الأب كان يقاسي أشد أنواع وأشكال التعذيب الجسدي والنفسي وحيداً في زنزانته التي لا تراها الشمس، وكان قدره أن يواصل الصبر ويرافق العزل بثقة الحق والوطن والنضال، وأن يصمد مدة تزيد على 100 يوم على أمل البقاء، قاهراً جدران زنزانة صنعها حقد الاحتلال الإسرائيلي.. أما الأم فكانت في بيتها تقاسي ظروف الولادة، كلاهما في موقف لا يحسدان عليه، صمد الأب أمام السجان وانتصرت الأم على آلام المخاض، فخرجت مولودة جديدة إلى الحياة حاملة معها «صمود» والدها مكتوباً على شكل شهادة ميلاد فلسطينية إلى العالم. كان ذلك تحديداً في العام 1986.

أما الآن فيعيش أربعة أشقاء، هم: غسان وإباء وصمود ويسار مع والدتهم التي ارتضت أن تدفع فاتورة النضال الباهضة من «جيب» حياتها الزوجية، فيما الأب، كعادة قدره، يقبض على الثقة والإصرار من خلف قضبان سجنه الذي ألِفَهُ منذ سبعينات القرن الماضي، وبات أسيراً فيه لأكثر من 10 مرات سجن في فترات متقطعة، وتبقى الصورة بمجملها تشكل لوحة من النضال الفلسطيني، وتفسر بعضاً من أشكال الصمود والثبات التي ارتضت أن تعيشه عائلات فلسطين في الضفة والقطاع بلا حصر.

إلى الإمارات وللمرة الأولى، جاءت صمود أحمد سعدات، تلك الفتاة الشابة التي تفوح من تفاصيل وجههاً قصص أخرى غير ظاهرة من الصمود، وهنا زارت دبي وأبوظبي على هيئة مشاركة في فرقة «وشاح» للرقص الشعبي الفلسطيني التي قدمت عروضاً فنية راقصة ومغناة في قالب نضالي ينبض بالحياة والحلم.

وذلك من باب مشاركة الفرقة التراثية المحلية في إحياء فعاليات ثقافية عربية تحت لواء «القدس عاصمة الثقافة العربية للعام 2009»..

«البيان» التقت الفتاة الفلسطينية صمود، ابنة الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الذي يواصل قدر الاعتقال الذي كتب له في سجون الاحتلال الإسرائيلية، بعد اعتقاله في مارس 2006 في عملية قرصنة بشعة ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة أريحا لتدخل معها إلى تفاصيل حياة عائلة فلسطينية مختلفة.

حياة مختلفة

أربعة أبناء وأم ووطن جريح وأب بمقاييس مختلفة، هو ما تبقى لعائلة سعدات التي تعيش في مدينة رام الله بالضفة الغربية، لا سيما وأن ظروف انتماء الأب لحزب فلسطيني منذ صغره حرمت الأسرة ملذة العيش في حضن الأبوة كما تقول صمود سعدات. وتضيف صمود أنهم كأبناء لم يهنئوا في العيش مع والدهم إلا في الفترة من العام 1995 وحتى 2000، وهي فترة السلام والاستقرار بعد أن تسلمت السلطة الوطنية الفلسطينية زمام الأمن في مدينة رام الله، فيما ظل سعدات الأب مطارداً من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ ستينات القرن الماضي، وخاض تجربة السجن أكثر من 10 مرات في فترات متقطعة.

طفولة وألم

وتضيف صمود أن طفولة أبناء أحمد سعدات ليست كغيرها، فالأب ظل بعيداً عن الأسرة سنوات طويلة ومؤلمة، فإما كان مطارداً أو معتقلاً، والبيت بكافة تفاصيله اعتاد لحظات مرعبة من الاقتحامات والمداهمات الإسرائيلية التي لم تتوقف حتى عما قريب، مشيرة إلى أنه وفي فترة البحث عن والدها قبل فترة اعتقاله الأخيرة، وحتى في أعوام الثمانينات والسبعينات أيضاً، كان الجيش الإسرائيلي يصر على التعامل مع كل شيء في بيت سعدات بطريقة لا إنسانية ومستفزة، ونادراً جداً ما كان الأب يعتقل من البيت، لكونه ظل يعيش لحظات مطاردة دائمة.

