تواجه اختيارات الناخب الجزائري ضغطا لم يسبق له مثيل في الأيام الأخيرة ليس بخصوص من يختار من المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية المقررة بعد غد الخميس، ولكن بين التوجه الى مراكز الاقتراع او مقاطعة الانتخابات. فيما اتخذت السلطات إجراءات أمنية مشددة بموازاة احتمال صدورعفو عام عن المسلحين.
ولم تثمر وعود المرشحين الوردية بتحويل الجزائر خلال خمس سنوات الى بلد بلا فقر وبلا بطالة يتمتع فيه الجميع بأقصى ما يمكن من الحريات ورفع أجور العاملين وتخفيض أسعار السلع والخدمات، لأن هذه الوعود سبق أن سمعها الناخب قبل عشر سنوات ولم يتحقق منها الا القليل.
لكن الضغط الحقيقي على الناخبين جاء من دعاة المقاطعة. فقد انظم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الى معترك المهتمين بالانتخابات ووزع أول من أمس بيانا دعا فيه الجزائريين الى عدم التصويت لبوتفليقة واعتبر النظام الجزائري «العدو الأول للاسلام والمسلمين» وقبله كان عباسي مدني دعا من مقر اقامته بالدوحة القطرية لمعاقبة النظام بالغياب عن صناديق الاقتراع.
ولقد صار بيانا القاعدة وعباسي مدني من أهم ما يتحدث عنه الناس في الساعات المتبقية على فتح مكاتب الاقتراع في مختلف مناطق البلاد بعد بداية العملية في ديار المهجر وفي المناطق الجزائرية النائية السبت الماضي.
ودفع الموقفان الصادران عن مدني والقاعدة عددا كبيرا ممن كانوا ينوون المقاطعة الى اعادة حساباتهم والتفكير جديا في المشاركة ولو بورقة بيضاء حتى لا يحسبوا على الطرفين. وتوقعت أوساط سياسية وإعلامية أن يصوت كثيرون لبوتفليقة فقط لمعارضة دعوة تنظيم القاعدة.
وتمارس السلطة بدورها نوعا من «الجلد الانتخابي» بشن حملة على المقاطعين ووصفهم بأعداء البلاد وبسحب الانتخاب من موقعه الطبيعي بكونه حقا دستوريا يمارسه من شاء ويتنازل عنه من شاء الى اعتباره «واجبا وطنيا على كل الجزائريين المؤمنين بوطنهم» وذهب وزير الشؤون الدينية بوعبد الله غلام الله أبعد من ذلك حين اعتبره «واجبا وطنيا وفرضا دينيا لأن الانتخاب هو ادلاء بشهادة يفرض علينا الإسلام أداءها» وأمر تبعا لذلك جميع الأئمة بدخول المعترك الانتخابي واستخدام المسجد لهذا الغرض.
والحال أن الخبراء يرشحون انتخابات الخميس لتسجيل نسبة عالية من المقاطعين ليس بسبب دعوات تنظيمات ونشطاء ولكن لأن الجزائريين يئسوا من الانتخاب على سراب، وصاروا يرفضون أن يتحولوا لمجرد «ظاهرة انتخابية» يمارَس الاحتيال عليها من حين لآخر بوعود كاذبة، وسيكون من يقاطعون استجابة لأطراف سياسية نسبة ضئيلة جدا لضعف هذه الأطراف على الساحة ومحدودية آفاقها.
بدورها عززت السلطات إجراءاتها الأمنية في المدن وخصوصا في العاصمة والمناطق الحساسة تحسبا لاعتداءت محتملة من قبل اسلاميين متطرفين. وقضت وحدات الجيش وقوى الأمن في الجزائر على 35 ارهابيا خلال حملة الانتخابات الرئاسية التي انتهت أمس الاثنين. وحسب التقارير الأمنية التي أعلن عنها في الأيام الأخيرة فإن الجيش قتل ارهابيين اثنين بمنطقة ريفية في ولاية بسكرة جنوب شرق البلاد أحدهما مغربي الجنسية.
وفي 23 من الشهر نفسه قتل ثمانية ارهابيين بمنطقة شعبة العامر الجبلية بين ولايتي بومرداس والبويرة بينهم عيسى دلسي المدعو «أبو هشام» أمير «سرية الشامش بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي.
وقتل ثمانية آخرون بمنطقة حمام ملوان في ولاية البليدة يوم الخامس والعشرين من مارس، و يعتقد أنهم آخر من تبقى من « الجماعة الإسلامية المسلحة» التي كانت في العقد الماضي أكبر الفصائل الارهابية وأكثرها دموية.
وقتل في غابات سيد علي بوناب الواقعة بين ولايتي بومرداس وتيزي وزو على نحو 70 كلم شرق العاصمة خمسة من مسلحي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي في قصف تلاه اشتباك مع الجيش.
وفي الثاني من أبريل قتلت وحدات الجيش والدرك 11 ارهابيا في سبعة منهم بمنطقة بوقطن شرق ولاية البويرة و أربعة بولاية البرج. كما قتل ارهابي واحد السبت الماضي. وفضلا عن هذه الحصيلة فقد تمكنت قوى الأمن من شل حركة تنظيم القاعدة .
بدوره اكد الرئيس الجزائري والمرشح الرئيسي عبد العزيز بوتفليقة مجددا ان ابواب المصالحة، «لا تزال مفتوحة» واشار الى احتمال اصدار عفو عام عن الاسلاميين الذين يتخلون نهائيا عن السلاح «اذا وافق الشعب».
موقف
تعليقا على تصريح بوتفليقة قال محمد عصامي الصحافي والكاتب المتخصص في قضايا الارهاب «ان النداءات المتكررة للاستسلام يمكن ان تلقى آذانا صاغية لدى عدد من الارهابيين غير انها لا تملك حظوظا كبيرة في النجاح بين الخلايا المتشددة لهذه المجموعات التي لا تزال في الجبال» مشيرا الى ان «عبد الملك دروكدال (قائد تنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي) والمقربين منه ميؤوس من«استسلامهم».
واضاف «ان الارهابيين تراجعت قوتهم ت بشكل كبير مع تفكيك معظم شبكات الدعم من قبل اجهزة الامن في الاشهر الاخيرة».
