يعرض المؤلفان في سياق الجزء الذي نتناوله بالعرض في هذه الصفحة للسيطرة البريطانية على العراق والممارسات التي جرت هناك والجهود التي بذلتها بريطانيا من أجل ما وصف بتهنيد البلاد وهو الأمر الذي بدت ملامحه أقرب إلى التحقق مع فرض الروبية الهندية. غير أن الساحة لم تخل تماما لقوى الاستعمار وإنما هب الشعب العراقي إزاء المظالم التي لحقت به فكانت ثورة العشرين التي واجهها الإنجليز بكل قوة وعنف.
وفي ذلك الصدد يذكر المؤلفان أنه عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى في يوليه من عام 1914 دخلت بريطانيا في معمعتها وقد استندت إلى مستعمرتها الشهيرة.. الهند. وقد كانت الهند بالنسبة للإمبراطورية الاستعمارية الإنجليزية مصدرا نفيسا للإمداد بالرجال وسائر الموارد البشرية اللازمة للدفع بها في أتون الصراع العالمي. وينقل مؤلفا الكتاب عن لورد سالسبوري، آخر رئيس وزراء في عهد الملكة فيكتوريا (1819-1901) عبارات تصف الهند وتقول: بصراحة.. نستطيع أن نَصِف الهند بأنها عبارة عن ثكنة إنجليزية تقع في بحار الشرق ومنها نستطيع أن نحشد ما شئنا من الرجال دون أن نتكلف شيئا على الإطلاق.
في سياق روايتهما لأبعاد ما جرى خلال تلك الحقبة يذكر المؤلفان أنه في ضوء التوصيف الاستعماري المشار إليه كان حكام الهند الإنجليز يطالبون بأن يكون لهم رأي فعال في رسم إستراتيجية بريطانيا في منطقة الشرق الأوسط وخاصة بعد أن دخلت تركيا العثمانية حلبة الحرب العالمية في نوفمبر من عام 1914 إلى جانب ألمانيا. يومها سارع حكام الهند البريطانيون إلى تشييد جيوش الراج من الهند فاحتلت منطقة الخليج ما بين البحرين إلى جزيرة الفاو عند مدخل شط العرب ؟ الخط الفاصل كما يقول كتابنا ؟
بين بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين.. وكانت الذريعة المعلنة وقتها هي حماية الناقلات وخطوط الأنابيب والمصافي وحقول النفط التي تمتلكها شركة البترول الأنجلو ؟ إيرانية من أي هجمات تركية. وقبل أن ينتهي شهر نوفمبر كانت ثلاثة ألوية من الهند قد استولت على البصرة وبهذا بسطت الإمبريالية البريطانية نفوذها على مقاليد المنطقة.
حكاية الاستبداد الآسيوي
سدنة الاستعمار البريطاني كانوا مؤمنين بأن السبب فيما تعانيه آسيا وأقطارها وشعوبها من تخلف إنما يرجع إلى ظاهرة وصفتها كتابات الاقتصاديين في تلك الفترة في العبارة التالية: الاستبداد الآسيوي عند هذا المنعطف من طروحات الكتاب يبدي المؤلفان ملاحظة ذكية حين يشيران إلى أن ثمة اتفاقا بين هذا الرأي بين اليمين الرجعي الاستعماري البريطاني وبين أقصى اليسار العقائدي الأوروبي مجسدا فيما طرحه كارل ماركس وزميله فردريك انجلز في البيان الشيوعي الشهير الذي سبق وأصدراه في عام 1848.
على أن المعسكر الاستعماري في لندن مضى خطوة أبعد من مجرد التوصيف، لكي يشيع في عالم تلك الفترة القول ؟ بل هو الافتراء ؟ بأن استعمار تلك المناطق من آسيا.. الممتدة من الهند وجاراتها إلى شرقي الجزيرة العربية ما هو إلا خير وبركة على شعوبها: سوف يخلصها الاستعمار من آفة الاستبداد الشرقي (التركي) ويأخذ بيدها إلى عالم التطور والانعتاق.
نوعية خاصة من المستعمرين
هنالك احتاجت القوى الاستعمارية الإنجليزية إلى نوعيات بعينها من الإداريين ؟ العسكريين بالذات من الذين تمرسوا بالحياة في تلك المناطق وخبروا عادات أهلها. ومنهم من أتقن الحديث بلسانها. وهكذا وقع الخيار البريطاني على رجلين سيتوقف كتابنا مليا عندهما عبر صفحات الفصل الرابع من الكتاب ؟
وهما: بيرسي كوكس وأرنولد ويلسون جاء كوكس كبيرا للضباط السياسيين في البصرة التي سقطت في يد الإنجليز.. وجاء نائبه ويلسون وفي جعبتهما تقاليد الراج الاستعمارية من الهند وفي ظل سيطرتهما على مناطق البصرة والخليج أصبحت الروبية الهندية هي العملة المتداولة وطرحت طوابع البريد العثمانية بحيث ظهرت عليها الحروف الهندية وطبقت قوانين الاستعمار البريطاني في الهند وأوكلوا تطبيقها إلى قضاة من الهنود. وبقدر ما كان كوكس مصمما كان مساعده ويلسون متحمسا وكأنما استبد بهذين الاستعماريين البريطانيين شيطان يرفع شعاراً مخيفاً هو: تهنيد تلك المنطقة العربية.
