من تقديم لمحة سريعة عن دورها إلى استعراض الكثير من تفاصيل ذلك الدور نتابع مع المؤلفين في هذه الحلقة ما لعبته المس جيرترود بل بشأن تطور الأوضاع في العراق في ضوء ما يصفه الكتاب عنه بأنها كانت من أكثر المحيطين علما بأحوال منطقة الشرق الأوسط، وأن اسمها ارتبط بدوائر وزارتي الخارجية والمستعمرات في لندن بتقرير حول الإدارة المدنية لبلاد ما بين النهرين.

كما يعرض الكتاب لتفاصيل الاجتماع الذي عقد على نيل القاهرة في فندق سميراميس وخلاله تم رسم مستقبل الشرق الأوسط، حيث تبادل أعضاء المؤتمر الآراء حول إنشاء عروش لحكام عرب ترضي المنطقة بحكاية الحكم العربي مع استمرار الولاء لبريطانيا.

وفي هذا الخصوص يقول المؤلفان: كان يوما ربيعيا من أيام مارس.. بالتحديد يوم 12 مارس سنة ,1921. وكان المكان هو فندق سميراميس المطل على نيل القاهرة. وكانت المناسبة مؤتمرا استغرق أسبوعين واستمد أهميته من أنه ـ كما يقول مؤلفا هذا الكتاب ـ جمع كل «صانعي العروش» ممن شاركوا في تصنيع ما أصبح يسمى في مجال السياسة والاستراتيجية باسم الشرق الأوسط.

من نجوم المؤتمر كان الكولونيل لورنس إياه الذي أرسل خطابا لشقيقه في لندن يصف ما أحاط بالاجتماع من ضروب الأبهة من حيث جمال المكان وفاخر الأثاث وسخاء الضيافة.. «لدرجة أن كل هذه الفخامة وكل هذا الترف.. جعلوني يا أخي في عداد البولشفيك (الشيوعيين)».. إلى المؤتمر المذكور جاء الاستعماري العتيد ونستون تشرشل.

في اليوم التالي لانعقاد المؤتمر جاءت «المس» ـ الآنسة.. وهو اللقب الذي كان معتمدا وقتها ليصدق على الإنجليزية المستعربة التي ما زال اسمها مرتبطا في حوليات التاريخ العربي المعاصر باسم العراق.. ابتداء من إنشاء الدولة العراقية بشكلها وتكوينها المعروف ـ وليس انتهاء بتنصيب أول ملوك العراق المعاصر وهو فيصل الأول نجل الشريف حسين قائد التحرك ضد الأتراك الذي نشب عام 1915 باسم «الثورة العربية الكبرى».

امرأة بين الرجال

يقول كتابنا (ص 158): كانت «المس جيرترود بل» هي المرأة الوحيدة المدعوة إلى هذا المؤتمر الفائق الأهمية.. أما النساء الأخريات فكن حاضرات على الهامش بغير دعوة رسمية ولا طبعا مشاركة جوهرية.. بل كان حضورهن لاستكمال لقطات التصوير.. لماذا دعوها؟.. لأنها كانت أكثر المحيطين علما بأحوال منطقة الشرق الأوسط بل ارتبط اسمها في دوائر وزارتي الخارجية والمستعمرات في لندن بالتقرير الذي كانت قد قدمته إلى المراجع العليا بالحكومة البريطانية.

كان تقريرا من 149 صفحة ويحمل العنوان التالي: استعراض الإدارة المدنّية في بلاد ما بين النهرين. كتبت التقرير بناء على طلب مكتب الهند وهو الدائرة الاستعمارية المعنية بشؤون شبه الجزيرة الهندية من جهة والطامعة في أن يمتد نفوذها لتبسطه على قضاء البصرة وجنوب العراق وسائر مناطق الخليج العربية من جهة أخرى.

والغريب ـ على نحو ما يلاحظ المؤلفان ـ أن «مكتب الهند» المذكور أعلاه كان يكاد يسبح ضد التيار.. كيف؟ كان توسيع النفوذ البريطاني الاستعماري من أصقاع الهند حتى بادية الشام وشرقي الجزيرة العربية بشكل إجهاد شديد وأعباء فادحة على عاتق الإمبراطورية البريطانية التي بدأت تنوء بعد الحرب العالمية الأولى بأعباء مالية أجهدت ميزانيتها وبعدها بدأت تتبخر أحلام عتاة الاستعماريين القدامى الذين كانوا يتطلعون إلى إمبراطورية واسعة الأرجاء تكرس نفوذ لندن الإمبريالية من نيودلهي في الهند إلى القاهرة التي تقع على مفارق طرق آسيا.. أفريقيا والشرق الأوسط.

