في رحلة المؤلف مع تأثير اليمين المحافظ الأميركي على السياسات الخارجية لإدارة الرئيس السابق جورج بوش نواصل في هذه الحلقة استعراض جانب من التحرش الأميركي بإيران بعد ثبوت إخفاق رؤيتها لما ستؤول إليه الأوضاع في العراق وكذلك رؤيته لتجاوز الصدام الذي يدعو إليه فريق المحافظين الجدد مقدما من خلال تجربة المسلمين في أوروبا نموذجا على إمكانية التعايش.

فعلى غرار الوضع بالنسبة للعراق بدأ رموز تيار المحافظين الجدد في العزف على نغمة عدم شعبية النظام الإيراني وفي ذلك يذكر المؤلف ما أشار إليه برنارد لويس في حوار له مع صحيفة «الجيروزاليم بوست» في 29 يناير 2007 من أن كل الأدلة تؤكد عدم شعبية النظام المطلقة لدى شعبه.مضيفا: لقد علمت ؟ والكلام للويس ؟ أن البرنامج الإذاعي اليومي الذي تبثه إسرائيل بالفارسية يستمع إليه الناس في جميع أنحاء إيران باهتمام واستغراق. وفي يناير عام 2007 وبعد ما يربو على عامين من المناشدات الإسرائيلية بدأ أن إدارة بوش قد وضعت خططها للهجوم على إيران في وضع انتظار وهو ما بدأ في تصريح أحد مصادر الإدارة: «لقد قررت الولايات المتحدة أنها تحتاج إلى تعاون إيران في الانسحاب من العراق، لن يوجد وضع به تعاون تتلوه حرب مع إيران».

حسبما يشير المؤلف كان الجانب غير المعلن بشأن الموقف الأميركي من إيران يتمثل في أنه لن يسمح لإسرائيل بالاضطلاع بعمل قررت الولايات المتحدة نفسها عدم القيام به كما أن الإدارة قبلت تقديرات الاستخبارات بأن الضربات الجوية لا يحتمل لها تدمير جميع منشآت إيران النووية المزعومة أو حتى معظمها.

غير أن المؤلف في إطار تناوله لجوانب الصراع على خلفية هذا الموضوع يذكر أن شبكة المحافظين الجدد متعددة الأوجه أثبتت قدرتها على إعادة التجمع لشن ضربة جديدة فكانت الإشارات إلى أن التعاطي مع إيران بالسبل الدبلوماسية له نتائج سلبية.

وهو ما بدأ بشكل واضح في إشارة ريتشارد هولبرووك سفير الولايات المتحدة السابق لدى الأمم المتحدة إلى احتمالات الحرب مع إيران حيث أشار إلى أن إيران أكثر المشاكل إلحاحا للولايات المتحدة وأخطر بلد بالمنطقة وأتهم رئيسها بأنه المعادي للسامية الأكثر ضراوة وخبثا في العالم وبأنه ناكر للهولوكوست وإن أشار في الوقت ذاته إلى صعوبة احتمالات قصف إدارة بوش لإيران.

ما لم يصرح به هولبرووك حسب المؤلف هو أن دعم روسيا لإيران كان حائلا قويا إضافيا دون تنفيذ الولايات المتحدة مثل هذا الهجوم كما أن هولبرووك لم يعترف بأن مثل هذه الضربة الأحادية ضد إيران غير مشروعة.

من الصدام إلى الحوار

ينقلنا المؤلف بعد ذلك في إطار كتابه من الحديث عن الواقع إلى الحديث عما ينبغي أن يكون، فبدلا من صدام الحضارات النظرية أو الأطروحة التي أصبحت تفرض نفسها على كل حديث فإنه يؤكد على ضرورة تعايش الحضارات.

ومن الحديث عن أوروبا يبدأ طرحه، فيشير إلى محاولات التخويف من إضفاء الطابع الإسلامي على أوروبا وهو ما يؤدي إلى الاستغراق في سيناريوهات معقدة عن سقوط أوروبا. ومما يساق في ذلك التقديرات المحتملة عن تطور نمو السكان هناك ومن ذلك مثلا ما طرحه مجلس الاستخبارات القومي الأميركي من أن عدد السكان المسلمين هناك عام 2020 سيتراوح ما بين 25 و40 مليون نسمة مشيرا إلى احتمال حدوث ركود اقتصادي إلا إذا تم احتواء السكان المهاجرين والمسلمين بشكل رئيسي وتوفيق أوضاعهم.

