عرضنا على مدى الحلقات الماضية من هذا الكتاب الهام الذي يكشف تأثير الأيديولوجيا على السياسة الخارجية مواقف من يرى المؤلف ريتشارد بوني أنهم يعدون مدعيي نبوة في إطار محاولتهم الإشارة إلى تحقق ما تنبأوا به ممثلا في هجمات 11 سبتمبر، وهم صموئيل هنتنجتون وبرنارد لويس ودانيال بايبس، وعرضنا لتفنيد المؤلف لأفكارهم والمغالطات التي تحتويها.

وبعد الإفاضة في هذا الجانب على مدى ثلاثة فصول بعد الفصل الأول يصحبنا المؤلف في جولة أخرى في محاولة لتفسير أبعاد وحقائق السياسة الأميركية وارتباطاتها بما يمثله هؤلاء من تيار اليمين المحافظ، وذلك من خلال تناول العلاقة الأميركية الخاصة مع إسرائيل وتأثير اللوبي الأميركي اليهودي على مجريات هذه العلاقة. لا يجد المؤلف أفضل صدقا عن أبعاد هذه العلاقة من تصدير الفصل بمقولة للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر الذي يدرجه الكثيرون في عداد الرؤساء المعتدلين يقول فيها: تربطنا بإسرائيل علاقة خاصة، من الأمور الحاسمة بإطلاقه ألا يشك أحد في بلدنا أو أنحاء العالم في أن التزامنا رقم واحد في الشرق الأوسط هو حماية حق إسرائيل في الوجود، في الوجود الدائم وفي السلام، إنها علاقة خاصة.

من هذه المقولة إلى أخرى في معرض تهيئة القارئ لوضعه في أجواء هذه العلاقة الخاصة للسيناتور الديمقراطي إرنست هولنجز في مايو 2004 يشير فيها إلى أنه: حتى الرئيس الأميركي بوش يعترف أن ليس لصدام حسين علاقة بهجمات 11 سبتمبر وبالطبع ليس ثمة أسلحة دمار شامل، لا يوجد تهديد من قبل العراق، فلماذا نغزو دولة ذات سيادة؟ الإجابة سياسة الرئيس بوش للحفاظ على أمن إسرائيل. على خلفية هذا الطرح فإن السؤال الرئيسي الذي يرى المؤلف أنه يفرض نفسه هو من الرابح الأكبر في هذه العلاقة أميركا أم إسرائيل؟ وهل باستطاعة هذا التحالف الوثيق أن يظل يخدم المصالح الإستراتيجية الأميركية على المدى الأبعد؟

أبعاد التأثير اليهودي

من بين النقاط التي تبدو ملفتة للنظر في طرح المؤلف وقد يختلف الكثيرون معه بشأنها ما يشير إلى أن اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لا يختلف كثيرا عن أي لوبي آخر سوى في قوة أدائه وهي الرؤية التي ينسبها إلى واحد من أمثال جورج شولتز مثلا وكذلك الدراسة التي قام بها جون ميرشايمر وستيفن وولت وذهبا فيها إلى أن هذا اللوبي لا يتعدى كونه مجرد جماعة ضغط من بين جماعات أخرى كثيرة وما يميزه هو فاعليته الكبيرة، لا يختلف اليهود الأميركيون الذين يضغطون لصالح إسرائيل عن جمعية المسدسات القومية أو الحركة المعادية للضرائب.. ما يميز اللوبي اليهودي هو جودة أدائه. وعلى النحو ذاته يذهب نعوم تشومسكي والذي يعزو نجاح اللوبي اليهودي إلى توافق مصالحه ومصالح إسرائيل مع مصالح الولايات المتحدة. فيما يشير المؤلف في محاولة لاستعراض الرؤى المختلفة حول هذه النقطة إلى ما يذهب إليه بعض مفندي أطروحات تشومسكي والتي يؤكدون فيها أنه من الضروري إدانة سياسات إسرائيل العدوانية والأنشطة التي تقوم بها ما تسمى بـ «منظمة السطوة الصهيونية» في الولايات المتحدة.

في محاولة للتأكيد على سطوة اللوبي اليهودي رغم ذلك يستعرض المؤلف جانبا من أنشطة مؤسساته وعلى رأسها لجنة «إيباك» والتي تضم مئة ألف عضو وتبلغ ميزانيتها السنوية 47 مليون دولار ويستعرض جهود اللجنة لإزاحة غير المناصرين لإسرائيل ومن ذلك نشاطها في مواجهة بول فيندلي ممثل الحزب الجمهوري من إلينوي بين عامي 1961 و 1982 والنائبة الديمقراطية سينثيا ماكيني التي خسرت الانتخابات الأولية بجورجيا عام 2002 لتمويل إيباك لخصمها. وعلى النقيض كان موقف إيباك سبيلا لصعود نجم السناتور ليبرمان اليهودي الأرثوذكسي الذي كان مرشحا نائبا للرئيس في انتخابات عام 2000 التي ترشح فيها آل جور عن الديمقراطيين، وليبرمان أحد أكثر أعضاء مجلس الشيوخ اتساقا في دعمه لإسرائيل وتأييده للحرب على العراق.