محاولة إرضاء العرب

المهم أن تبادل أعضاء المؤتمر الآراء حول إنشاء عروش لحكام عرب ترضي المنطقة بحكاية الحكم العربي الذاتي مع استمرار الولاء لبريطانيا ـ إمبراطورية الماضي وحليفة المستقبل.. يقول كتابنا: إن عرش العراق كان متجها في البداية إلى عبد الله بن الشريف حسين ثم اتجهت الأنظار إلى فيصل بن الحسين ملكا على العراق ولقي الاتجاه تأييدا من سير بيرسي كوكس مسؤول مكتب الهند الذي ذكر أن مواهب فيصل خلال «الثورة» على الأتراك تؤكد قدرته على تشكيل جيش عراقي على وجه السرعة.

لكن ماذا عن الناس.. عن أهل الأرجاء العراقية؟.. هنا أدرك المجتمعون أن المطلوب هو أن يتقبل أهل العراق أن تأتيهم شخصية من خارج بلادهم لتجلس على العرش في بغداد ويدينون لصاحبها بالولاء.

سؤال من تشرشل

هكذا طرح تشرشل وزير المستعمرات السؤال الذي ترددت دلالاته في قاعة الاجتماع بفندق سميراميس: من يستطيع أن يضمن قبول فيصل محليا؟

هنالك اتجهت الأنظار إلى الآنسة «بل».

صاحبة التقرير الخطير عن ميزوبوتاميا ـ بلاد ما بين النهرين أو أرض الرافدين. كانت قد حذرت في تقريرها قائلة بالحرف: إن أبناء القبائل.. والرعاة وسكان الأهوار ومُزارعي الأرز والشعير والتمور في دجلة والفرات.. لا سبيل إلى استشارتهم فيمن يملك مقاليد حكمهم. في كل الأحوال سوف يلجأون على الفور إلى أشياخهم من رؤساء القبائل وأعيانهم.. ومن ثم فالأفضل في رأيي هو أن نتوجه بهذا الأمر إلى هؤلاء الرؤساء والأعيان مباشرة.

العراق ـ الخليج ـ طريق الطيران

والغريب أن دوائر وزارة المستعمرات، وعلى رأسها تشرشل نفسه، كانوا ينظرون إلى مناطق بلاد ما بين النهرين وما جاورها على أنها مجرد «صحراوات ناكرة للجميل» (!) من هنا كان تشرشل ـ كما يوضح الكتاب (ص 160) عازفا عن تركيز الاهتمام بتلك المناطق، رغم أنه كان مدركا ـ كما يقول تقريره إلى دوائر الحكومة البريطانية في لندن ـ أنها تقع عند الخط الجوي الواصل إلى الهند ومسار الطيران الدفاعي عن الشرق الأوسط. وربما كان اهتمام تشرشل منصبّا بالدرجة الأولى على مصير شرقي الأردن ومناطق فلسطين.. وقد أعرب عن هذا الاهتمام في مؤتمر القاهرة، حيث شهدته قاعات فندق سميراميس وبرفقته لورنس يتناقشان في هذه القضية..

في كل حال أيضا فإن كتابنا رسم صورة لمؤتمر سميراميس في القاهرة جاءت معالمها كما يلي: كان المؤتمر هو ذروة ما بلغته محاولات صياغة سياسة بريطانيا في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب العالمية (الأولى). والطريف أن تشرشل نظر إلى أعضاء المؤتمر نفسه.. وقد قارب عددهم الأربعين وكان منهم السياسيون.. والخبراء وأهل الاستشراق والمستعربون.. والجواسيس والمغامرون.. والوزراء والسفراء .. الخ: ساعتها كان ذلك الاستعماري العتيد على إدراك تام بأن هؤلاء القوم جاءوا من بلاد الإنجليز يتقاسمون الأقطار والساحات وكأنها الغنائم أو أسلاب الحرب.

ساعتها لجأ ونستون تشرشل إلى ثقافته الأدبية المنحدرة من أيام العصر الفيكتوري الذي نشأ فيه.. وربما تمثلت أمام خاطره حكايات الشرق العربية وفي مقدمتها ألف ليلة وليلة ـ والمهم أن تشرشل نظر إلى المندوبين الإنجليز أعضاء مؤتمر القاهرة.. فإذا به يصفهم (ص 160) قائلا: إنهم الأربعون حرامي. وكأن فندق سميراميس تحوّل في لحظة إلى مغارة علي بابا.. بعد أن ساد المؤتمر تياران أساسيان وهما:

(1) ـ تيار يدعو إلى ضم الشرق الأوسط ـ العراق ـ شبه الجزيرة إلى حكومة الهند وكان يتزعمه كوكس وويلسون.

(2) ـ تيار المناداة باستقلال تلك المناطق أو على الأقل إسناد إدارتها إلى شخصيات عربية بحيث تتمتع بالحكم الذاتي الذي قد يفضي إلى درجة من درجات الاستقلال وكان هذا التيار يتزعمه لورنس والمس جبرترود بل.

