بعد أن خصص فصله الخامس للعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل على نحو ما تناولناه في الحلقة السابقة، ينتقل بنا المؤلف بعد ذلك إلى تناول قضية مثلت ملمحا أساسيا لفترة حكم الرئيس الأميركي السابق بوش وتتمثل في تغيير الأنظمة وهى السياسة التي يرى أنها استأثرت بالبيت الأبيض بعد 11 سبتمبر.

وفي سياق تناوله لتلك القضية يذكر المؤلف أنه من المرجح أن تأثير اللوبي الأميركي الموالي لإسرائيل ومعه اليمين المسيحي على السياسة الخارجية كان لا بد وأن يكون غير ذي شأن يذكر لولا ظهور حركة ثالثة، أي المفكرين من المحافظين الجدد الذين نظموا صفوفهم في التسعينيات ووضعوا مقترحات محددة للسياسة تجسد ما ظل حتى آنذاك مجموعة من الأفكار العريضة. ويشير ريتشارد بوني إلى أن كثيرا من المحافظين الجدد تلاميذ الفيلسوف السياسي المحافظ ليو شتراوس وعملوا معه في مشروعات مشتركة. وتقوم فلسفة شتراوس حسب أحد المتخصصين فيها على أن السلام يؤدي للتفسخ وإيمان بالحرب الدائمة لا السلام الدائم، وأنه في ظل غياب تهديد خارجي فلا بد من تصنيع تهديد، وهو ما قد يؤدي بالطبع إلى سياسة خارجية عدوانية.

من هذه النقطة ينقلنا المؤلف إلى تناول تأثير مركز مشروع القرن الأميركي الجديد الذي يعد من المؤسسات البحثية اليمينية الرئيسية ونسب إليه المراقبون دورا أساسيا في تغيير توجهات سياسة بوش الخارجية. وقد أسس المشروع ويليام كريستول مع روبرت كاجان عام 1979 وقد كان امتدادا مؤسسيا لطروحاتهما والتي تقوم على أن قيادة أميركا للعالم هي في صالح أميركا والعالم أيضاً وأن مثل هذه القيادة تقتضي قوة عسكرية، نشاطا دبلوماسيا والتزاما بمبدأ أخلاقي. وحسب الكتاب فإن بيان المبادئ الذي تبناه مركز مشروع القرن الأميركي الجديد في يونيو 1997 تبنى سياسة ريجانية تقوم على القوة العسكرية وفي ذلك قال البيان: نحتاج إلى زيادة الإنفاق العسكري إذا أردنا أن ننفذ مسؤولياتنا العالمية اليوم ومن أجل تحديث قواتنا المتحدة للمستقبل، كما يجب تقوية روابطنا بحلفائنا الديمقراطيين ومجابهة الأنظمة المعادية لمصالحنا وقيمنا وعلينا تعزيز قضية الحرية السياسية والاقتصادية في الخارج.

وقد وقع على هذا البيان عددا من المفكرين والمسوؤلين البارزين الذين ينتمون لحركة المحافظين الجدد مثل فرانسيس فوكوياما وريتشارد شيني. وقد كان الغائب الوحيد المهم من قائمة المحافظين الجدد الموقعين هو ريتشارد بيرل الملقب بأمير الظلام والذي يشير المؤلف إلى أن دوره في إدارة جورج بوش ونفوذه فيها ربما كان مبالغا فيه في ضوء استقالته من منصبه في فبراير 2004. وحسب الكتاب فقد كان بيرل رئيس مجلس إدارة مجلس سياسة الدفاع بين عامي 2001 و 2003 وكان قد عمل لفترة غير قصيرة مع إدارات جمهورية وديمقراطية. ومن الجوانب بالغة الأهمية والدلالة التي يشير إليها المؤلف أنه في عام 1996 كتب بيرل بالاشتراك مع آخرين تقريرا لحكومة بنيامين نتانياهو لدى توليها السلطة اقترحوا فيه من بين العديد من الإجراءات الإطاحة بحكم صدام حسين كهدف استراتيجي مهم لإسرائيل في حد ذاتها.

فرصة ملائمة

ويذكر المؤلف أن القائمين على مشروع القرن الأميركي الجديد توقعوا أن يكون وصول إدارة بوش إلى السلطة بمثابة فرصة كبيرة لهم وهو ما كان لهم بالفعل، غير أن الفرصة التي تحققت جراء وقوع أحداث 11 سبتمبر كانت هي الأكثر ملائمة ومناسبة ولم تكن في الحسبان. وفي ذلك الصدد فقد أشار أحد رموز اليمين المحافظ الجديد في حوار له في يناير عام 2002 إلى أنهم عبروا بوضوح من خلال ما قدموه من أنشطة عن أجزاء مما أصبح فيما بعد مبدأ بوش والذي يقوم على التأكيد على تغيير الأنظمة والتأكيد على نشر الديمقراطية وإمكانية الحرب الاستباقية في عالم ما بعد الحرب الباردة. ورغم ذلك اعترف هذا الرمز ? ويليام كريستول ?

