يختتم المؤلف كتابه الذي يحاول من خلاله الكشف عن مدى النفوذ الذي تمارسه الأيديولوجيا على السياسة الأميركية وبشكل خاص خلال حقبة بوش الابن، بالتأكيد على أن الوقائع والتطورات أدت إلى كشف زيف مدعيي النبوة على شاكلة صموئيل هنتنجتون وبرنارد لويس ودانييل بايبس وبشكل أساسي لجهة سعيهم تعزيز حالة الصدام بين العالم الإسلامي والغرب.

ومن الجوانب التي يلفت المؤلف النظر إليها في سياق عرضه ذاك الإشارة إلى أن مصالح تنظيم القاعدة ذاته في هذا الصدد كانت تتلاقي مع مصالح المحافظين الجدد والشركات الكبرى على الرغم من اختلاف النوايا وأن ذلك قد يكون أحد أسباب تنامي الاهتمام الذي احتلته المواجهة مع العالم الإسلامي التي اتخذت من مصطلح الحرب على الإرهاب شعارا أساسيا لها وفي إطار الربط يشير ريتشارد بوني إلى تصريح للرئيس بوش عقب أحداث سبتمبر يقول فيه أنه على كل أمة وكل المنطقة أن تتخذ قرارها الآن إما أنكم معنا أو أنكم مع الإرهابيين. فيما وصف بن لادن من جانبه الصراع بتعبيرات مماثلة حيث قال أن الأحداث قسمت العالم إلى فسطاطين فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر.

في معرض مناقشة إستراتيجية إدارة بوش ردا على الأحداث انطلاقا من إيمانها بنظرية الصدام والمواجهة، يشير المؤلف إلى أنه لا بد من اعتبار الإرهابيين قانونيا فاعلين ولكن دون مستوى الدول مضيفا أن الإشارة إليهم بالاسم، فضلا عن التصديق على تعريفهم للصراع كما فعل بوش يعتبر بمثابة رفع للإرهابي إلى مكانة الزعيم أو القائد الأجنبي وشرعنة تعريفه للحرب ثم ينتقد المؤلف عن حق اتساع الهدف الذي وضعته إدارة بوش، والذي انعكس في إعلانه أن الحرب على الإرهاب لن تنتهي بانتهاء القاعدة ولكن فقط حينما يتم العثور على كل مجموعة إرهابية في مقدور الولايات المتحدة الوصول إليها على الكوكب ووقفها وهزيمتها.

ويوضح أن صياغة تفويض الكونجرس الذي جرى منحه لبوش هو الذي وسع من نطاق الثأر ليشمل ليس فقط كل الأمم أو الأشخاص أو المنظمات التي يعتقد أنها خططت للهجمات، بل أيضا تلك التي تؤوي مثل تلك التنظيمات أو الأشخاص. وكان ذلك يعتبر ضمنا توسيعا للصراع ليشمل أفغانستان وخارج أفغانستان إلى ما يقول عنه الناقدون أنه حرب محتملة بدون قيود من أجل إعادة تشكيل العالم.

رؤى عقلانية

هنا يحاول المؤلف تقديم رؤى مختلفة يبدو أنه قد تجاوزها الزمن بشأن مواجهة الإرهاب في ضوء التحول الجاري في إدارة أوباما حاليا والتي نبذت المصطلح ذاته وبدأت اقترابات أخرى للتعاطي مع هذه القضية تبدو أكثر عقلانية وإن كانت الرؤى التي يستعين بها المؤلف تصب في الاتجاه ذاته. ومن ذلك ما يراه البعض من أن الحلفاء من ذوي الفعالية يعتبرون مفتاح جهود مكافحة الإرهاب، فمن خلال المساعدة الموحدة من قبل الدول التي يمكن أن تشارك في تحالف مع الولايات المتحدة يمكن احتواء الإرهاب وعلى المدى الطويل ستظهر الانقسامات الكبيرة بين الشبكات الإرهابية على السطح.

وعلى هذا الأساس ينتقد بشدة ميل بوش وتشيني تحديدا للأحادية واعتناقهم لها باعتبارها خطوة كارثية في العلاقات الدولية. ويخلص إلى أن المقاربات المزدوجة ذات الطبيعة الدرامية مثل سحق الإرهابيين من قبل الولايات المتحدة وحدها باستخدام القوة العسكرية الماحقة وتغيير أرضيات توليد الإرهاب من خلال نشر الديمقراطية من المرجح لها أن تفشل هذا علاوة على كلفتها الباهظة.