محاولات «تهنيد» المنطقة
هنا ينقل المؤلفان عن ويلسون خلاصة نظرته إلى الأمور حين يقول (ص 138): كم أود أن أشهد الإعلان بأن بلاد ما بين النهرين (العراق الحديث) قد ألحقوها بالهند لتصبح مستعمرة للهند (تأمل !) وبحيث تتولى إدارتها حكومة الهند بمعرفتها ومن ثم تعمل تلك الحكومة على استزراع الصحارى الشاسعة الخالية من السكان بحيث تجلب إليها من يعمرها من سكان البنجاب (!). يضيف المؤلفان أيضا أن هذا الحماس من جانب ويلسون دفع السير تشارلس هاردنغ نائب الملك ؟ حاكم الهند في مخاطبة جورج الخامس ملك انجلترا قائلا: أملي يا صاحب الجلالة في أن تصبح براري بغداد في القريب العاجل جزءا من الإمبراطورية البريطانية.
ويلسون ولورنس
من هنا يرى المؤلفان ؟ من واقع اطلاعهما على الأرشيف البريطاني في تلك الفترة ؟ أن سياسة الإمبراطورية الاستعمارية ظلت على مدى سنوات خاضعة لتأثير رجلين كان لكل منهما نفوذه وخططه في جناحي الشرق الأوسط (أو فلنقل المشرق العربي) وعلى النسق التالي:
(1) الكولونيل أرنولد ويلسون في جناح العراق والخليج وشرقي الجزيرة العربية.
(2) الكولونيل لورنس في جناح سوريا الكبرى (بلاد الشام) وغربي الجزيرة العربية (الحجاز).
كان ويلسون يتحرك بروح تبشيرية استعلائية ويصدر عن قناعة راسخة تطمع في احتلال هذا الجناح الشرقي من العالم العربي تحت شعار تخليصه من حكم الأتراك.. والشروع في «تمدينه» كي يتواءم مع أساليب الحياة الجديدة في عالم القرن العشرين.
لا عجب أن يطلق عليه مؤلفا كتابنا وصفا هو «الأكيلوت» ومعناه مساعد الأسقف لأنه كان معاون السير بيرسي كوكس الذي جاء إلى المنطقة ؟ كما ألمحنا ؟ وقد تملكته عناصر تجربته الطويلة والمثيرة في استعمار الهند.
في عام 1918 أوفدوا سير كوكس إلى إيران للتفاوض حول معاهدة بالغة التعقيد ومن هنا خلت الساحة في بغداد لصاحبنا الكولونيل ويلسون.. ولما يبلغ الرابعة والثلاثين من العمر:
كان مؤمنا بغير جدال بأن بلاد ما بين النهرين هي مُلْك صريح لمستعمريها ولا بد أن تتحول إلى محمية إمبريالية تحكمها بريطانيا حكما مباشرا وبحيث تضم أراضيها أقاليم بغداد والبصرة والموصل (العثمانية سابقا). والمشكلة ؟ يضيف المؤلفان ؟ أن فرنسا كانت موعودة بالحصول على الموصل (كذا!) وكان الاعتقاد السائد أنها تحتوي على البترول ولكن كان الاهتمام بضمها إلى المحمية (البريطانية) المرتقبة كي تتوافر موارد الاتفاق على مرافقها في إطار الكيان المنشود الذي بدأوا في تلك الفترة 1918-1920 يطلقون عليه اسم العراق.
مساعدة متخصصة في الاستعراب
ورغم قلة عدد المساعدين، إلا أن الكولونيل ويلسون كان من معاونيه، على عادة البريطانيين في تلك الفترة سيدة مستعربة قيض لها أن تلعب دورا بل أدوارا بالغة الأهمية في تاريخ المنطقة.. وكان اسمها «جيرترود بل»
ورغم أن المِسْ بل ؟ كما تعرفها حوليات تلك الفترة، أو الخاتون كما كانت تعرف في العراق ؟ يتردد اسمها كثيرا على أنها في مقدمة صانعي كيان العراق الحديث، إلا أن كتابنا يحيل إلى مصادر شتى.. تكاد تجمع على أن مهندس الدولة والكيان السياسي في عراق القرن العشرين هو رجل واحد اسمه أرنولد ويلسون.