محورية «إيباك»

ومن «إيباك» إلى مصانع الأفكار يشير المؤلف إلى إن اللوبي الموالي لإسرائيل لا يحافظ على موقفه من خلال الأفعال المباشرة فقط، بل أيضا بأسلوب غير مباشر من خلال نفوذ مصانع الفكر، ومن ذلك على سبيل المثال، أن معهد واشنطن المتخصص في العلاقات العربية الإسرائيلية منذ إنشائه عام 1985 عمل كمركز لتدريب صناع السياسة في المستقبل في الإدارتين الجمهورية والديمقراطية. كان مديره المؤسس للسنوات الثماني الأولي هو اليهودي مارتن إنديك الذي عمل سابقا مديرا للأبحاث في إيباك وأصبح مساعدا خاصا للرئيس بيل كلينتون. وأثناء سنواته بمركز الأمن القومي عمل مستشارا رئيسيا للرئيس ولمستشار الأمن القومي للقضايا العربية الإسرائيلية والعراق وإيران وجنوب آسيا. كما عمل سفيرا للولايات المتحدة بإسرائيل مرتين بين عامي 1995 و 1997 ثم من عام 2000 إلى يونيو عام 2001.

ومن مصانع الفكر المهمة الأخرى المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي وهو معهد أبحاث بواشنطن يرى أن التعاون الإسرائيلي الأميركي الإستراتيجي مكون حيوي في معادلة الأمن العالمي للولايات المتحدة. وتبدو اتجاهات موقف المعهد مثلا في بيانه الذي أصدره عقب أحداث 11 سبتمبر حيث دعا الحكومة الأميركية إلى دعم المجلس القومي العراقي بما في ذلك الدعم العسكري الأميركي المباشر لتغيير النظام في العراق، رغم أنه حتى ذلك الحين لم يكن قد ثبت وجود أي ارتباط بين العراق ونظام صدام بالهجمات، غير أن ذلك يكشف عن أن الموقف المناهض للعراق كان يعكس نية مبيته لدى المتنفذين من اللوبي اليهودي وامتداداته في اليمين المحافظ الذي سيطر على الأمور ودفة الحكم في تلك الفترة.

ويشير المؤلف إلى أنه رغم أن بيان المعهد بشأن أحداث سبتمبر لم يتضمن السياسة الإسرائيلية بالضبط، إلا أنه تضمن الإجراءات التي تخدم المصالح الإسرائيلية ممثلة في القضاء على خطوط تزويد التنظيمات الإرهابية وإمداداتها بما في هذا الخطوط بين دمشق وبيروت التي لا تتيح لإيران ؟ حسب البيان ؟ استخدام لبنان قاعدة إرهابية. ومن الملفت للذكر هنا في تأكيد على دور مثل هذه المؤسسات ومحاولتها إيجاد نوع من التماهي بين المصالح والأهداف الأميركية ونظيرتها الإسرائيلية إشارة البيان مثلا إلى المساواة بين حرب أميركا على الإرهاب في مختلف الأوقات وبين صراع إسرائيل ضد الفلسطينيين بصفته نفس الحرب التي تخوضها أميركا.

نفوذ صارخ لليهود

ومن المفارقات التي يشير إليها الكتاب على صعيد اللوبي اليهودي هو الوضع الذي أدى إليه لجهة النفوذ غير المتكافئ في السياسة الأميركية بمعنى أنه فيما أن السكان اليهود يشكلون فقط حوالي 2% من مجموع السكان الأميركيين، فإن نفوذهم داخل الجناح التنفيذي وبخاصة إدارة بوش يفوق هذه النسبة بكثير، الأمر الذي انعكس في ضم هذه الإدارة الكثير من المتحمسين للقضية الإسرائيلية ومنهم إلى جانب الرؤوس الكبيرة المعروفة إليوت إبرامز وجون بولتون ودوجلاس فيث، لويس سكوتر ليبي، فضلا عن ريتشارد بيرل وبول وولفزفيتز وديفيد ويرمسر. وفي إشارة إلى توجهات هؤلاء يقدم نموذج دوجلاس فيث، مشيرا إلى أنه لم يثبت أن أية شخصية في إدارة بوش قد أثارت الخلافات حولها مثل فيث الذي صعد إلى منصب نائب وزير الدفاع لسياسات التفاوض ووجهت إليه الاتهامات بالتلاعب في التقارير الاستخباراتية كي يقوي ذرائع الحرب على العراق.

