يجمع مختلف المتابعين والمراقبين للشؤون اليمنية على أن الأحداث التي تشهدها اليمن إنما تنطوي على مخاطر جمة تنذر بمخاطر حقيقية تهدد الوحدة اليمنية، ما لم تبادر السلطات إلى اتخاذ تدابير لمعالجة الأسباب التي أدت إلى هذه المحنة ووقف تداعياتها.

ويرى المتابعون لمسار الحراك الاحتجاجي، وتصاعده في المناطق الجنوبية الشرقية منذ أن بدأها محتجون عسكريون ومدنيون يطالبون بتسوية أوضاعهم الحقوقية عام 2007 يلحظون منحى جديداً لتطور الأحداث ظهرت ملامحه في أكثر من مؤشر مادي ورمزي عكست في مدلولاتها حالة من التذمر إن لم تكن انقلاباً شعبياً على الوحدة اليمنية ومع أن تلك المناطق كانت الأكثر حنيناً وتطلعاً للوحدة اليمنية التي أعلنت في الـ 22 مايو 1990 بميلاد الدولة اليمنية الموحدة إلا أنها اليوم تبدو على غير ذلك ، وبدت الشعارات والمطالب المرفوعة الداعية إلى العودة إلى ما قبل عام 90 تجد صدى واسعاً لدى قطاعات عريضة.

لكنها بالمقابل تؤذي مشاعر آخرين يرون في الوحدة منجزهم الوحيد الذين يفخرون فيه أمام تواضع ومحدودية الإنجازات الأخرى الأمر الذي يطرح تحدياً كبيراً على السلام الاجتماعي والاستقرار السياسي في البلاد، وعلى أمن المنطقة ككل وهو ما ذهب إليه الرئيس اليمني علي عبدالله صالح نفسه عندما حذر من خطورة الوضع ومن أنه قد يقود ليس فقط إلى وجود دولتين بل دويلات يتقاتل فيها الناس من باب إلى باب، ومن نافذة إلى أخرى.

ويعزى تفاقم تلك الأوضاع من وجهة النظر الرسمية إلى وجود مؤامرات خارجية تدبر تجاه البلد ووحدته وعلى الرغم من أن السلطات تقر بوجود بعض السلبيات التي أفرزت هذه الأوضاع إلا أن مسئولين كبار كثيراً ما قللوا من أهمية الاحتجاجات الشعبية في المناطق الجنوبية الشرقية منذ أن بدأت في مارس 2007 الأمر الذي أنعكس على بطء التسويات والمعالجات للأسباب التي أنتجتها.

وقال المحلل السياسي محمد سيف النقيد لـ «البيان» «الأزمة التي تعصف بالمناطق الجنوبية من اليمن ليست وليدة اليوم بل تمتد جذورها إلى منتصف التسعينات من القرن الماضي، وتحديداً إلى ما بعد حرب صيف 1994 الأهلية التي اندلعت على خلفية انقسامات وصراعات سياسية مريرة بين النخبة الحاكمة في البلاد».

ويذهب النقيد إلى أن الطريقة التي أُديرت بها ملفات ما بعد الحرب من قِبل قوى المركز المنتصرة في صنعاء أدت إلى مفاقمة المشكلة عوضاً عن حلّها، إذ تم تجاوز العديد من القضايا المُلِحّة المترتبة على هذه الحرب، كقضية الضباط والجنود المُسرّحين، والذين ينتمي أغلبهم إلى أقاليم ومحافظات اليمن الجنوبية، وكذلك مصير مقرات الحزب الاشتراكي وممتلكاته وأمواله، كما موقعه في هيكلية الحكم وبُنَاه السياسية، ناهيك عن مشكلة الأراضي التي وزعت بشكل تعسفي، أو تم وضع اليد عليها بالقوة من قِبل سياسيين وقادة عسكريين، أو أشخاص نافذين في الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب في مناطق الجنوب .

ومع أن الحكومة خصصت ما يربو عن 50 مليار ريال لتسوية أوضاع المتقاعدين والمنقطعين عن الخدمة طبقاً لما أكده الرئيس صالح مؤخراً، إلا أن الاحتجاجات تواصلت بل أنها تحولت إلى مطالب سياسية تنادي بالانفصال.

من جانبه يرى الباحث والمحلل في مركز سبأ للدراسات الإستراتيجية عايش عواس في تعليق له لـ «البيان» أنه لن يستفيد من الفوضى الحالية سوى الحركات الدينية المتطرفة والجماعات الإرهابية التي تنشط، وتنتعش كلما ضعفت الدولة، أو انهارت مشيراً أنه ليس من صالح أي طرف أن تتجزأ البلاد، وتتحول إلى مليشيات قى ظل وجود ما يربو عن 20 مليون قطعة سلاح في يد السكان.

ويذهب عدد من المراقبين إلى أن ما يجري ليس إلا تراكماً للأخطاء التي أفضت إلى هذه الحالة، ومن تلك الأخطاء حسب النقيد: «سوء إدارة الحكم وشيوع الفساد بين هياكله ومؤسساته على اختلافها، والافتقاد إلى الشفافية والتبصّر في التعاطي مع أزمات البلاد ومشاكلها، وتحول السلطة إلى مزيد من الشخصنة لا المؤسسية، وأحادية عملية صنع القرار واحتكارها بيد عدد محدود من الأفراد».

وأنتج هذا الوضع اصابة الكثير من مؤسسات الدولة القائمة بالشلل، أو الترهّل وقلّة الفاعلية في أحسن الأحوال. كما أدى إلى ترسيخ ذهنية التعامل الأمني مع الكثير من القضايا الوطنية، ودفع البعض، في المقابل، إلى المواجهة وتحدي السلطات عن طريق استخدام العنف والاحتكام إلى السلاح، وهذا كله خلق مناخاً مواتياً لتفشي حالة من عدم الاستقرار في معظم أرجاء البلاد، وأخذت تُلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل «العربية السعيدة» وعلى نحو يُنذِر، في حال لم تعالج المشكلات الراهنة بذهنية جديدة مُنفَتِحة وديمقراطية ترمي إلى تحقيق العدالة والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، بأن ما نشهده اليوم ليس سوى قمة جبل الجليد وأن القادم سيكون أسوأ بكثير!.

ويرى عوا س أن الخروج من هذا الوضع يمكن بتبني جملة من الإجراءات والتدابير وهي: توسيع نطاق الحكم المحلي ومنح السلطات المحلية صلاحيات واسعة، وتبني نظام انتخابي جديد يسمح بتوفير العدالة لقطاعات واسعة من السكان.

الواضح أن اليمن يواجه محنة صعبة مما يستدعي ليس فقط أن تبادر السلطات إلى اتخاذ تدابير وإجراءات تصحيحية لمسار الأوضاع وإعادتها إلى طريقها الصحيح، بل وتقديم يد العون لهذا البلد بغية انتشاله من السقوط في وضع لن يكون في صالح المنطقة ولا العالم.

صنعاء -عبد الكريم سلام