع هذه المعرفة في خدمة الحق والخير أو الإنسانية.
الصفحات: 507
الكتاب: عملية اختراع الشرق الاوسط
تأليف: كارلماير وشارين بريساك
عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: نورتون وشركاه، نيويورك، لندن