بأنه ذهل من سرعة إدارة بوش وحزمها بعد 11 سبتمبر حينما جمعت تلك الأطروحات معا وصنعت منها وثيقة منطقية واضحة أو إستراتيجية الأمن القومي الأميركي وقد كان رأى إدارة بوش كما نصت عليه ورقة الوثيقة هو أن الحروب الاستباقية مشروعة حينما يكون التهديد باديا أو كافيا حتى في وجود عدم يقين حول وقت هجوم العدو ومكانه.

يذكر المؤلف أنه في غضون تسعة أيام من هجمات سبتمبر صاغ القائمون على مشروع القرن الأميركي الجديد أو خطاب إلى الرئيس عن الحرب على الإرهاب وحصلوا على التوقيعات عليه واشتمل الخطاب على المناداة بتوسيع الحرب من أفغانستان إلى العراق بغض النظر إمكانية إثبات تورط صدام حسين في الهجمات وزعم الموقعون أنه يجب على الولايات المتحدة أن تمد المعارضة العراقية بالدعم المادي والعسكري الكامل لتحقيق هذا الهدف ويجب استخدام القوة العسكرية الأميركية لضمان منطقة آمنة داخل العراق تستطيع المعارضة العمل منها وعلى القوات الأميركية أن تكون مستعدة لمساندة التزام المعارضة العراقية بجميع الوسائل الضرورية.

نمر ليس من ورق

وقد كان الهدف هو قلب صورة النمر المصنوع من الورق التي رسمها بن لادن للأميركيين تم تنفيذ هذا التصور في أفغانستان التي أشار خطاب المشروع الأميركي إلى أنه لا بد من توجيه ضربات شديدة القسوة ضدها. وهو ما يبدو أنه تحقق على صعيد الإدراك الأميركي ويظهر فيما أشار إليه كاتب في وول ستريت جورنال وزعمه أن القنابل والمقاتلات الأميركية والجنود الأميركيين في أفغانستان ساعدوا على تغيير الآراء الشرق أوسطية عن القوة الأميركية وأن إدارة بوش قد برهنت على موقفها المتشدد من القاعدة وطالبان بدرجة لم يتوقعها بن لادن والملا عمر.

مضيفا: إن كسب الحرب في أفغانستان لن يحقق وحده الهدف، وكذلك الحرب ضد شبكات القاعدة، وكذلك الحرب ضد شبكات القاعدة في أماكن أخرى، فقط الحرب ضد صدام هي التي ستستعيد الرهبة منا وتحمي المصالح الأميركي في الخارج والمواطنين في الداخل. لقد ظللنا نتهرب من هذه الحرب لمدة عشر سنوات ويعلم جميع من بالشرق الأوسط ذلك، فنحن وحدنا نخدع أنفسنا.

خبايا سياسات بوش

ويذكر المؤلف في إطار استعراضه لسياسات إدارة بوش فيما بعد 11 سبتمبر وفي رصد دقيق لمجريات هذه السياسة على نحو يساعد القارئ على تفهم خبايا ما جرى خلال تلك الفترة أن الهدف الثاني الذي كان على القدر نفسه من الأهمية كان هو مماهاة نضال الولايات المتحدة ضد الإرهاب مع نضال إسرائيل طويل المدى ضد أعدائها العرب والفلسطينيين بخاصة مماهاتها بشكل دائم وبصورة تترسخ في عقول إدارة بوش. وقد كان هذا هو هدف الخطاب المفتوح الذي أرسله مركز مشروع القرن الأميركي إلى بوش في أبريل عام 2002 والذي شكر الموقعون عليه فيه الرئيس على قيادته الشجاعة للحرب على الإرهاب. وأوصوه بدعم إسرائيل التي هي ضحية رفيقة للعنف الإرهابي الذي يتم شنه على الولايات المتحدة.

ومن الملفت هنا ما يذكره المؤلف من إشارة الموقعين أن إسرائيل تخوض الحرب ذاتها على محور الشر، لكنه محور شر مختلف عن ذاك الذي حدده بوش : حددت إسرائيل إيران والعراق وسوريا أعداء لها في حين حدد إيران والعراق وكوريا الشمالية في خطابه في 29 يناير وفيما بعد في 29 مايو عام 2006 ألقى جون بولتون خطابا بعنوان «أبعد من نطاق محور الشر».