كان الإنجليز يريدون حكم العراق بشكل غير مباشر.. على نحو ما طبقوه من قبل في مستعمراتهم في كل من الهند ونيجيريا.. أو على حد ما ينوه به المؤلفان: الحكم الداخلي للعرب ولكن بناء على نصائح «المفوض السامي البريطاني».. وفي هذا السياق يقول مستشارو مكتب الهند في رسالة إلى ويلسون: ما نريده في العراق هو إدارة تضم مؤسسات عربية تترك لها الأمور ونحن مطمئنون إلى أننا نمسك الخيوط الأساسية في أيدينا ولن يكلفنا هذا الكثير.. بل تظل في أمان واطمئنان مصالحنا الاقتصادية وخططنا السياسية.
المهم أن وضعت الحرب أوزارها.. وأفضت تسويات الصلح في فرساي إلى تكليف فرنسا بالانتداب على سوريا ولبنان وتكليف بريطانيا بالانتداب على فلسطين والعراق .. وكان ذلك بناء على ما ارتأته عصبة الأمم التي أنشأها الحلفاء المنتصرون بعد الحرب.. وكان الخاسرون هم بالطبع الأطراف المهزومة.. حيث بدأت تركيا العثمانية تجود بالنفس الأخير.. وحرمت ألمانيا من مستعمراتها في افريقيا وسحب الحلفاء كل وعودهم السابقة إلى قيصر الروسيا الذي أطاحت به ثورة أكتوبر البلشفية في موسكو.
بشرت بالاستقرار فاشتعلت الثورة
الآنسة «جيرتزود بل» ظلت ترقب هذه المشاهد كلها وترصد هذه التطورات التي أعقبت الحرب. وكتبت إلى صديقة لها تقول ان الأوضاع تحولت إلى نوع من الفوضى ولكنهم (تقصد رئيسها ويلسون ومكتبها في بغداد) سيعملون على الابتعاد بأرض العراق عن كل ما تأتى به الفوضى من قلق واضطراب.
يعلق كتابنا قائلا في هذا الخصوص: والحاصل أنها كانت مخطئة بالنسبة للعراق. فبعد فترة قصيرة من مؤتمر الصلح في باريس.. شرعت الصحافة الإنجليزية تنشر أخبارا وتقارير عن اضطراب الأوضاع في أرض الرافدين.. وفي سبتمبر عام ,1919. كتب مراسل التايمز من بغداد يقول: أتصور أن كثيرا من الإنجليز كانوا يرون أن السكان المحليين (في العراق) سوف يرحبون بنا لأننا أنقذناهم من الأتراك، وأن كل ما تحتاجه البلاد هو أن تواصل تطورها لكي تكافئ الإنجليز على ما جادوا به من أرواح وما أنفقوه من أموال ؟
لكن الحاصل أن لم يحدث لا هذا ولا ذالك.. ثم مضى المراسل الإنجليزي يقول (ص 145): ومن الناحية السياسية.. نحن نطلب من الإنسان العربي أن يبادل كرامته واعتزازه بنفسه وشعوره بالاستقلال مقابل قدر ضئيل من حضارة الغرب وحتى هذا القدر الضئيل تستوعبه الإدارة الإنجليزية في العراق. (هنا نستعيد مع الكتاب ما تكرر حدوثه بعد هذا التاريخ بنحو 84 سنة حيث كان دعاة غزو العراق في إدارة الرئيس بوش سواء في دوائر الحرب في البنتاجون أو في أروقة المخابرات المركزية.. وعلى رأسهم فولفوتز نائب وزير الدفاع بالذات.. يشددون على أن غزو العراق سيكون أقرب إلى النزهة.. لأن سكانه سوف يستقبلون الغزاة بالورود).
المهم أن ويلسون ومعاونيه وبالذات مساعدته المستعربة «جيرترود بل» خسروا رهاناتهم على استقرار الأوضاع في العراق وعلى إرضاء سكانه بحكاية التخلص من نير الأتراك.. والذي حدث، كما يوضح الكتاب، هو اشتعال التمرد في ربيع عام 1920 (يعرف في حوليات التاريخ العراقي باسم ثورة العشرين) حيث حاربتها القوات البريطانية المحتلة بأوامر ويلسون من بيت لبيت وحيث لم يتورعوا عن استخدام الطائرات ؟
السلاح الحاسم المستجد في ذلك الزمان لقصف مواقع الثوار وقتل المدنيين.. ولتحويل الانتباه عن هذه السلوكيات الوحشية.. قرر وزير المستعمرات، ونستون تشرشل إعفاء ويلسون من موقعه السيادي في العراق.. وكان عليه أن يبحث عن عمل جديد.. وجده ؟ ولا غرو ؟ حين استخدموه مديرا لعمليات شركة البترول الأنجلو إيرانية في مناطق الخليج.
الصفحات: 507
الكتاب: عملية اختراع الشرق الاوسط
تأليف: كارلماير وشارين بريساك
عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: نورتون وشركاه، نيويورك، لندن
