وصل الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى يومه ال100 في سدة الحكم ليكمل بذلك مرحلة التقييم الأولي التي باتت تقليداً متبعاً في الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية بهدف رسم ملامح السياسات التي سيسير على هداها الرئيس للسنوات الأربع المقبلة.
وبغض النظر عن الجدل الذي أثاره البعض بشأن قانونية القسم الذي أداه أوباما حينما تلعثم في ترديد العبارات أو حتى تأخره في أداء القسم لخمس دقائق بعد ال12 ظهراً من يوم ال20 من شهر يناير ما يعني بقاء البلاد نظرياً بدون رئيس لبضع دقائق، إلا أن الرئيس الأميركي واجه في أيامه ال100 الأولى تحدياتٍ كبيرة فرضتها ملفات متشعبة أنسته حلاوة النصر التاريخي الذي حققه ليكون أول أسود يلج البيت الأبيض.
باكستان وأفغانستان
ركز أوباما طوال حملته الانتخابية على هذين البلدين باعتبارهما مفرخة الإرهاب ومصدر التهديد الأمني لبلاده. وفيما اتهم من قبل المعسكر الجمهوري آنذاك على أنه يزايد لإثبات شجاعته، أظهرت الأحداث الأخيرة في المنطقة على أن الرجل كان على حق. فللمرة الأولى منذ تأسيس باكستان، تبدو الدولة النووية المسلمة الوحيدة على شفير الانهيار مع تقهقهر السلطة المركزية إلى حدٍ مدهش على حساب تقدمٍ سريع لحركة «طالبان» التي اعتقد الكثيرون أنها ماتت، فإذا بها تعسكر طلابها على بعد 100 كيلومتراٍ من العاصمة إسلام آباد.
والثابت، أن السلطة المركزية في باكستان، تشظت بين إدارة مدنية عاجزة وغارقة في الفساد والمصالح المتضادة، وسلطة عسكرية قوية غير راغبة في وضع يدها بيد واشنطن لتقليم أظافر «طالبان»، مستعيضةَ عن ذلك بتسهيلاتٍ إلى الحركة الإسلامية المتطرفة للحصول على المزيد من الميزات من الولايات المتحدة وتوجيه رسالة مفادها أن على البيت الأبيض أن يجلس مع الجيش لحل مشاكله في المنطقة لأنه العضو الأقدر في باكستان على التعاطي مع تلك الأمراض، فضلاً عن رغبة الضباط في إظهار الرئيس آصف زرداري بمظهرٍ مهزوز لترتفع أسهم رئيس الأركان أشفق كياني بدلاً منه.
وهذا ما يضع أوباما في معضلةٍ تتراوح بين التخلي عن رئيس منتخب ديمقراطياً لكنه لا يتمتع بالشعبية والكاريزما المطلوبة لمواجهة النفوذ الإسلامي في بلدٍ نشأ لأنه أراد أن يكون مسلماً فحسب، أو الخضوع لمطالب السلطة العسكرية وقائدها كياني الذي يقال الكثير عن ترشيحه ليكون النسخة الثانية من برويز مشرف.
والحل الثالث، وهو المرجح، يكمن في الضغظ على الترويكا السياسية الأمنية: زرداري كياني - وزعيم المعارضة نواز شريف لعزل «طالبان» عن اللعبة السياسية لتجنب الاعتراف بها كقوة قادرة على الزحف إلى المناطق التي تريدها والانسحاب متى شاءت.
أما في أفغانستان، فتبدو الأمور أقل قتامة إلى حدٍ ما. ففي حين عرف عن المناطق القبلية الباكستانية خروجها عن سلطة إسلام أباد، عرفت أفغانستان أيضاً بفوضاها واستدامة النزاعات بين رجال القبائل ولوردات الحرب السابقين بالإضافة إلى فساد حكامها.
والتهمة الأخيرة، تبدو أشبه بقميص عثمان الذي يفضل أوباما بواسطته الضغط على الرئيس الأفغاني حامد قرضاي والذي بات يشكل عبئاً هو الآخر مع التصعيد المستمر لـ «طالبان» ولملمتها لصفوفها في معاقلها في الجنوب على الحدود الباكستانية.
وتسير الأمور بين الرئيسين إلى القطيعة مع التسريبات عن مرشحين مفضلين لواشنطن في الانتخابات الرئاسية المقبلة المزمع إجراؤها في شهر أغسطس المقبل والتلويح باستحداث منصب رئيس وزراء للإضعاف من سلطة قرضاي والتأكيد على حق «معتدلي طالبان» في اقتسام كعكعة السلطة الأفغانية.
وإن كان أوباما هدد مراراً بالتدخل في باكستان للجم طالبان وقتل أسامة بن لادن، فإن التطورات الأخيرة حملت تهديدات واضحة إلى إسلام أباد باتخاذ إجراءات عسكرية أميركية أحادية الجانب «في عمق الأراضي الباكستانية» إن لم تسارع في إنهاء التهديدات الطالبانية وهو ما ينذر بصيف باكستاني ساخن دفع القوات الحكومية قبل أيام إلى تجديد حملتها العسكرية في وادي سوات، فيما سيكون تغيير شكل الإدارة الحاكمة في كابول من المهام الأولية لأوباما بعد الانتخابات، مع المضي قدماً في خطة نشر الجنود ال17 ألفاً التي أعلن عنها مؤخراً، ما يعني بشكلٍ أو بآخر أن «كل شيء سيكون هادئاً على الجبهة الأفغانية» أقله لأشهرٍ معدودة.