أضاف فيه ثلاث دول أخرى إلى محور بوش وهي ليبيا وسوريا وكوبا علاوة على أخرى محتملة. وكذا مطالبتهم بالتوقف عن الضغط على حكومة إسرائيل كي تتفاوض مع ياسر عرفات مثلما أنه لا يجوز للولايات المتحدة التفاوض مع أسامة بن لادن أو الملا عمر. مع التأكيد في الوقت ذاته على أنه من المعروف جيدا أن صدام حسين ومعه إيران من يمولون الإرهاب ضد إسرائيل ويدعموه، والإشارة إلى أن العراق آوت في الماضي إرهابيين مثل أبو نضال وانها ما زالت ? حسب زعمهم ـ تبقي على علاقات مع شبكة القاعدة.

ويتيح لنا ذلك العرض تتبع خيوط الأساطير الأميركية التي تم نسجها حول ما سمى بالحرب على الإرهاب وهى الحرب التي اختلط فيها الزيف بالخيال على نحو ما تكشف من خلال مذكرات العديد من العالمين بخبايا الأمور في الولايات المتحدة، الأمر الذي انتهى بالرئيس الجديد أوباما في ضوء السمعة السيئة التي اكتسبها هذا التعبير إلى العمل على تغييره واستبداله بآخر هو خطط طوارئ في الخارج.

كابوس العراق

لقد انتهى هذا المشروع إلى كابوس ممثلا في تصاعد عمليات المقاومة في مواجهة الغزو الأميركي للعراق، الأمر الذي رفض مشروع مركز القرن الاعتراف به وراح يطالب بزيادة الإنفاق على الجيش باعتبار أن الولايات المتحدة تنفق نسبة من إجمالي الدخل المحلي على الجيش أقل من أي وقت أثناء الحرب الباردة.

غير أنه مع تزايد الحقائق المتعلقة بالورطة الأميركية في العراق ووصول النقد لسياسة الولايات المتحدة بالعراق إلى ذروتها مع نشر تقرير مجموعة دراسة العراق ومع استنكار الناخبين الأميركيين تلك السياسة في الانتخابات النصفية عام 2006 لجأت إدارة بوش مرة أخرى إلى حاشية المستشارين الضيقة من أجل استشراف رأيهم والذي قام على الترويج لإضافة 21500 جندي للعمل بالعراق.

وهو الطرح الذي اقتنع به بوش مما كان له أكبر الأثر على خطة التدفق التي تلت ذلك لتغيير مسار الحرب على العراق. وهنا يعلق المؤلف بأنه يبدو أن الإدارة لم تتعلم شيئا في الوقت الذي كانت تعلن فيه أنها تواجه الأيديولوجيا الشريرة لعدو شرس، فإنها هي ذاتها كانت أسيرة نفوذ أيديولوجيا المحافظين الجدد الذي نتج عنه خراب لا محدود في أفغانستان والعراق وفقدان الثقة في مشروعية السياسة الخارجية الأميركية. في الوقت الذي أجمعت فيه 16 وكالة استخبارات أميركية على عدم القدرة واقعيا على كسب الحرب في العراق.

إلقاء التبعة على إيران

فماذا كان رد الفعل على هذا الفشل المتبدي في العراق؟ من الغرائب التي يسوقها المؤلف أنه في مواجهة ذلك كان توجه المحافظين الجدد والذي ظل ماثلا حتى نهاية فترة إدارة بوش هو أنه إذا فشلت السياسة الأميركية هناك، فليتم إلقاء المسؤولية على عدو آخر هو إيران وفي ذلك مضت مجموعة أخرى تعمل بنشاط محموم في يناير وفبراير 2007 على التشجيع على عملية عسكرية جراحية ضد منشآت إيران النووية وتغيير نظامها على نحو هدد بانقسام جديد مع الحليف الأوروبي.

وقد راحت الآلة الإعلامية لهذا الفريق تروج لهذا الخيار وفي ذلك راح ريتشارد بيرل والذي كان أحد من تبنوا فكرة غزو العراق يعرب عن ثقته في أن الرئيس الأميركي بوش سيأمر بالعمليات العسكرية اللازمة ضد إيران، وسط تساؤلات عن سبب عدم دعم إدارة بوش للمعارضة الإيرانية وبخاصة القيادات الطلابية في محاولتهم لتغيير النظام.

وإذا كان النظام يقف في تناوله بتطورات تلك القضية عند مرحلة بوش فإن ما يجري حاليا يكشف عن حقيقة تأثير اليمين المحافظ على الإدارة السابقة، فبدون الخوض في تفاصيل تقييم موقف الإدارة الجديدة فإنه لا يمكن إنكار أنها تتبنى لغة مختلفة عن سابقتها وهو ما يبدو واضحا في اللهجة المعتدلة من قبل الرئيس أوباما ذاته وعدد من أركان الإدارة الأميركية بغض النظر عما ستسفر عنه هذه التوجهات على أرض الواقع.

الصفحات: 352 صفحة (متوسط)

الكتاب: مدعو نبوة: صدام الحضارات وحرب الإرهاب

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق

الناشر: بيتر لانج أكسفورد