رأى الامين العام السابق للجامعة العربية ان القراءة السليمة الواعية للمستجدات الدولية والإقليمية والاعتراف بحقيقة ظروفنا والتعلم من أخطائنا هي أهم مفردات «روشتة» التضامن العربي.

وأضاف في حوار مع «البيان» ان المشكلة الفلسطينية لا تكمن في نتانياهو أو ليفني بل في حالة العداء المستعر بين «فتح» و«حماس»، لافتًا إلى أن «أوباما مثل كارتر محب للسلام ويمكن للمفاوضات أن تثمر في عهده». ما يلي نص الحوار: من الانجازات الكبيرة التي حققتها هو الاتفاق علي عقد القمة العربية دوريا في مارس من كل عام فكيف تنظر إلى المشهد العربي الراهن بعد إعلان قمة الدوحة في قطر؟ أستطيع القول إن العرب أمة عظيمة مهما كانت فترات الضعف والمشكلات التي يواجهونها لأنهم في رأيي قادرون علي تخطي جميع المشكلات، وهو ما أكدته قمة الدوحة الأخيرة التي أعلنت التزامها بالتضامن العربي وتمسكها بصون سلامة الدول العربية كافة وضرورة تسوية الخلافات العربية بالحوار الهادف، وأقول إن أهم شيء يضمن التضامن العربي ويحقق أهدافه هو القراءة الواقعية السليمة للمستجدات الدولية والإقليمية والاعتراف بحقيقة ظروفنا والتعلم من أخطائنا.

يردد البعض بعد قمة الدوحة أن دور جامعة الدول العربية انتهى ؟فما قولك؟

لا .. لم ينته، ومسؤولية العرب الكبرى هي الحفاظ على جامعتهم وتدعيمها، خاصة وأن المرحلة المقبلة تحمل الكثير من التحديات للعالم العربي وخاصة بعد فوز الأحزاب اليمينية في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة وما ترتب عليها من وجود حكومة برئاسة نتنياهو.

يردد عدد من الخبراء أن المزاج في إسرائيل أصبح مزاجًا أكثر تطرفًا بعد فوز الأحزاب اليمينية في الانتخابات الأخيرة، هل تتفق وهذا القول؟

من واقع خبرتي العميقة بالساسة الإسرائيليين، أستطيع أن أقول إن الإسرائيليين جميعًا متطرفون ومعادون للعرب وفرص السلام، لكن المفاوض الذكي ينجح في وضعهم في «كورنر» يسمح له بالحصول على ما يريده منهم.. وأتصور أنه لا فرق بين نتانياهو وليفني، أو بين بيجين وبيريز وإسحاق رابين، مثلاً في زمان الرئيس السادات.. فجميع الساسة الإسرائيليين متزمتون ومتطرفون وينطلقون من تصورات خاطئة عن التفوق الإسرائيلي.

لكن هل تنامي هذا المزاج المتطرف له علاقة بتزايد حظوظ القوى الراديكالية في الوطن العربي كحماس وحزب الله.. بمعنى صقور هنا وصقور هناك؟

كما سبق أن قلت، في إسرائيل لا فرق يذكر بين صقور وحمائم، فكلهم صقور حتى لو بدوا في رياش الحمائم، وأطلقوا بعض التصريحات السلامية هنا أو هناك، فرغم أن بيجين هو أول رئيس وزراء إسرائيلي يدعو رئيسا عربيا لزيارة القدس ويبدأ معه مفاوضات سلام، فإنه كان رجلاً شرسًا ينطلق من أوهام التفوق الإسرائيلي، ولا يقبل إلا بتصوراته وأطروحاته هو.. فقد أمر مثلاً في مفاوضات الإسماعيلية بتفسير معنى الانسحاب الوارد في القرار 242 بأنه «الانسحاب إلى حدود آمنة»، فلما ذكرته بأنه يقول بالانسحاب من كل الأرض المحتلة، وأخرجت نصه من حقيبتي الذي يعطي الدول الحق في استرداد أراضيها كاملة غير منقوصة، هاجمني وهاجم من سماهم «البيوقراطية المصرية في وزارة الخارجية»، وطلب أن ترفع الجلسة للاستراحة، فاستجاب له الرئيس السادات، وعرفت فيما بعد أنه يعتبرني «الفتى الشرير».