في ذات الوقت الذي أشار فيه إلى أن معدل المواليد للمهاجرين الأوروبيين هو 4,1% أي أقل من معدل 1,2% وهو المعدل المطلوب لضمان الإحلال بدلا من تراجع معدل عدد السكان، الأمر الذي يصل بالبعض، حسب المؤلف، إلى طرح تصورات مخيفة في محاولة لزرع الخوف من المسلمين تقوم على أنه من المحتم أن تجد أوروبا نفسها مع حلول عام 2025 في حالة حرب أهلية بسبب الزيادة المتسارعة في عدد السكان المسلمين.

من الغريب وفق السياق الذي يورده المؤلف أن رموز المحافظين الجدد الذين تناولهم في سياق التأثير على السياسة الخارجية الأميركية لم يتغيبوا عن طرح أنفسهم وفي الاتجاه ذاته على صعيد التخويف من المسلمين في أوروبا.

ومن ذلك حسبما يذكر ريتشارد بوني ما يذهب اليه برنارد لويس من أن أوروبا باستيلاء المسلمين عليها قد تصبح بدورها جزءا من الغرب العربي، أي المغرب. كما يصعد دانيال بايبس من المخاوف في هذا المجال فيقول أن الانهيار الديمغرافي في أوروبا يشير إلى أنها في طريقها إلى الأسلمة. والحل كما يراه هو واحد من خيارات ثلاث: ذوبان أقليتها المسلمة، طرد الأقلية المسلمة، أو استيلاء المسلمين عليها.

ويمثل الخيار الأول الأساس الذي يتم التركيز عليه بصدد التعامل مع هذه القضية، فالمعلقون الأميركيون حسبما يشير المؤلف، يستخدمون تعبير الذوبان لوصف ظاهرة إدماج المهاجرين الجدد في المجتمعات الأوروبية، لكنهم بذلك يغفلون عن الفهم المختلف للتعبير في الولايات المتحدة وبريطانيا ففيما ينظر إلى هذا الأمر كفضيلة في الولايات المتحدة فإنه ينظر إليه بازدراء في بريطانيا.

مستقبل أوروبا

ومن خلال استعراض مفصل للرؤى والتوجهات التي قدمت على خلفية هذه القضية يخلص المؤلف إلى أن مستقبل أوروبا السلمي يعتمد على النجاح في التعاطي مع صدام الثقافات والهويات المحتمل، وهو ما سيكون بحاجة إلى نقلة في الذهنيات المسلمة وغير المسلمة الأوروبية وإيجاد إطار للمجتمع يشجع الاندماج ويحترم الفرد وأيضا الهويات القومية، معتبرا ان الأمر سينم عن تحقيق انتصار كبير حال النجاح في هذه المهمة.

حيث سيتم إبطال أطروحة هنتنغتون عن عدم تواؤم الإسلام والغرب في جانبها الأعظم أهمية، أي في الواقع المعيش لأناس يعملون على خلق مستقبل من التعاون لا الصراع. على هذا الصعيد يتناول الكتاب التجارب والرؤى التي تم تقديمها في هذا الخصوص ومن ذلك ما ذهب إليه كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة، من أن الحوار يمثل إجابة مناسبة وضرورية عن فكرة حتمية صدام الحضارات.

وهو يساعد على التمييز بين الأكاذيب والحقائق، يما ييسر من مهمة كشف المظالم الحقيقية التي تكمن في قلب الصراع. وهى الرؤية التي ينتهي عنان معها إلى التأكيد على أنه إذا كان الحوار بين الحضارات من قبل حظي بقدر من الشك من قبل البعض، فإن أحداث سبتمبر جعلت الحاجة إلى الحوار شديدة الوضوح.

ومن المفارقات التي يلحظها المؤلف أنه قبل ذلك بحوالي عام وتحديدا في 5 سبتمبر عام 2000 كان كوفي عنان قد رحب في نيويورك بمبادرة الرئيس الإيراني خاتمي للحوار بين الحضارات وأعلن عام 2001 عاما للحوار بين الأمم وداخل الحضارات والثقافات والمجموعات وأنه بدون هذا الحوار لن يدوم أي سلام.

ولعل ما كان مبشرا على هذا الطريق تكليف الأمم المتحدة جهات مختصة بكتابة تقرير المجموعة رفيعة المستوى عن تحالف الحضارات والذي كان ثمرة دراسات مجموعة من أطر حضارية مختلفة من ذوي الخبرة الأمر الذي عارضه بعض المحافظين الجدد ممن رأوا أن على الولايات المتحدة أت تعارض تحالف الأمم المتحدة لحوار الحضارات المقترح.

