بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قبل قرابة العقدين من الزمن، نشأت في المجتمع الروسي، كما هو معروف في أي تغيير جذري، طبقة من الأثرياء الجدد ممن جمعوا بين السياسة والمال فأمسكوا بتفاصيل المشهد في بلادهم بل ورسموه ببراعة في الكثير من الأحيان.
وظهر مطلع التسعينيات نخبة من سادة الطبقة «الأوليغاركية» اصطلح الروس على تسميتهم ب«الخمسة الكبار» لعبوا دوراً كبيراً إبان حقبة الرئيس الراحل بوريس يلتسين قبل أن يختفي ثلاثة منهم عن الساحة السياسية إثر تسلم خليفته ورئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين مقاليد الحكم.
أول الخمسة الكبار هو الجنرال ألكسندر ليبيد سكرتير مجلس الأمن الروسي والمرشح الرئاسي السابق. عرف ليبيد بأنه مهندس اتفاق السلام الذي أنهى حرب الشيشان الأولى، وكان ابتدأ حياته العسكرية ضابطاً في الجيش السوفيتي الذي حارب في أفغانستان. ووصف بأنه خليفة يلتسين المحتمل، قبل أن يطرد فجأةً من منصبه لينتخب حاكماً لثاني أكبر مقاطعة في البلاد هي كراسنويارسك.
جمع ليبيد ثروة طائلة غير معروفة من مناصبه وقربه من دائرة صنع القرار، لكن وفاته بحادث تحطم طائرة هيلكوبتر العام 2002 أثارت الكثير من الشكوك في بلدٍ لا يحتمل القسمة على اثنين.
ويأتي في المركز الثاني رجل الأعمال المثير للجدل بوريس بيرزوفسكي الذي يعتبر الأشد عداءً للكرملين. يعيش بيرزوفسكي حالياً في بريطانيا التي منحته اللجوء السياسي إثر هروبه من روسيا بعيد تسلم بوتين زمام الأمور.
اعتبر بيرزوفسكي على الدوام كسيد «الدائرة الضيقة» التي أحاطت بيلتسين، وساهمت صداقته بابنة الرئيس الروسي الراحل وشرائه أملاك الدولة عند خصخصتها بأسعار بخسة في تكوينه ثروةً فلكية يستخدمها الآن في شن حملة إعلامية وسياسية مكثفة ضد بوتين حيث يدعو صراحةً إلى قلب نظام الحكم في موسكو.
وبرغم صدور العديد من الأحكام القضائية ومذكرات الاعتقال الدولية بحقه بتهمة الاختلاس وغسيل الأموال، إلا أن ذلك لم يمنع مالك شبكة «أو إر تي» التلفزيونية ونائب سكرتير مجلس الأمن الروسي سابقاً من تمويل العديد من أحزاب المعارضة والتحرك بحرية ليسوق لأفكاره، في وقتٍ ارتبط فيه اسمه في أذهان الروس بقضايا اغتيال هزت بلدهم وبريطانيا في السنوات الأخيرة.
أما ثالث الكبار الخمسة، فهو ميخائيل خوردوفسكي إمبراطور النفط والغاز ورئيس مجلس إدارة شركة «يوكوس». مول خوردوفسكي العديد من الأحزاب والمنظمات البحثية والثقافية التي تعنى بالديمقراطية مستغلاً مكانته كأغنى رجال روسيا وأحد أبرز وجوه الأوليغاركية المقربة من بوتين. ولكن علاقته بالرئيس آنذاك ساءت تدريجياً بعدما بدأ ينتقد ما وصفه ب«الديمقراطية الموجهة» في بلاده، لينتهي به الأمر في السجن بتهمة التهرب الضريبي العام 2003 بأملٍ ضعيف في الخروج عما قريب.
ويحتل عملاق صناعة الحديد والألمنيوم ومالك نادي تشيلسي الانجليزي لكرة القدم رومان أبراموفيتش المرتبة الرابعة. وهو حالياً أغنى أثرياء روسيا وأصغر مليارديرات العالم عمراً ب42 عاماً. يعرف عنه ذكاءه الحاد وتواضعه برغم الكثير من الشبهات التي حامت حول الطريقة التي جمع بها ثروته بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حيث واجه العديد من الدعاوى القضائية أدت في إحدى المرات إلى اعتقاله.
كان أبراموفيتش أحد أبرز شركاء بيرزوفسكي، قبل أن يدرك بحاسته السادسة أن لا جدوى من استمرار التعاون مع شخصٍ موضع شبهات فكان أن باع حصته في شركة «سيبنيفت» النفطية وقام بتمويل حملات بوتين الدعائية إبان الانتخابات ليوثق علاقته بمن يصفه ب«أخيه الأكبر».
تسلم أبراموفيتش منصب حاكم إقليم شوكوتكا النائي الذي تخلى عنه العام الماضي بعد أن أنفق حوالي 3 ,1 مليار دولار من ماله الخاص على مشاريع تخص سكان الإقليم، فضلاً عن احتفاظه بمقعدٍ في مجلس النواب.
ويبقى الاقتصادي أناتولي تشوبايس خامساً وهو من رسم بحق ملامح الرأسمالية في روسيا ما بعد الشيوعية بترؤسه لجنة الخصخصة العليا. احتل العام 2004 المركز ال54 في استطلاعٍ للرأي حول أكثر رجال الأعمال احتراماً في العالم، فيما عين رئيساً لمجلس إدارة مؤسسة «نظام الطاقة الروسي الموحد» لنحو عشرة أعوام.
نجا من محاولة اغتيال العام 2005 لأسبابٍ لم تكشف بعد، ويتميز بدهائه السياسي وخبرته الاقتصادية التي جعلت منه مستشاراً في شركة «جي بي مورغان» المعروفة.
تقلد تشوبايس بعض المناصب السياسية كعضوية مجلس النواب ورئاسة «مكتب إدارة الرئاسة» بحكم قربه من يلتسين، بالإضافة إلى تزعمه لحزبٍ ما لبث أن تم حله، لكنه آثر الابتعاد عن العمل السياسي مفضلاً عالم المال والأعمال برغم أنه يعتبر المحرك الحقيقي وراء إعادة انتخاب يلتسين العام .
دبي-رؤوف بكر