يذكر ريتشارد بوني أن فيث ذاك ذهب في أكتوبر عام 1991 إلى التأكيد على أنه من الحماقة بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل التفاوض مع الفلسطينيين على قضايا الأمن في حين أن المبادئ المتناقضة وليس الاختلافات حول الأراضي المحتلة هي التي تغذي الصراع العربي الإسرائيلي. وقد أصدر عام 1999 كتابا مولته المنظمة الصهيونية الأميركية بعنوان «أخطار الدولة الفلسطينية». وفي عام 2000 شارك في تأسيس منظمة أميركية إسرائيلية تسمى «قدس واحدة» هدفها إنقاذ القدس الموحدة كعاصمة غير مقسمة لإسرائيل. وتخطب هذه المنظمة ود مشاركة ما يسمي بالصهاينة المسيحيين.

وفي إشارة إلى حجم التأثير الكبير رغم ما قد يلقاه من محاولات صد في بعض الأحيان يذكر المؤلف نقال عن دراسة ميرشايمر وولت إشارتهما إلى أن الرئيسين الأميركيين اللذين كان لهما إسهام كبير في سلام الشرق الأوسط وهما جيمي كارتر وبوش الأب، تمكنا من فعل ذلك تحديدا لأن كلا منهما كان مستعدا أحيانا للسير في طريق منفصل عن اللوبي الإسرائيلي وقد دفع كلاهما ثمنا انتخابيا باهظا للطريق الذي اختاراه حيث لم يتم إعادة انتخاب أي منهما، حيث لم يحصل كارتر عام 1980 سوى على 45% من أصوات اليهود.

ولم يحصل بوش الأب سوى على 11% من تلك الأصوات. وهو ما ينتهي معه ميرشايمر ووولت إلى أنه يجب تطوير علاقة جديدة مع إسرائيل التي لابد من التعامل معها من الآن فصاعدا كدولة عادية وهو ما يعني عدم التظاهر بأن مصالح إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة متطابقة، أو التصرف وكأن إسرائيل بحاجة إلى دعم دائم لا يتزعزع أيا ما فعلت، حينما تتصرف إسرائيل بأسلوب تراه الولايات المتحدة مرغوبا فيه فمن الواجب دعمها أميركيا، أما إن لم تفعل فلابد أن تتوقع المعارضة مثلما تفعل الدول الأخرى.

«فطم» إسرائيل اقتصاديا

كما يشيران إلى أنه لا بد من «فطم» الولايات المتحدة تدريجيا عن المساعدات الاقتصادية الأميركية والعسكرية التي يتم تزويدها بها حاليا. فاقتصاد إسرائيل حسبهما متقدم وسيزدهر أكثر حينما تصل إلى سلام كامل مع جيرانها وتسوية نهائية مع الفلسطينيين، وليس ثمة سبب للاستمرار في دفع الصدقات التي يوفرها دافعو الضرائب الأميركيون وبخاصة أن ثمة دولا كثيرة لها احتياجات ماسة عظمى وأن ما تفعله الولايات المتحدة على هذا النحو هو أنها تدعم أنشطة ليست في مصلحتها القومية.

ومن هنا يحاول المؤلف القيام بما يمكن اعتباره محاولة لإعادة تقييم مفهوم القيم المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة مستعينا هنا برؤية البعض ومفادها ان حيل لوبي إسرائيل لا تعرض أميركا للأخطار فقط، بل إنها تتجاوز مبادئ الحرية والعدالة التي قامت عليها الولايات المتحدة. ويقول المؤلف أن مفهوم القيم المشتركة ذاك يتجاوز كل الاعتبارات ويتجاهلها، فإذا كان البلدان ديمقراطيان كما يساق في معرض الحديث عن هذه القيم، فإن الدولتين ذاتا طبيعة مختلفة، فإسرائيل مثلا ليست دولة تعددية دينيا تفصل بين مؤسسات الدولة والدين كما هو حادث في الولايات المتحدة وإنما هي تتطلب من خلال قانونها الأساسي للهجرة ولاء بقية المواطنين اليهود في جميع الدول وتعتبره حقا لها.

ويضيف المؤلف أنه إذا كان من الواقعي النظر إلى الولايات المتحدة كدولة آمنة ذات علاقات مستقرة مع جيرانها، باستثناء ما ثبت أنه وضع شاذ في السنوات التي أعقبت 11 سبتمبر، فمن المستحيل النظر إلى إسرائيل بهذا الأسلوب بسبب وجودها في حالة حرب مع الفلسطينيين والدول الأخرى المجاورة مثل سوريا مثلا. ويختم المؤلف تناوله لهذا الجانب بالإشارة إلى أن هناك رؤية وسط حول تأثير اللوبي اليهودي بين موقف تشومسكي من ناحية وموقف ميرشايمر وولت من ناحية أخرى يقدمه جوناثان كوك وهو أن كلب الولايات المتحدة وذيله إسرائيل يحركان بعضهما. وتذهب هذه الرؤية إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية طورت طموحات لتوسع إسرائيل في الشرق الأوسط في الثمانينات ثم بحثت عن راع في الولايات المتحدة في النهاية وجدته في اليمين المحافظ.