ويعزز التقرير الفهم الذي يرى المؤلف أنه يجب أن يسود التعامل بشأنه فيما بين الحضارات، ومن ذلك أشارته في تفنيد مهم لنموذج صدام الحضارات إلى أن «تنوع الحضارات والثقافات ملمح أساسي للمجتمع البشري وقوة دافعة للتقدم الإنساني ومن طبيعتها ان تتداخل وتتفاعل وتتطور في علاقتها ببعضها. ليس ثمة هرمية للثقافات فقد أسهمت كل منها في تطور البشرية، وحقا فإن تاريخ الحضارات هو تاريخ للاقتباسات المتبادلة والإخصاب الهجيني.

كما يرفض التقرير الرأي القائل بأن الصراعات بين الأديان العالمية هي السبب في التوترات أو الصراعات الدولية حيث يشير إلى أن استخدام الدين من قبل المؤدلجين بقصد تحويل الناس لاعتناق قضاياهم قد أدى إلى اعتقاد مضلل أن الدين ذاته هو السبب الرئيسي للصراع فيما بين الثقافات، وهو ما يؤكد أهمية تبديد سوء الفهم على هذا الصعيد وإجراء تقييم موضوعي مبنى على المعلومات لدور الدين في سياسة العصر الراهنة.

ويتطلب ذلك وفق التقرير التعاطي مع كثير من المشاكل التي تواجه المجتمع الدولي بفاعلية من خلال أطر متعددة الأطراف وهو ما يفرض على الدول أن تدعم المؤسسات متعددة الأطراف وخاصة الأمم المتحدة وتؤازر الجهود التي ستقوى قدرة تلك المؤسسات وأدائها كما يجب في الوقت ذاته رفض الحروب الوقائية واللجوء إلى الحرب فقط في ظل ظروف محددة بعانية أكثر من تلك التي تم العمل بها عام 2003.

وعلى ذلك ومن خلال قراءة التقرير يذكر المؤلف أنه يقدم وصفة تبدو مختلفة عما يقدمه المحافظون الجدد للتعامل مع العلاقات فيما بين الحضارات ومن أجل تعزيز الحوار فبدلا من تصدير الديمقراطية يرى التقرير ان الأنظمة الديمقراطية كي تنجح لا بد أن تبزغ عضويا من داخل ثقافة كل مجتمع وتعكس قيمه المشتركة وتتوافق مع احتياجات مواطنيها واهتماماتهم وهذا ممكن فقط حينما يكون الناس أحرارا ويشعرون بالتحكم في مصائرهم.

أما تغيير الأنظمة الذي يفرض من الخارج والذي يتبعه تأكيد المسوغات الديمقراطية للنظام الحاكم الذي فرضته قوى التدخل الأجنبي فلا يمكن أن يكون وصفة لزيادة عدد الدول الديمقراطية في العالم ما يؤكد أن من مصلحة المجتمعات المسلمة والغربية معا أن توفر الأحزاب الحاكمة في العالم الإسلامي المساحة للمشاركة الكاملة للأحزاب السياسية التي لا تستخدم العنف سواء كانت أحزابا دينية أم علمانية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف يجب أن تكون الحكومات الأجنبية متسقة في دعمها للعمليات الديمقراطية، وألا تتدخل حينما لا تتوافق نتائج الانتخابات مع أجندتها السياسية.

ويعزز المؤلف ما يذهب إليه التقرير وما يراه هو شخصيا يعبر عن الواقع بالاستطلاع الذي أجرته بي بي سي نهاية عام 2006 وعن طريق برنامج المواقف السياسية الدولية بجامعة ميريلاند وهيئة جلوب عن إمكانية وجود صدام حضارات بين العالم الإسلامي والغرب ومحاولة تقييم الرأي العام من هذه القضية في 27 دولة .

وقد تنوعت الإجابات لأسئلة الاستطلاع تنوعا كبيرا في أنحاء العالم المختلفة غير أن رسالة منظمة الاستطلاع كانت متفائلة وكما ذكر ستيفن كول مدير البرنامج بجامعة ميريلاند فإن غالبية من جرى استطلاع رأيهم في اغلب أنحاء العالم رفضوا بوضوح فكرة أن الإسلام والغرب واقعان في أسر صدام حضارات حتمي. فيما كانت النتيجة الأكثر أهمية حسب رئيس هيئة جلوب هي أن الكثيرين في أنحاء العالم يلقون بمسؤولية التوترات بين الإسلام والغرب على الأقليات المتعصبة من الجانبين.

الصفحات: 352 صفحة (متوسط)

الكتاب: مدعو نبوة: صدام الحضارات وحرب الإرهاب

تأليف: ريتشارد بوني

عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق

الناشر: بيتر لانج أكسفورد