في هذه الحلقة نواصل مع المؤلفين استعراضهما للشخصيات التي رسمت تاريخ الشرق الأوسط الحديث وكيف ساهمت في هذا الأمر على النحو الذي عكس مصالح بلادهم. ويقع في القلب من هذه الشخصيات لورانس العرب الذي صيغت حول الأساطير بشأن تأثيره في مسار الشؤون العربية خلال فترة الاستعمار على نحو جعله من الشخصيات المحورية في تاريخ المنطقة الأمر الذي يبدو في احتلاله مكانة ريادية على صعيد ذكره على شبكة الإنترنيت سواء من حيث عدد مرات ذكره من ناحية أو من ناحية الاهتمام بالكتاب الذي ألفه بعنوان أعمدة الحكمة السبعة.

ويشير المؤلفان إلى الطبيعة المتناقضة التي اتسمت بها شخصية لورانس حيث أنه فيما كان يمتدح البدو إلا أنه يصفهم في موضع آخر بأن عقولهم مظلمة. وحسبما يشير الكتاب فإن سيرة لورانس المهنية تبدأ مع دخول بريطانيا الحرب العالمية الأولى حيث عاش حياة حافلة انتهت عام 1935 في حادث سيارة تراجيدي في نهاية درامية بقدر ما كانت حياته سلسلة من التآمر والجسارة.

على مدى أربع سنوات من الصراع والدمار اشتعلت نيران الحرب العالمية الأولى.. سقطت إمبراطوريات وزالت ممالك وذهبت نظم ودول إلى غياهب النسيان.. ضحايا الحرب بلغ عددهم ما يلي حسب الإحصاءات التي ينشرها كتابنا: 948 780 32 من بني البشر

لمعت في سياق الحرب ومآسيها أسماء وألقاب عديدة: جنرالات.. قباطنة.. جواسيس كولونيلات..

قادة في البر والبحر والجو بالآلاف.. ولكن يد الزمان ما لبثت أن أهالت على ذكراهم تراب النسيان.. ولكن باستثناء اسم واحد ظل مذكورا وشهيرا بكل معنى وهو: لورانس.. الكولونيل الإنجليزي.. عميل الاستخبارات البريطانية ومستكشف صحارى الجزيرة العربية وصاحب الكتاب الذي يعد من عيون المؤلفات في الأدب الإنجليزي المعاصر بعنوانه الشهير: أعمدة الحكمة السبعة

على فضاء الحاسوب الإلكتروني

وبحكم اهتمام العالم واهتمام كتابنا أيضا بالشرق الأوسط.. فما زالت شهرة لورنس متواصلة ربما حتى الحقبة الحالية التي تعيشها المنطقة. وبالإضافة إلى الفيلم الشهير الذي قدمه المخرج الإنجليزي «ديفيد لين« عن لورنس العرب فقد انتقلت شهرة لورنس إلى المواقع الإلكترونية على فضاءات الحاسوب. وفي هذا يقول مؤلفا الكتاب (ص 195): في نوفمبر عام 2006 كان اسم لورنس قد تردد ذكره مليون و920 ألف مرة بالتمام والكمال على موقع الشبكة العالمية.. وإذا ما قارننا هذه المكانة مع أنداد لورنس ومعاصريه من قادة الإمبراطورية البريطانية في تلك الفترة لوجدنا أن لورد كتشنر وزير حربية انجلترا ورد اسمه 339 ألف مرة.. وأن المارشال اللنبي لم يرد ذكره على شبكة الحاسوب سوى 41900 مرة.

أعمدة الحكمة: نيو كلاسيك

صدرت أول طبعة من كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» في عام 1926 وفي حدود 200 نسخة فقط.. وها هي النسخ الأصلية من طبعة كرنويل تعرض في منتديات الكتب وسط هالة من الشهرة والدعاية أسوة بسجل الأعمال الأًصلية لشاعر الإنجليزية الأكبر ويليام شكسبير.. أما الطبعات المتوالية من هذا الكتاب فقد بلغ حجمها كما يحصي مؤلفانا ما يزيد على مليوني نسخة.

وفي عام ,1984. أحصى استقصاء أدبي صدور 30 ترجمة لسيرة حياة لورنس باللغة الإنجليزية وما زال العدد يتضاعف، فضلا عما صدر في أقطار ولغات أخرى ما بين التركية إلى العربية والإيطالية والإسبانية والفرنسية والألمانية وغيرها.