إيران والمنطقة
الملف الإيراني يبدو بدوره معقداً جداً لارتباطه بملفاتٍ عالقة تمتد من أفغانستان شرقاً إلى غزة غرباً. ما يهم طهران في نهاية المطاف وضع يدها على قضايا المنطقة وتقديم نفسها على أنها الدولة الحيوية التي تمتلك العصا السحرية القادرة على نزع فتيل الأزمات وإشعالها في الوقت ذاته، حيث يتضح ذلك جلياً في أفغانستان والعراق ولبنان وغزة.
وفي وقتٍ ينتقد فيه البعض ما يصفونه ب«هرولة» أوباما تجاه إيران وتقديمه التنازلات والإشارات ذي المغزى الواحدة تلو الأخرى في مقابل «تمنعٍ» إيراني ازداد وضوحاً ليتحول إلى «تعنتٍ» في مسألتها النووية وقضية تخصيب اليورانيوم، يشير آخرون إلى أن أوباما يتوخى من مقاربته تلك سحب البساط من تحت أقدام الرئيس الإيراني المحافظ محمود أحمدي نجاد لإفساح المجال أمام عودة ثانية للإصلاحيين في انتخابات الرئاسة المقبلة في شهر يونيو.
أو في أسوأ الأحوال، تبرير عمليةٍ عسكرية «جراحية» تأتي فقط بعد استنفاذ كافة الوسائل السلمية، ولا عزاء لطهران حينها لأنها لم تصافح يد أوباما الممدودة كما يطالبها الاتحاد الأوروبي. ولكن هجوماً كهذا، سيشعل جبهة العراق التي يريد لها أوباما أن تبقى هادئة حتى تنفيذ أوامره بسحب الجيش بعد شهرين تقريباً ويزيد من تعقيدات عملية السلام في الشرق الأوسط الميتة سريرياً.
وهنا، تمثل الانفجارات الإرهابية الأخيرة في العراق على ما يبدو محاولةً لنسف أي تقاربٍ أميركي إيراني وقيام تهدئة محتملة مقابل موافقة أميركية ضمنية على إسقاط شرط وقف التخصيب كمبدأ أساسي لبدء التفاوض، فيما يلفت البعض بدورهم إلى أنها قد لا تعدو عن كونها أكثر من ذريعة إيرانية «لملء الفراغ» الأميركي في العراق.
وإن قالوا قديماً، «خذوا الحكمة من أفواه المجانين»، فإن ما صرح به وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أخيراً حول رزمة حلول أو مقايضة تشمل تسوية القضية الفلسطينية فقط بعد فض المسألة النووية الإيرانية قد يجد آذاناً صاغية في واشنطن وطهران، سيضاف إليها بطبيعة الحال قضايا أخرى مرتبطة بهذين الموضوعين كترويض نشاطات حزب الله وحركة حماس وماهية نفوذ إيران في العراق وشكل علاقتها بسوريا التي ستستعيد بدورها هضبة الجولان المحتلة في إطار تلك المقاربة.
ودائماً، تسير الأمور بشكلٍ متوازٍ في الشرق الأوسط، حيث يمكن ببساطة تفسير كلام ليبرمان على أنه نوع من المطالب التعجيزية التي يراد منها الهروب من استحقاقات السلام بربطها بملفاتٍ متشابكة تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ لحلها وإقحام إيران في معادلة شرق أوسطية، خاصةً مع الحديث عن خلافاتٍ نشبت بين إدارة أوباما والحكومة الإسرائيلية اليمينية الجديدة بزعامة بنيامين نتانياهو الرافضة للطرح الأميركي المصر على خيار تسوية النزاع في الشرق الأوسط على أساس حل الدولتين، الذي سارع نجاد إلى منحه الضوء الأخضر ليحرج صقور تل أبيب.
وإن كانت حكومة نتانياهو جاءت في الوقت غير المناسب فلسطينياً، تبرز أهمية المسار السوري في المرحلة «الأوبامية» المقبلة، والحال كذلك، كمخرجٍ لأي حالة احتقان قد تنشأ بسبب جمود الشق الفلسطيني. ولقد كان المسار السوري دوماً المفضل لدى الحزب الديمقراطي الأميركي لخلوه من الكم الهائل من التعقيدات الحساسة التي تشوب شقيقه الفلسطيني في ظل حالة الشك الأميركية من إمكانية أن ترى حكومة وحدة فلسطينية النور قريباً، فيما يرى البيت الأبيض على الضفة الأخرى أن مد اليد إلى دمشق سيضعف من الزخم الإيراني في المنطقة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن التهديدات الإسرائيلية بقصف إيران غير قابلة للتنفيذ أقله على المدى المنظور، إلى أن يتضح الخيط الأبيض من الأسود.
