عندما تدفق الأميركيون لانتخاب باراك أوباما رئيساً لبلادهم كانت الحماسة أخذت بمعظمهم ممن سحروا بآراء المحامي الأسود حيال التغيير والمضي قدماً نحو عالمٍ أفضل تحت شعار: «نعم نستطيع». بدا أوباما الشخص المناسب في الوقت المناسب حيث الأزمة الاقتصادية تعصف بالولايات المتحدة وثقة الأميركيين بعزيمة وطنهم باتت على المحك، فلم يكن حينها من بدٍ سوى أن يأتي بذلك السياسي العصامي بشخصيته الكاريزمية ليبيع مواطنيه الحلم المنشود.

وبعد جولة أوباما الخارجية «الاعتذارية» الأخيرة، اعتبر كثيرون من أصحاب الانتقادات اللاذعة التي وجهت داخل الولايات المتحدة إلى الإدارة الحالية بشأن سياساتها وما قد تشكله من خطرٍ على الأمن القومي الأميركي والدولي أن لملاحظاتهم أساسا من الصحة.

ويحاجج هؤلاء، أن أحداً لم يكن ليتوقع أن يخرج رئيس أميركي ليقول وبأفلاطونية مطلقة إنه يحلم بعالم خالٍ من الأسلحة النووية ويسارع، كما يقولون، إلى إرضاء الكرملين، موقعاً إعلاناً مشتركاً مع الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف بشأن تجديد معاهدة «ستارت 1» الخاصة بخفض الأسلحة الاستراتيجية. انتظر أوباما ليعلن ذلك في أوروبا نفسها التي أسست جولات الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان فيها لحقبة التسيد الأميركي وسقوط الشيوعية المدوي.

ويستمر المنتقدون في حملتهم ليؤكدوا أن أوباما أثار الجدل بخطابه في العاصمة التشيكية براغ في وقتٍ تتربص فيه، بحسبهم، دول نووية عدة كالصين وروسيا لتنهك قيادة الولايات المتحدة للعالم، فيما تشكل أنظمة عقائدية ذي طموحات نووية خطراً استراتيجياً على النفوذ الجغرافي لواشنطن في شبه الجزيرة الكورية والشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يشير معارضو «السياسة الناعمة» إلى أن الرئيس الأميركي أخطأ بتسرعه في الإفصاح عن توجهاته علناً ليخسر أوراقه التي كان يمكن له بواسطتها أن يحصل على تنازلات من أعداء واشنطن.

وبرغم أجواء الارتياح والتفاؤل الحذر التي شاعت في أعقاب «حملة العلاقات العامة» التي قام بها أوباما.

فإن أنصار الرأي الآخر داخل الولايات المتحدة يلفتون إلى ما يعتبرونه «عزلة واشنطن الدبلوماسية» التي وجدت نفسها غارقة فيها بعدما اضطرت إلى القبول بتسوية حيال قرار دولي صادر عن مجلس الأمن يدين التجربة الصاروخية التي قامت بها كوريا الشمالية مطلع الشهر الماضي، في وقتٍ لطالما انتقد فيه أوباما إدارة الرئيس السابق جورج بوش لعزلها الولايات المتحدة عن المنظمة الدولية وفشلها في جمع دول العالم خلفها.

يقولون، أن الطريق إلى جهنم مرصوف بالنيات الحسنة. وفي الآونة الأخيرة، بدأت ترتفع أصوات في الولايات المتحدة تعبر عن خوفها من أن تؤدي قلة خبرة الرئيس الأميركي واستغلاله لما يصفه خصومه بـ «شعبيته الرومانسية» في الولايات المتحدة والعالم إلى خلق أزماتٍ وحروبٍ جديدة، في وقتٍ يتهكمون فيه من أن أوباما لم يكن يقصد من وراء رفعه لشعار: «نعم نستطيع» إلا تأكيد مقدرته على فتح صندوق باندورا الذي انطلقت منه شرور عالمنا هذا.

رؤوف بكر