إن كتابنا يتابع سيرة ومسيرة لورنس.. وخاصة عندما وفد على منطقة الشرق الأوسط يحدوه شغف غريب بأن يحقق ذاته في فيافي صحرائها وبين شعاب جبالها وفي صفوف محاربيها الذين أعلنوا التمرد على السلطة العثمانية التي وضعت بلادهم تحت حكم الأتراك على مدى ما يقرب من 400 سنة من عمر العصر الحديث.. هي نفس الفترة النفيسة التي استطاعت فيها أوروبا أن تتحول من حكم قبائل الهون البربرية إلى حيث بناء الدولة الحديثة.

لا يفوت مؤلفا الكتاب أن يؤكدا على مدى التناقض ؟ ربما إلى حد الانفصام الفكري في شخصية لورنس.. وهما يوردان أمثلة على ذلك في سطور هذا الفصل الذي كتباه عن هذا الكولونيل الغامض.. والشهير في آن.

هذا التناقض الغريب

يوضح المؤلفان (ص 201) كيف كان لورنس يسترسل في أحاديثه مع جلسائه لاحتسائه القهوة العربية المرّة فيتكلم عن قيادته الجماعات التي تمردت على الأتراك انطلاقا من منطقة الحجاز وصعودا إلى بر الشام.. وكان يصفهم بأنهم مقاتلون من أجل الحرية ومناضلون في سبيل الاستقلال.

ولكن في سطور كتابه «أعمدة الحكمة.. الخ« فقد آثر لورنس أن يسجل رأيا آخر تماما.. إذ كتب في تلك السطور يقول: كانوا يتصفون بعقول غريبة ومظلمة.. يستبد بها الإحباط والاكتئاب.. لا يعرفون النظام.. ولكن يعرفون الاندفاع الجسور انطلاقا مما كانوا يعتقدون..

يواصل كتابنا تحليله لشخصية وطروحات لورنس فيقول: لقد جعل كل همّه أن يقسم السلطة في بلاد العرب بين أبناء الشريف حسين.. لكن لورنس لم يكد يلقي بالا ولا تعامل بالجدية الواجبة مع المستقبل الذي ينتظر ذلك العالم العربي في ظل هذه الممالك: أين تقع حدوده ؟ وما الذي يحدث للأقليات التي تعيش في إطاره.. وماذا تؤول إليه انقساماته الدينية والقبلية والعرقية؟

باختصار يقول مؤلفا هذا الكتاب: كانت سياسة لورنس.. مثل شراذم المحاربين الذين كان يقودهم: ظاهرة أقرب إلى السراب أو الارتجال.

من الفرات إلى النيل

في كل حال يتابع المؤلفان السيرة المهنية كما نسميها للكولونيل لورنس.. ويعتبران أن محطتها المهمة الأولى هي دخول بريطانيا حلبة الحرب العالمية الأولى في أغسطس عام 1914. في هذه الفترة كان لورنس في انجلترا يتابع مع عالم الآثار الإنجليزي «ليوناردو وولي» إنجاز دراستهما المشتركة لمسح شبه جزيرة سيناء لحساب صندوق استكشاف فلسطين (وكان مؤسسة تابعة للحركة الصهيونية.. إذ كانت سيناء من المناطق المقترحة للوطن القومي اليهودي المنشود).

قبلها أمضى لورنس عدة مواسم ليشارك وولي في حفريات مناطق الحيثيين القديمة قرب الحدود التركية على نهر الفرات. وفي ديسمبر من نفس العام صدر القرار بنقل لورنس إلى مصر كي يلتحق بالمكتب العربي المسؤول عن الاستخبارات الإمبراطورية تحت قيادة الكولوينيل كلايتون.. وفي القاهرة تشكلت جماعة لورنس التي ضمت عددا من الضباط الاستعماريين الشبان الذين اعتبروا أنفسهم متمردين على البيروقراطية البريطانية ومطالبين بالتحرك من أجل تشكيل معالم شرق جديد على أنقاض السلطة التركية القديمة، وخاصة بعد أن دخلت اسطنبول العثمانية الحرب العالمية في صف ألمانيا غليوم، وطبعا ضد بريطانيا وفرنسا..

أما مقر معيشة واجتماعات هذه العصبة من الضباط الإنجليز فكان فندق سافوي في قلب القاهرة الذي شهد بدوره انضمام السيدة الوحيدة إلى هذه المجموعة لتشاركهم مخططاتهم المشرقية وهي «جيرترود بل» التي فصلنا الحديث بشأنها في الحلقة السابقة.