في ظل مسعاه لتفنيد الأسس التي قامت عليها السياسة الأميركية في إطار ما وصفته بالحرب على الإرهاب يستعرض المؤلف مفهوم الحرب الوقائية وإستراتيجية إعادة بناء الأمم وفشل الهيمنة الخيرة فيشير إلى أن الولايات المتحدة ما زالت مستعدة لإنفاق ما يفوق إنفاقات جميع بلدان العالم الأخرى مجتمعة على قواتها المسلحة وما زالت تعتقد في وجود أخطار من مجموعة مختلف من الدول .. أخطار لا يستشعرها الآخرون.

ويذكر المؤلف أنه في سبيل تحليل مكمن الخطأ في القيادة الأميركية وتوجه السياسة الأميركية فإنه من المفيد العودة إلى أطروحات أحد المحافظين الجدد ـ سابقا ـ وهو فرانسيس فوكوياما الذي يذكر في سياق المبالغة أن عمله كان له تأثير كبير على إدارة بوش يفوق أي مفكر آخر على قيد الحياة.

وحسبما يذهب فوكوياما فإن إسهام المحافظين الجدد المميز في السياسة الخارجية الأميركية هو اعتقادهم بأن الدول الديمقراطية بطبيعتها صديقة ولا تمثل تهديدا ومن ثم فعلى أميركا أن تتوجه إلى أنحاء العالم لتنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان حيثما يكون ذلك ممكنا، وأيضا الاعتقاد بأن بإمكان السطوة الأميركية خدمة الأهداف الأخلاقية.

غير أن فوكوياما نفسه حسبما يذكر المؤلف في حكمه على فشل الهيمنة الخيرة راح يؤكد عن صواب على أن إدارة بوش وداعميها من المحافظين الجدد لم يستخفوا فقط بصعوبة تحقيق النتائج السياسية المرغوبة في أماكن مثل العراق بل إنهم أيضا أساءوا فهم الأسلوب الذي سيكون عليه رد فعل العالم على استخدام القوة والسطوة الأميركية.

فحينما كان بوش يتحدث عن «معنا أو ضدنا» في الحرب الكوكبية على الإرهاب فقد كان يستهدف بلدانا مثل باكستان واليمن لكن المشكلة، حسبما يرى فوكوياما، هي أن أوروبا استمعت إلى ذلك التعبير على أنه تحد لها من أجل الانضمام إلى أجندة إدارة بوش بأسلوب إما أن تقبلها أو تتركها الأمر الذي كان من الطبيعي أن يسبب استيائهم. كما أنه يمكن تفسير إشارة بوش في خطابه عن حالة الإتحاد عام 2002 إلى محور الشر ـ العراق، إيران، كوريا الشمالية ـ على أن الولايات المتحدة كانت تخطط لسلسلة من الحروب الوقائية.

عيوب الهيمنة الخيرة

وفي الإطار ذاته يشير المؤلف إلى ما يعتبره عيوب أساسية في الافتراضات التي تكمن في فكرة الهيمنة الخيرة التي سادت خلال حكم بوش. فقد كانت هذه الرؤية تقوم في المقام الأول على فرضية «استثنائية أميركا» أي فكرة أن بإمكان أميركا استخدام السلطة والقوة حيث لا يستطيع الآخرون استخدامها وذلك لسموها الأخلاقي على غيرها.

كما أن مبدأ الاستباق ضد التهديدات الإرهابية الذي شملته إستراتيجية الأمن القومي لعام 2003 كان مبدأ لا يمكن تعميمه بأمان من خلال النظام الدولي، حيث ستكون أميركا أولى البلدان المعترضة لو أن روسيا أو الصين أو الهند أعلنت مثل هذا الحق للقيام بعملية أحادية وأيضاً فإن الولايات المتحدة تسعى إلى إصدار أحكام على الآخرين فيما هي على غير استعداد لمساءلة سلوكها في أمكان خاصة مثل المحكمة الجنائية الدولية.