وتوضح صمود أن تجربة الاعتقال الأولى لوالدها حصلت وهو في عمر 15 عاماً، وعايشت الأسرة فترات كثيرة عصيبة من عمرها كعائلة فلسطينية تصر على الصمود والإباء، وفي كل تجربة اعتقال مختلفة، ظلت الأجواء واحدة ومثيرة، ومرعبة إلى حد ما بالنسبة للأطفال المتروكين في البيت من دون أب، حتى أضحى الجميع الآن مدركاً أن عمر فلسطين أثمن وأجمل وأكبر بكثير من عمرهم جميعاً.

صعب ممتع

ورغم معاناة عائلة سعدات كأسرة فلسطينية أفاقت على الحياة من دون أب، ووجدت نفسها في أروقة بيت تفوح منها هالات من الرعب والخوف والسهر والقلق والانتظار، وذلك بعد أن أَلِفَ العدو الإسرائيلي اقتحام الأجواء العائلية بحثاً عن صيد كانوا ولا يزالون يعتبرونه ثميناً، إلا أن هذا الواقع الصعب بنظر صمود الابنة، كان ممتعاً وإيجابياً إلى حد ما، فقد اكتسبت العائلة ميزات مختلفة، وأضحى أفرادها على درجة أكبر من المسؤولية والقوة والثقة، وكلما تعرضت الأسرة لأي جديد يخص الأب، بدا التقارب والتماسك فيها على درجة أكثر إيجابية ووضوحاً، فيما يظل أي نجاح تحققه العائلة منقوصاً لغياب الأب..

تقول صمود: «نحن أسرة عادية جداً، نمارس حياتنا كغيرنا في فلسطين، نعمل وندرس ونعيش ظروفاً اجتماعية مستقرة إلا من اعتقال الأب»، ولا تنكر صمود التأثير السلبي الكبير الذي ربما يسكن في نفوس جميع أفراد أسرتها نظراً لغياب الأب، الذي لم يتواصل مع العائلة سوى في فترات قصيرة جداً ومتقطعة، وبالتالي فقد حرم الاحتلال الإسرائيلي الأبناء جميعاً من حضن الأب «الحنون والصادق والمحب والمخلص»، كما تقول.

دور الأم

عبلة الأم، زوجة أحمد سعدات كانت ولا تزال صاحبة الدور الأبرز على صعيد الحفاظ على أسرة فلسطينية بموازين مختلفة، كما تؤكد صمود، حيث أسهمت الوالدة في دفع الأبناء دون تمييز إلى نجاحات ذاتية مهمة، مسلحة إياهم بثقة الأمل والتفاؤل بالغد، ويظل أمل العيش مع الأب بأمان واستقرار، القاسم المشترك الأبرز لدى أسرة سعدات، فيما الزوجة والأم تلعب إلى جانب دورها المزدوج في الأسرة، دوراً نضالياً بفعل نشاطها في الحركة النسوية الفلسطينية.

مرفوضة أمنياً

منذ اقدام قوات الاحتلال الاسرائيلي على اختطاف الأب من سجن أريحا قبل أكثر من ثلاثة أعوام، وإلى الآن لا تزال صمود محرومة من رؤية والدها، فهي كما تقول «مرفوضة أمنياً» وممنوعة من زيارته.

وكأي ابن أو ابنة أسير، تحلم صمود بيوم اللقاء مع والدها الذي أمضى 56 عاماً من حياته غائباً عنها مؤثراً النضال والوفاء لفلسطين، وتنشد في أحلامها حالة من الاستقرار الأسري بوجود الأب، الذي يتمتع بملامح إنسانية لا تغيب لحظة عن مخيلة صمود، فهي التي عرفت حضن أبيها لخمسة أعوام فقط، والآن تبلغ من عمرها 23 عاماً.