بمناسبة مناحم بيجين.. البعض يؤكد أن تعنت نتانياهو وتطرفه مجرد ظاهرة انتخابية لافتين إلى أنه سبق أن وقع اتفاق «واي ريفر» كما وقع بيجين الليكودي المتطرف أيضًا اتفاق سلام مع مصر..كيف ترى ذلك؟

المشكلة ليست نتانياهو ولا بيجين في اعتقادي.. المشكلة في المفاوض الذي يؤمن بحقوقه ويعرف حدود قوته ومواطن ضعف خصمه، فالمفاوضات لن تكون سهلة سواء كانت مع نتانياهو أم مع ليفني، فكلهم شخصيات شرسة لا تؤمن بالحقوق الفلسطينية، لكن هذا لا يعني أن التفاوض كوسيلة انتهى زمنها أو لم تعد مجدية، فما من حركة تحرر وطني ترفض التفاوض، لكن المشكلة عندنا نحن وتكمن في اعتقادي في الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، وحالة الصراع بين فتح وحماس، وأتصور أنه يتوجب عليهما أن يستفيدا من مفاوضات القاهرة ويحددا ما الذي يريدانه وما الذي يريده الشعب الفلسطيني، وأقصر السبل لتحقيق أحلامه في استرداد الأرض وإقامة الدولة.

باعتقادك كيف يمكن إعادة اللُّحمَة للبيت الفلسطيني الواحد في ظل الانقسام بين ما يسمى معسكري التفاوض والمقاومة؟ هل على المفاوض أن يحمل بندقية ويحمل المقاتل غصن زيتون كما قال عرفات في الأمم المتحدة؟

هذه التحديات تحتاج من إخواننا الفلسطينيين إلى عمق وحكمة وفكر استراتيجي بعيد المدى، فأنا لست ضد المفاوضات كمبدأ أو حتى المقاومة، ولكن القضية الآن هي كيف نظهر متحدين وعلى قلب رجل واحد حتى يمكن للمفاوضات أن تحقق نتائج رغم التعنت الإسرائيلي.

أنت ترى إذن أن من مصلحة إسرائيل الإبقاء على وضعية التصدع في البيت والجسد الفلسطيني؟

نعم، بالتأكيد.. فمن مصلحتها أن تقف وتتفرج وتدعى أمام العالم أنها لا تجد شريكًا فلسطينيًا بل أخوة يتقاتلون ويتنازعون؛ ولذلك فالمهمة الأولى لدينا الآن هي وقف الصراع الفلسطيني الفلسطيني، وتشكيل حكومة توافق وطني، ومن هنا تأتي أهمية الحوار الوطني الفلسطيني الذي تحتضنه مصر هذه الأيام.

شعار «مصر .. أولاً» الذي رفعه الرئيس مبارك ردًا على المزايدات الخارجية يراه البعض محاولة للتنصل من ثوابت أساسية في التوجه العربي لمصر؟

لا أعتقد هذا، فأنت عندما تقول «مصر أولاً» لا تنتقص من عروبتها، فهي قلب العروبة النابض، والمواقف السياسية لبعض الأطراف العربية تعجز أحيانًا عن فهم وإدراك المصالح العليا للأمة العربية في الآماد القصيرة والبعيدة؛ الأمر الذي يؤدي أحيانًا إلى التناقض في مواقف أبناء الأسرة العربية الواحدة وإلى ضياع الفرص.. مصر والأمة العربية وجهان لعملة واحدة باعتقادي.