المرشحون لعرش العراق

في نفس السياق يوضح المؤلفان كيف أن عرش العراق كان مثارا لطموحات ومنازعات ومطالبات من شخصيات شتى.. وازنت بينها حكومة لندن بوحي من مؤتمر القاهرة. وكان على المس «جيرترود مرجريت لوثيان بل» أن تواصل جهودها لترجمة هذا الخيار المريح إلى سياسة ومن ثم إلى حقيقة واقعة في بغداد ـ العراق.

ولدت عام 1868 وكانت أقرب إلى شخصية هاربة من مسرحيات برنارد شو.. لا تتورع عن أن تحث خطاها، في مشية ذكورية كما يقول كتابنا، إلى حيث خيام مشايخ القبائل في بلاد العرب. وكانت أول امرأة تتأهل للحصول على درجة أكاديمية في التاريخ الحديث من جامعة أكسفورد (لم يتم منح درجات للنساء من أكسفورد حتى عام 1920) وبعدها واصلت زياراتها لأقطار شتى منها مصر، حيث ربطتها صداقة ـ استعمارية كما قد نصفها مع عميد الاحتلال البريطاني في القاهرة، لورد كرومر.

من الند إلى بغداد

وحين اجتذبتها دراسة آثار الحضارات القديمة لم تتردد في الرحيل إلى صحارى الشرق الأوسط، حيث حصّلت معارفها ما بين الدراسة العميقة والخبرة والتواصل المباشر مع القبائل فضلا عن زيارات متعمقة للهند جمعت بينها وبين حكامها الإنجليز الذين دفعوها إلى أن تهتم بأحوال بلاد الرافدين، حيث أصبحت المساعد الأول للكولونيل ويلسون المسؤول عن العراق.. وسرعان ما أعلنت معارضته إلحاق بلاد الرافدين بحكومة الهند.

ولم يكن الأمر سهلا في العراق..

ولا كانت المسألة رغبة أصيلة ـ دع عنك أن تكون نبيلة المقصد أصلا ـ في تكريس استقلال العراق: كانت المسألة تطوير نفوذ إمبراطورية بريطانيا الاستعماري بما يديم لمصالحها موطئ قدم في الشرق الأوسط.

ولما كان فيصل الأول هو الحل الأيسر لمصالح بريطانيا فقد اقتضى الأمر مخططات ومؤامرات بعضها كان متدنيا ولكن شاركت جيرترود بل في حبكها وتنفيذها.. كيف لا تكون المؤامرة متدنية المستوى عندما يتلقى الزعيم العراقي السيد طالب النقيب دعوة من ليدي كوكس لتناول الشاي حيث قامت «المس بل» بدور المترجم بين الطرفين.. ولدى عودة الرجل إلى بيته في بغداد يتم القبض عليه واختطافه في سيارة قائد الجيش الانجليزي ثم نفيه خارج العراق إلى سيلان (سري لانكا) في انتهاك صريح سافر ـ كما يصفه كتابنا لتقاليد الضيافة العربية والإنجليزية على السواء.

إحباط سياسي ونهاية مأساوية

والمهم أن أصبح فيصل بن الحسين ملكا على العراق. والمهم أيضا أن نالت «المس بل» لقب الخاتون وقبل أن تتصور أن دانت الدنيا لها: سمعة وشهرة ومساهمة في تعزيز صرح الإمبراطورية البريطانية فوجئت كما يضيف مؤلفا الكتاب ـ بأن الملك الجديد الذي مهدت له كل السبل في بغداد.. يعارض ما طرحته هذه الاستعمارية العتيدة من ضرورة التصديق على معاهدة تؤكد هيمنة انجلترا ـ بالانتداب ـ على مقاليد الأمور وترسخ حقوقا لبريطانيا في العراق.

هل صاحبتها نوبات من اليأس والإحباط حتى اللحظات الأخيرة؟ سؤال سيظل مطروحا ولن يجيب عليه بالطبع سلوكها حين عمدت يوم 11 يوليو سنة 1926 إلى ابتلاع جرعة من حبوب مسمومة وكان أن ماتت خلال نومها تاركة رسالة توصي برعاية كلبها الوحيد الأثير وإن تركت سيرة حياة جعلت «نيويورك تايمز» تكتب في نعيها عبارات تقول: منذ أيام الملكة زنوبيا (الزباء) لم يقَّيض لامرأة أن تلعب مثلها دورا بالغ الأهمية في مقادير الشرق الأوسط.

الصفحات: 507

الكتاب: عملية اختراع الشرق الاوسط

تأليف: كارلماير وشارين بريساك

عرض ومناقشة : محمد الخولي

الناشر: نورتون وشركاه، نيويورك، لندن