مراسلات عربية بريطانية سرية

شهدت هذه الفترة بدورها ظاهرة تعرف في تاريخنا المعاصر باسم «مراسلات حسين ؟ مكماهون».. الأول كان حاكما لمدينة مكة والثاني كان مفوضا ساميا في مصر.. دارت المراسلات حول ما وصف بأنه «العمل المشترك» (ضد تركيا) بمعنى أن تعترف بريطانيا باستقلال «الأمة العربية بأسرها» مقابل وقوف العرب وحركتهم ضد مصالح الأتراك أعداء ملك الإنجليز.

جاءت المبادرة من جانب الشريف حسين الذي عرض هذا التحرك من جانب العرب ويقول كتابنا: إن الإنجليز تلقوا هذا العرض.. وتدارسوه وحللوه ثم أعادوا تحديد معالمه بطريقة غامضة وملتبسة ومبهمة خلال تلك المراسلات السرية التي استمرت حتى مارس ,1916. وكان من شأنها أن أفضت إلى خلافات وتضاربات في تفسير العروض والنوايا والوعود تحت شعار (شديد المراوغة) هو: من أعطى ماذا؟

البدو وسبائك الذهب

وهنا أيضا يلمح مؤلفانا التناقض إلى حد الانفصام في شخصية لورنس التي رسمت الأحداث والوقائع والتطورات وهي صورة ذات بعدين:

الأول: هو لورنس الكولونيل الاستعماري، عميل الاستخبارات البريطانية الذي يحمل إلى بدو الصحراء العربية أموالا وسبائك ذهبية لتحريضهم أو فلنقل إغرائهم من أجل قتال الأتراك.

الثاني: هو لورنس أوف أرابيا الذي يسجل في صفحات كتابه وقائع وشهادات عن شهامة البدو واعتزازهم بشجاعتهم وإيمانهم بقضية الاستقلال والتحرر من ربقة الأتراك.

وبين المقاتل في الصحراء.. والممول لشراذم المقاتلين تتجلى الصورة الثالثة المرتبطة بلورنس.. وتجسدها شخصية المستشار السياسي الذي شهدته كواليس مؤتمر الصلح في باريس بعد الحرب في عام 1918 ناصحا للأمير العربي فيصل ابن الحسين الذي انتدبوه لكي يعرض قضية عرب المشرق ضد تركيا (المهزومة). في نفس الوقت كان لورنس مستشارا لدى ونستون تشرشل مسئول الاستعمار الأول في الحكومة البريطانية.

ويعلق كتابنا في هذا السياق قائلا (ص 211): بعدها أمضى لورنس سنة كاملة وحاسمة أيضا وهو يعمل على توطيد عرشي العراق وشرق الأردن لصالح نجلي الشريف حسين ( فيصل وعبد الله ) بل ظل يسعى ؟ بقدر أقل من النجاح ؟ للتوفيق بين أفكار الزعماء العرب وبين خلق «وطن قومي صهيوني ترعاه بريطانيا في فلسطين» وعندما عاد إلى إنجلترا انتخبوه زميلا في جامعة أكسفورد وعكف على تأليف كتابه الذي كان يأمل في أن يكون مدرجا في سلك الروائع ويقارن يوما بأعمال من طراز الحرب والسلام (تولستوي) أو موبي دك (هيرمان ملفيل) أو الأخوة كارامازوف (دستوفسكي).

وفي عام ,1922. أقدم على خطوة غريبة وجسورة وكان قد بلغ الثانية والثلاثين فتطوع كمجند طيار في سلاح الجو الملكي البريطاني.. واتخذ لنفسه اسما مستعارا هو الجندي.. روس.. كان يريد العمل تحت ستار من السرية.. لكن السر تسرب إلى الصحافة حيث صدرت الدايلي إكسبريس وعلى صدر صفحتها الأولى عناوين تقول: الملك غير المتوج.. أصبح نفرا مجندا. لورنس أوف أرابيا.. بطل الحرب يتحول إلى جندي بسيط التماسا للسلام والهدوء كفرصة يكتب فيها كتابه المرتقب.

وفي مايو عام 1935 انتهت حياة لورنس في حادث سيارة تراجيدي وكأنما شاء أن يكون نهايته درامية بقدر ما كانت حياته سلسلة من التآمر والجسارة والمغامرة في آن واحد.

الصفحات: 507

الكتاب: عملية اختراع الشرق الاوسط

تأليف: كارلماير وشارين بريساك

عرض ومناقشة : محمد الخولي

الناشر: نورتون وشركاه، نيويورك، لندن