تنظر القاهرة إلى أنقرة باعتبارها وسيطًا نزيهًا لا يهدد دورها المحوري في القضية الفلسطينية.. لكن ألا تخشى الأجندة الإسلامية لحزب العدالة الحاكم في تركيا؟

هناك حدود لا يتخطاها الأتراك، وهم ينطلقون من تقبلهم لحقيقة الدور المحوري المصري ولا يسعون لتخطيه، وعلينا أن نتجاوب مع أطروحاتهم.

لكن البعض يؤكد أن غضبة أردوغان كما تجلت في نقاشه الحاد مع بيريز مرتبطة بتناغم أجندة حزبه مع أفكار حركة المقاومة الإسلامية حماس؟

أعتقد أن السياسة العامة لتركيا تؤمن بعدالة القضية الفلسطينية، ؟وهذا أمر ينسحب على كل الأحزاب دينية وعلمانية، ولا علاقة لهذا الانحياز بأجندة حماس الإسلامية.

كواحد من أبرز وزراء الخارجية المصريين.. كيف ترى أداء وزارة الخارجية المصرية حاليًا، هل ضعف الأداء؟

لا أشعر أن الأداء ضعف،وأعتقد أنه أداء قوى وأعتز بزمالتي لوزير الخارجية احمد ابو الغيط وزمالته لي، فوزارة الخارجية منذ رائدها الكبير الدكتور محمود فوزي غنية بأبنائها وكفاءاتها .. أحمد أبو الغيط أعرفه منذ أن كان يعمل معي في نيويورك مستشارًا لبعثة مصر بالأمم المتحدة وهو رجل ممتاز وعلى خلق.

هل تؤيد الحديث عن انقسام عربي رسمي وشعبي بين اعتدال وممانعة؟

لو افترضنا وجود مثل هذا الانقسام فإن معسكر الاعتدال له اليد الطولى.. لكنني أرى مع ذلك أنه لا يوجد انقسام حاد، وكل ما هنالك اختلاف في وجهات النظر.

إلى أي حد يمكن لإدارة أمريكية يقودها أوباما أن تلعب دورًا في لجم الأجندة اليمينية المتطرفة لحكومة يقودها نتنياهو وليبرمان؟

أنا لا أعرف أوباما بصفة شخصية، لكن كل ما شاهدته وقرأته عنه يؤكد أنه شخصية معتدلة ومؤمنة بالحقوق العربية، لكن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نتسرع في حكمنا وفي توقعاتنا من الرجل؛ فهو مازال في أول الطريق، غير أن هذا لا ينفي أنه يحمل بذرة مواقف محترمة علينا أن ننميها بالفكر الهادئ والحكمة والتعاطي الإيجابي.. وهو على أي حال يذكرني بكارتر في جانب من جوانبه، فأنا أتصور أنه محب للسلام ويمكن للمفاوضات أن تثمر في عهده.

ثوابت

هناك أمور لا يمكن المساس بها؛ كحق العودة والقدس كعاصمة ؟لفلسطين.. فهذه ثوابت تجمع عليها الأمة كلها، ولا ينبغي لأحد أن ؟يفرط فيها، فأنا واحد من الذين زاروا القدس ولمست عن كثب ؟معناها الروحي وقيمتها المعنوية والنفسية، فقد رتبت السلطات ؟الإسرائيلية لنا زيارة للمسجد الأقصى، حيث أدينا الصلاة وأذكر أنه ؟عندما مررنا أمام حائط المبكى وزع مرافقونا من الإسرائيليين ؟علينا عددًا من أغطية الرأس اليهودية لارتدائها، وكان هذا هو آخر ؟شيء يمكنني قبوله فألقيت به في سلة قريبة منا وسط دهشة ؟المرافقين اليهود بل واستنكارهم، ولذلك لا يمكن أن أتصور دولة فلسطينية دون القدس.