ومن هنا فإن الكثير من الأميركيين، وفق ما ذهب إليه فوكوياما، وجدوا أن الاعتقاد في الاستثنائية الأميركية اعتقاد تعوزه المصداقية، بل انتقدوا الهيمنة الخيرة انطلاقا من أسس أكثر واقعية ومن ذلك مثلا عدم الكفاءة في ضوء أن الإدارة الأميركية لم تكن على دراية بمخاطر غزو العراق وما سيقتضيه من إعادة بناء دولة مهزومة؟

يقول المؤلف بعبارة بليغة: إن الولايات المتحدة في سعيها لفرض رؤيتها التي تراها مميزة على العالم لا تسأل عن أسباب اختلاف هذا العالم عنها؟ أو عن أي حق لها في فرض رؤيتها على بقية العالم. وعلى هذا فإنه يقدم صورا للخطر المتزايد الذي أفرزته هذه السياسة مشيرا الى أن هناك نقاد من المحافظين الجدد لسياسة إدارة بوش من بينهم دانييل بايبس يرون أنه كان من الواجب مثلا إزاحة النظام القديم من العراق ثم يتلو ذلك مباشرة انسحاب القوات الأميركية بعد إكمالها لمهمتها، تجنبا لوقوع حرب أهلية.

حرب العراق الأهلية

يعلق على ذلك بالقول أن كثير من مفكري المحافظين الجدد ما زالوا يشعرون بصعوبة قبول المسؤولية عما حدث بالعراق. ففيما يجزم فريد زكريا بأنه لم يتم منح العراقيين جمهورية وإنما حربا أهلية يزعم آخر هو تشارلز كرواثامر أن العراقيين اختاروا الحرب الأهلية بأنفسهم فقد كان دورنا ـ حسب تعبيره ـ هو دور القابلة التي ولدت لهم الحرية، وأنه بالرغم من الأخطاء الأميركية في العراق فإن أي قول غير ذلك يعبر عن غباء!

ثم يحذر المؤلف من الرغبة المتزايد في إعادة رسم الخرائط مشيرا إلى أن أطروحة الحضارات وبخاصة نموذج هنتنجتون لثماني حضارات أساسية يمكن رسم خرائطها تشير إلى وجود اتجاه يلازم العلاقات الدولية هو النزوع إلى التفكير بصوت عال وإعادة رسم الخرائط الأمر الذي يخلق الانطباع بأن الغرب ما زال يعمل بالأسلوب الكولونيالي القديم حينما تم إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط وأفريقيا اعتباطا.

ويشير المؤلف إلى ما يصفه البعض بالإلحاح المستمر لإعادة رسم الخرائط. وفي تأكيد على خطأ فكرة تعديل الحدود يذكر ما ذهب إليه الكاتب رالف بيترز في مقال له بعنوان «حدود الدم: كيف سيبدو الشرق الأوسط المعدل؟ ويرى فيه أنه بدون تعديلات حدودية كبرى لن نرى أبدا شرق أوسط أكثر سلاما، مؤكدا أن الكاتب مصيب في رؤيته أن حدود الدول الشرق أوسطية وأفريقيا هي الحدود الأكثر اعتباطية وتشويها قام برسمها في غالبيتها أوروبيون ذوو مصالح ذاتية.

وأخيرا يؤكد المؤلف أنه قد يكون البديل الفاعل للفشل المتعدد الأطراف والفعل الأحادي هو أن تعمل الولايات المتحدة مع شركائها الديمقراطيين في أنحاء العالم من أجل التعاطي مع التهديدات الإرهابية الكوكبية لعصرنا الراهن وهزيمتها. وأنه لذلك لا بد أن يكون ومن الآن فصاعدا ثمة حوار بين الحلفاء الحقيقيين، لا التحالف المفروض على الأقل من راغبين وأيضا حينما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات حول إن كان يجب التدخل الإستباقي أما لاز

فلا بد من وجود معلومات مفصلة موثقة وتحليل دقيق ونقاش يسبر الأعماق وجدل واستعداد دائم لإعادة تقييم القرائن والأدلة، كما هي في حد ذاتها وليس من منطلق رأي أيديولوجي ضيق. بتعبير آخر فإن كل شئ لم يحدث قبل حرب العراق عام 2003 لا بد أن يحدث في المرة المقبلة، إن كان من المفترض أنه ستكون ثمة هناك مرة مقبلة.

الصفحات: 352 صفحة (متوسط)

الكتاب: مدعو نبوة: صدام الحضارات وحرب الإرهاب

تأليف: ريتشارد بوني

عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق

الناشر: بيتر لانج أكسفورد