الأمين العام لـ «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، الأسير لدى قوات الاحتلال الإسرائيلي كما تصفه صمود، «يتمتع بسعة لا تتكرر من العطف والحنان، وتعلو من عقله وقلبه لهجة الديمقراطية في تعامله مع أبنائه منذ نعومة أظفارهم»، وذلك تحديداً بعد تسليحهم بالثقة والعلم، ومن ثم منحهم خيارات متعددة بيد الأبناء، ولا يعرف سعدات في علاقته مع أبنائه أياً من أشكال السلطة الأبوية الضيقة، كما تقول ابنته.

ويبقى الأب القابع خلف قضبان معتقله، قدوة لا محدودة بالنسبة لابنته صمود، التي لا تُخفِ أمنية وحيدة، مفادها: «آن الأوان لأن تعيش في ظلال أسرة طبيعية، يعايش فيها الأب لحظات نجاح مفرحة يقرأها في وجوه أبنائه، وهم الذين ألفوا مرارة الحرمان منذ الولادة».

عيش مع لحظات الاعتقال المصورة

تجربة الاعتقال التي نقلت إلى العالم في ربيع العام 2006 من سجن أريحا، وعلى الهواء مباشرة عبر شاشات التلفزة الفضائية، كانت ولا تزال الحدث الأصعب الذي عايشته عائلة سعدات بحالة خاصة بين ملايين المشاهدين في العالم، وللموقف جوانب خوف وقلق وثبات وصمود وانتظار وتضامن وفرح!، لا تغفلها ذاكرة صمود بأدق تفاصيلها.

تقول صمود إنها كانت صباح يوم 14 مارس 2006 في قاعة المحاضرة في جامعة بيرزيت في رام الله، جاءها اتصال من صديق للعائلة، اضطرت للرد لحالة قلق رافقتها، ومن ثم اعتذرت عن إكمال المحاضرة وتوجهت لمتابعة الخبر عبر التلفاز، وسرعان ما سادت الجامعة أجواءٌ تظاهرية شارك فيها آلاف الطلبة، الذين انتقلوا للتظاهر في شوارع مدينة رام الله التي غصت بالمتضامنين.

تلك اللحظات لم تكن عادية بالنسبة لصمود الابنة ولأشقائها الآخرين، الذين تجمعوا سريعاً وتوجهوا إلى البيت لمواجهة موقف آخر صعب تمر فيه أسرة سعدات، وعج البيت بالمتضامنين والمواسين، فيما المشكلة الوحيدة كانت في أن الأسرة لا تعرف مصير الأب، هل نال الشهادة، أم أصيب أم ماذا؟، وذلك تحديداً أثار حالة ارتباك شديدة، خاصة وأن القنوات التلفزيونية تذكر بالحدث لحظة بلحظة، وإطلاق النار لا يتوقف.

الموقف الأصعب ترجمته قناة الجزيرة الفضائية، وهو حينما تمكنت في وقت مبكر من الحصار، من الاتصال بالأب الذي يواجه منعزلاً جيشاً جراراً، وبالأم المنتظرة من بعيد، وتمكن الزوجان في مشهد تداخلت فيه لحظات إنسانية ووطنية من التحدث معاً على مسمع من العالم، وهو ما أبكى الأبناء بعيداً عن المشهد.

في ساعات المساء الأولى، وبعد نهار عصيب مرت فيه أسرة سعدات، بفعل انقطاع الاتصال بالأب المحاصر والمستهدف الوحيد داخل سجن أريحا، جاءت اللحظة المطمئنة نسبياً، وهي يقين العائلة أن الأب لا يزال على قيد الحياة.

ولا يمكن لأحد أن يهمل لحظات خروج المعتقلين في سجن أريحا يتوسطهم الأمين العام للجبهة الشعبية تحت تهديد القوة.. وتجزم صمود سعدات أن أباها لم يكن يفضل ذاك المشهد الختامي، فيما السبب الوحيد أنه لم يعثر على وسيلة يقاوم بها، ولو أنه وجد السلاح لقاتل حتى الاستشهاد، لأنه لا يرضى بغير الواقع البطولي، واليوم يواصل سعدات أداء دور القيادة والبطولة حتى من داخل سجنه.

دبي - عنان كتانة